“أنت تساوي جدول يومك”

"أنت تساوي جدول يومك". سمعت هذه الكلمات من أحدهم، وهي تعبر عن فكرة مهمة في فهم الذات وإدارة الحياة. ينشغل كثيرون منذ مطالع شبابهم بتجميع الشهادات والدورات والخبرات لإنشاء سيرة ذاتية C.V تلفت الأنظار وتثير الإعجاب، ولكن وبرغم قيمة كل ذلك وأهميته، إلا أن الإنسان في نهاية المطاف حزمة من الأعمال والأقوال والمقاصد، فأعمالك التي … متابعة قراءة “أنت تساوي جدول يومك”

المأزق الدنيوي

كنت أفكر في أن الرغبة بالموت أو التوق للانعدام والفناء نجدها عند غلاة الوجوديين والعدميين والحداثيين المرهفين، كما نراها عند كبار المتألهة. تأمل مثلاً رغبة بعض الصحابة -ثم التابعين فمن بعدهم- في أن يكون عدماً لا يبعث، أو أن يكون شعرة، أو بعرة، أو شجرة…الخ. طبعاً هناك فارق هائل، فارق بحجم المسافة بين الكفر والإيمان … متابعة قراءة المأزق الدنيوي

تسويات ودودة

قال لي، أشعر بالراحة مع من يشبهني في الرأي والذوق والمزاج، لأنه يكفيني عناء التبرير، تبرير الرأي، لا أحتاج معه لكدّ الذهن في الاحتجاج لأصالة أقوالي، وحجيتها. وقد لا تكون رصينة -وهي هشة فعلاً في بعض الأحيان- بما يكفي للدفاع عنها، والاستدلال على جودتها. أبدأ مع صديقي من النهايات، نتبادل الرأي في نهايات الأفكار، لا … متابعة قراءة تسويات ودودة

المعرفة المكدّسة

"المعرفة ليست عملية إضافة معلومات جديدة، بل هي في الواقع عملية استبعاد بعض المعلومات من الكمية الضخمة من المعلومات المطروحة عليك" هكذا يقول جلال أمين، ما رأيك بهذا التعريف الغريب للمعرفة؟ لنتأمل. يؤكد زيغمونت باومان في كتابه"هل للأخلاق فرصة في عالم استهلاكي" أن العالم أنتج خلال السنوات الثلاثين الماضية من المعلومات أكثر مما أنتج خلال … متابعة قراءة المعرفة المكدّسة

النفس إن لم تشغلها شغلتك

لاحظت أن البعض يبالغ في تقدير الفائدة المرجوة من قيامه بالأعمال النافعة، ومن ثمّ يترقب باستمرار المردود الذي يتوقع أن يكسبه من قراءته أو تعلمه أو تدريبه أو سماعه أو…الخ. وتتقافز الأسئلة المعتادة: لم أستفد شيئاً بعد أن قرأتُ؟ أو درستُ؟ أو حضرتُ وسمعتُ؟. وهذه السؤالات تنطوي على أمرين: الأول: الرغبة الجامحة والعجلة الفادحة في تحصيل العلم أو الفهم أو الحفظ. الثاني:الغفلة عن ما يحتف بهذه الأعمال من المطالعة والسماع والتدرب وغير ذلك من الفضائل والخيرات والبركات. ومن هذه الفضائل العلم بأن الزمن قصير، وأن الأنفاس محدودة، وكل زمن يُقضي في عمل خير فهو غنيمة محضة، وتأمل في أكوام الشرور التي دفعها الله عنك بتوفيقك للاشتغال بالنافع، من مضار الدنيا ومساخط الله، والإنسان إذا رأى هذه الفتن المخيفة من حوله وبين يديه وعن يمينه وشماله ثم تفكر في نعمة الله عليه بأن قذف في قلبه الانصراف عنها إلى العمل والعلم الفاضل، وحتى المفضول وما دونه من المباح = أدرك عظم المنة وجلال اللطف. والحزم في أن يحارب المرء   الفراغ حيثما حلّ، وأن يشتغل غالب وقتك، ولو بالمفضول إن لم تقوى همته على الفاضل من الأعمال، إن لم يوفق لقراءة البخاري فليقرأ في كتب التراجم ونحوها، فإن لم يطق القراءة، فليشتغل برياضة جسمه، أو بحفظ الشعر، أو تعلم الطبخ، أو بإتقان بعض الفنون الحاسوبية، أونحو ذلك من الأعمال المباحة. المهم أن ينصرف عن مواضع الخطيئة ومظان العصيان وأفعال الأراذل ومصاحبة الثقلاء، وهذا المعنى مناسب جداً لمن لا تعينه قدراته على جمع العلم وفهمه كما ينبغي، وأيضاً لمن يبالغ في المردود الذي يتوقع أن يجنيه عاجلاً من فعل التعلم والتدريب وخلافها. وبالجملة فالمرء أمير نفسه يسوسها ويصلحها حتى يلقى الله مجاهداً طائعاً تواباً منيباً.

