“أنت تساوي جدول يومك”

"أنت تساوي جدول يومك". سمعت هذه الكلمات من أحدهم، وهي تعبر عن فكرة مهمة في فهم الذات وإدارة الحياة. ينشغل كثيرون منذ مطالع شبابهم بتجميع الشهادات والدورات والخبرات لإنشاء سيرة ذاتية C.V تلفت الأنظار وتثير الإعجاب، ولكن وبرغم قيمة كل ذلك وأهميته، إلا أن الإنسان في نهاية المطاف حزمة من الأعمال والأقوال والمقاصد، فأعمالك التي … متابعة قراءة “أنت تساوي جدول يومك”

المأزق الدنيوي

كنت أفكر في أن الرغبة بالموت أو التوق للانعدام والفناء نجدها عند غلاة الوجوديين والعدميين والحداثيين المرهفين، كما نراها عند كبار المتألهة. تأمل مثلاً رغبة بعض الصحابة -ثم التابعين فمن بعدهم- في أن يكون عدماً لا يبعث، أو أن يكون شعرة، أو بعرة، أو شجرة…الخ. طبعاً هناك فارق هائل، فارق بحجم المسافة بين الكفر والإيمان … متابعة قراءة المأزق الدنيوي

تسويات ودودة

قال لي، أشعر بالراحة مع من يشبهني في الرأي والذوق والمزاج، لأنه يكفيني عناء التبرير، تبرير الرأي، لا أحتاج معه لكدّ الذهن في الاحتجاج لأصالة أقوالي، وحجيتها. وقد لا تكون رصينة -وهي هشة فعلاً في بعض الأحيان- بما يكفي للدفاع عنها، والاستدلال على جودتها. أبدأ مع صديقي من النهايات، نتبادل الرأي في نهايات الأفكار، لا … متابعة قراءة تسويات ودودة

المعرفة المكدّسة

"المعرفة ليست عملية إضافة معلومات جديدة، بل هي في الواقع عملية استبعاد بعض المعلومات من الكمية الضخمة من المعلومات المطروحة عليك" هكذا يقول جلال أمين، ما رأيك بهذا التعريف الغريب للمعرفة؟ لنتأمل. يؤكد زيغمونت باومان في كتابه"هل للأخلاق فرصة في عالم استهلاكي" أن العالم أنتج خلال السنوات الثلاثين الماضية من المعلومات أكثر مما أنتج خلال … متابعة قراءة المعرفة المكدّسة

النفس إن لم تشغلها شغلتك

لاحظت أن البعض يبالغ في تقدير الفائدة المرجوة من قيامه بالأعمال النافعة، ومن ثمّ يترقب باستمرار المردود الذي يتوقع أن يكسبه من قراءته أو تعلمه أو تدريبه أو سماعه أو…الخ. وتتقافز الأسئلة المعتادة: لم أستفد شيئاً بعد أن قرأتُ؟ أو درستُ؟ أو حضرتُ وسمعتُ؟. وهذه السؤالات تنطوي على أمرين: الأول: الرغبة الجامحة والعجلة الفادحة في تحصيل العلم أو الفهم أو الحفظ. الثاني:الغفلة عن ما يحتف بهذه الأعمال من المطالعة والسماع والتدرب وغير ذلك من الفضائل والخيرات والبركات. ومن هذه الفضائل العلم بأن الزمن قصير، وأن الأنفاس محدودة، وكل زمن يُقضي في عمل خير فهو غنيمة محضة، وتأمل في أكوام الشرور التي دفعها الله عنك بتوفيقك للاشتغال بالنافع، من مضار الدنيا ومساخط الله، والإنسان إذا رأى هذه الفتن المخيفة من حوله وبين يديه وعن يمينه وشماله ثم تفكر في نعمة الله عليه بأن قذف في قلبه الانصراف عنها إلى العمل والعلم الفاضل، وحتى المفضول وما دونه من المباح = أدرك عظم المنة وجلال اللطف. والحزم في أن يحارب المرء   الفراغ حيثما حلّ، وأن يشتغل غالب وقتك، ولو بالمفضول إن لم تقوى همته على الفاضل من الأعمال، إن لم يوفق لقراءة البخاري فليقرأ في كتب التراجم ونحوها، فإن لم يطق القراءة، فليشتغل برياضة جسمه، أو بحفظ الشعر، أو تعلم الطبخ، أو بإتقان بعض الفنون الحاسوبية، أونحو ذلك من الأعمال المباحة. المهم أن ينصرف عن مواضع الخطيئة ومظان العصيان وأفعال الأراذل ومصاحبة الثقلاء، وهذا المعنى مناسب جداً لمن لا تعينه قدراته على جمع العلم وفهمه كما ينبغي، وأيضاً لمن يبالغ في المردود الذي يتوقع أن يجنيه عاجلاً من فعل التعلم والتدريب وخلافها. وبالجملة فالمرء أمير نفسه يسوسها ويصلحها حتى يلقى الله مجاهداً طائعاً تواباً منيباً.

لماذا يتراخى البعض عن نصرة المظلوم؟

أحد النماذج التفسيرية المهمة التي تفسّر سلوك عامة الناس المتواطئ حيال مظالم وانتهاكات السلطة، أية سلطة، السياسية، أو الأكاديمية، أو الاجتماعية؛ هو"الإيمان العميق بعدالة الواقع". وهذا يعني أن معظم الناس حين يواجهون أو يسمعون حادثة قمع أو انتهاك من نوع ما لشخص، (مثل اعتقال شرس لجهة أمنية، أو حادثة تعذيب لمتهم، أو قرار أكاديمي يضرّ … متابعة قراءة لماذا يتراخى البعض عن نصرة المظلوم؟

السر الذي يعرفه الجميع

ولا أكتم الأسرار لكن أنمها ولا أدع الأسرار تغلي على قلبي فإن قليل العقل من بات ليلة تقلبه الأسرار جنباً إلى جنب هذه مجازفة شعرية في مديح الإفشاء، وتتضمن مبرر رئيسي لرفض كتمان الأسرار، وهو أن في الكتمان إتعاب للنفس، لأنه يتضمن معاكسة الهوى. وإذا