لماذا يتراخى البعض عن نصرة المظلوم؟

أحد النماذج التفسيرية المهمة التي تفسّر سلوك عامة الناس المتواطئ حيال مظالم وانتهاكات السلطة، أية سلطة، السياسية، أو الأكاديمية، أو الاجتماعية؛ هو"الإيمان العميق بعدالة الواقع". وهذا يعني أن معظم الناس حين يواجهون أو يسمعون حادثة قمع أو انتهاك من نوع ما لشخص، (مثل اعتقال شرس لجهة أمنية، أو حادثة تعذيب لمتهم، أو قرار أكاديمي يضرّ … متابعة قراءة لماذا يتراخى البعض عن نصرة المظلوم؟

السر الذي يعرفه الجميع

ولا أكتم الأسرار لكن أنمها ولا أدع الأسرار تغلي على قلبي فإن قليل العقل من بات ليلة تقلبه الأسرار جنباً إلى جنب هذه مجازفة شعرية في مديح الإفشاء، وتتضمن مبرر رئيسي لرفض كتمان الأسرار، وهو أن في الكتمان إتعاب للنفس، لأنه يتضمن معاكسة الهوى. وإذا تعمقت أكثر، سترى أن الأسرار على صنفين، صنف الأسرار الشخصية، والثاني أسرار الآخرين، ولكل منها دوافعه. فالإنسان يفشي سره الشخصي لدوافع متنوعة.يفشي سره لصديقه كتعبير عن الثقة، وتأكيد للصداقة، ولتخفيف وطأة وثقل السرّ، ولطلب المساعدة، ولتبرير سلوك أو موقف. كما يفشي الإنسان سرّه للآخرين لأجل جلب الاهتمام (فالناس تصغي للأسرار بنهم)، وأحيانا لإحاطة النفس بهالة من الغموض (هناك صنف من الناس لديه نزعة نرجسية تظهر على شكل إضفاءطابع الغموض الجذاب على الذات، بينما النزعات النرجسية الأخرى ترتكز على التوكيد المفرط للذات، والإبراز المفرط للمواهب الحقيقية أو الموهومة). كما يفشي الإنسان السرّ للتخلص من عقدة الذنب، أو لمجرد التلذذ بالذكرى. أيضاً إفشاء السرّ قد يكون تكتيكاً خفياً لاستدراج الطرف المقابل للإفضاء بما لديه، وهوأسلوب ينجح كثيراً. وفي الناحية الأخرى، يفشي الإنسان أسرار الآخرين لإيجاد مادة للحديث، ولذلك صفة الإفشاء و"التسريب" متصلة بشكل وثيق بإتساع الثرثرة. كما يفشي الإنسان أسرار الآخرين لأجل الظهور بمظهر المطّلع، والعارف بخفايا الأمور. ولأجل تشويه السمعة، أو النميمة، أو الانتقام، أو أياً من الدوافع الغامضة التي يصعبحصرها. ومن الشائع الطريف لدى بعض الأسر والعوائل، وبعض بيئات العمل، وما شابه ذلك، أن ينتشر سرٌ ما، انتشار النار في الهشيم -كما في التعبير التقليدي-، ولكن في العلن الكل يتظاهر بأنه لا أحد يعرف عن السرّ شيئاً، والسبب أن الكل يقول للجميع السر بصورة فردية، مع التأكيد والتشديد على عدم الإفشاء، فيكون السرّمثل "المطار السري" الذي يعرفه الجميع. أحدهم مرةً قال لي سأخبرك بسرّ، بالشرط  التاريخي المعهود، أقصد بشرط أن لا أخبر أحداً، فقاطعته بهدوء، وقلت بوضوح:"إذاً لا تخبرني به". لأني لا أرغب بسماعه أصلاً، ثم إني لا أحب هذا الشرط، لأنه يثقل كاهل المرء بلا طائل. وأي سرّ ستضطر لتأكيد هذا الاشتراط قبله: لا تنبس به شفتاك أصلاً، إلا لمصلحة مؤكدة.

القدر الكوني

عموم الناس يغطسون بأبصارهم وبصائرهم في القدر الشرعي، وينسون القدر الكوني. والقدر الشرعي هو ما أراد الله وقوعه، وأحب حصوله شرعاً، كسائر الأوامر في الشريعة. أما القدر الكوني فهو ما أراد الله وقوعه، مع بغض الله له، كسائر الكفر والفسوق والفجور والمظالم الواقعة من الناس. وهذه القسمة الثنائية هي من أهم المرتكزات النظرية لفهم طبيعة العلاقة بين الإرادة الإلهية وأفعال العباد، طبقاً لاستخلاص نهائي لدلالات الوحي الجامعة في هذا الباب. والحق أننا مكلفون بملاحظة القدر الشرعي، ولكن مراعاة أو تأمل القدر الكوني مصلح للعقل، دالّ إلى حسن النظر، وجلاء الحكمة الإلهية، ومريح للنفس. فقد قدّر الله وقوع الكفر في العالم، وانتشار الكفار، حتى قرب أوان الساعة، وتغلبهم في بعض الأزمنة، وقدّر كثرة الفساد في أواخر الزمان، وفشو الهرج والمرج، وتفاقم القتل، وإراقة الدماء، وكثرة العري، والانحلال الأخلاقي، والجرائم والسرقات،…الخ، وكل هذا واقع لا محالة بمقتضى إرادة الله الكونية النافذة، هل هذا يعني القبول بذلك؟ أو ترك النكير أو الاحتجاج؟ أو التبلّد؟ لا. ولكن هذا يعني معقولية ما يحدث ضمن السياق الكوني، والترتيب الإلهي للحال البشرية في هذه اللحظة من تاريخ العالم. وبغير الوحي، ثم الإدراك التاريخي الرصين لن تستطيع إدراك معقولية مفهومة لحجم البذاءة السياسية، والفجور الدموي، والتوحش الغاشم، والكفر الأسود، الذي يقع اليوم، بجوارنا، وبجوار الآخرين. ثم إن هذا الواقع يمكنك تفسيره أيضاً، عبر تأمل قابلية النفس البشرية لاعتناق أقذر الشرور، وأبشع الخبائث التي لا تخطر ببال الشيطان، وعبر تدبر آثار تطاول الأمد البعيد الذي يفصلنا عن النور الأخير الذي أرسل إلى هذا العالم، والتطور الجنوني للتقانات الحداثية، وتفاقم خطايا بني آدم، والمظالم البشعة المتراكمة، وغير ذلك. وعلى أيةحال فتأمل مغزى القدر الكوني، والاستبصار التاريخي ينفي العبثية وإلصاق صفة الجنون بالأحداث، فالبصيرة القصيرة هي التي تتوهم العبثية العدمية للواقع. ولله في خلقه شؤون، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

الدنيا أنموذج

كتب أحدهم:"إنه نمط الزواج الأشد بؤسًا؛ فهو غير كارثي بحيث يمكنك الشكوى، وغير سعيد فينجيك من ألمك". الرجل -في علاقة زوجية كهذه- ليس تعيساً بصورة مكتملة الأركان، ولا هو يبغض زوجته تماماً، أو يمقت نمط عيشه جذرياً، فيضطر لإلغاء هذه العلاقة، وفي الوقت نفسه ليس مبتهجاً راضياً كما يتمنى. كما أن الزوجة أيضاً لا تشعر برغبة جادة في مفارقة زوجها، وهي في الوقت نفسه لا تشعر براحة عميقة في البقاءمعه، ولا بسعادة غزيرة كما كانت تطمح في خيالاتها القديمة. إنه نمط سائد لكثير من  الزيجات حول العالم، لأن حال السعادة المكتملة، والتوافق التام، والراحة المطلقة، ليست معان دنيوية أبداً، وإنما هي أمنيات تتحقق غداً. عندما تضع أول قدم لك في الجنة. ولكن في الدنيا لابد من لذة ما، سعادة تزورنا بين فينة وأخرى، في ما نشتهيه، أو نميل إليه. لابد من متعة صغيرة، تجعلنا نستسيغ الحياة، وتقدم لنا مبرراً لمقاومة الألم، حتى يأذن الله بخروج الروح من هذا القفص، كعصفور استرد حريته. ابن الجوزي رحمه الله له عبارة مدهشة، يقول: «شهوات الدنيا أنموذج، والأنموذج يعرض ولا يقبض!»، فالعلاقة الممتعة بالأنثى نموذج مصغر للقاء الحور، والمتعة بالشراب اللذيذ هنا نموذج مصغر للتمتع بالخمر واللبن هناك، وكذلك التمتع بالمأكل، والخدمة، والخضرة، والوجه الحسن، والغناء، والتسوق، والمراكبالفارهة، والملابس الفخمة، كلها نماذج صغيرة، وحقيرة، بالقياس لما هنالك. وهكذا في سائر اللذات. فمباهج الدنيا نماذج، وعادة النموذج أن يكون للعرض فقط، ولا أحد يشتريه، ولا أحد يطمع به، ولا يسرقه إلا الأغبياء، ووظيفة النموذج الأساسية هي الإغراء باقتناء السلعة الأصلية فحسب.

أحب العرب

أحب العربي المسلم. أحب العربية المسلمة. وأحب العرب، وأعتز بالانتماء لهم. أحب اللغة العربية، اللغة الشاعرة، الفاخرة. أحب الرسول ﷺ، وهو عربي، ولا يمكنني تجاهل المغزى والعلة التي خصّ الله من أجلها العرب ولغتهم ليحملوا شعلة النور الأخيرة إلى هذا العالم الحالك. لا أدّعي فيهم ملائكية، ولا أخلط قولي بعنصرية جاهلية. أدرك أن العرب ليسوا على ما يسر، في هذا الوقت من تاريخ العالم. اجتمع على قطاع كبير منهم جيوش الفقر، والجهل، ورزحوا عقوداً طوالاً تحت نير الاحتلال، ثم الاستبداد والقمع، فكثر فيهم الأقزام، وساد المشوهون. على أن في العرب من الدين والشرف والفضائل ما تتطامن له أعناق أكثر منيمشي على هذه الأرض. أمقت الشعوبية الجديدة، التي تصدر أحكاما مقولبة، وتصم العرب بشتى النقائص، بل تعزو واقعهم الحالي المرير لعوامل جينية سحيقة. تنظر إليهم كمتخلفين أبديين، وبرابرة مقززين، ومجموعة من الكائنات المعاصرة، معاصرة شكلاً لا مضموناً. تقدمهم بقناعة كهمج، كجماعات فوضوية، كحفنة من الشبقين والعاهرات.كنت تقرأ هذه الأوصاف الجائرة المجنونة من قلم مستشرق إفرنجي أقلف، يحمل فوق ظهره ثارات القرون القديمة، وغطرسة الحداثة، وعجرفة الرجل الأبيض، والآن تسمعها من أفواه بعض من حولك، ولو بتنويعات مخففة. وأصبح الحديث عن ثلب العرب، وتنقصهم أمراً معتاداً. تقرأه في الصحافة المهترئة، ويتحدث به محلل سياسي مترهل الوجه، وخبير عسكري فاسد، وتسمعه هنا وهناك، مع كل إخفاق جديد، لنا نحن العرب. العرب الذين سأظل أحب فاضلهم، وسأظل أعتقد أن الشر الذي فيهم ليس أكثر من الشر الذي عند غيرهم، وأن الخير الذي فيهم ربما يكون أكثر أصالة من الخير الذي عند غيرهم.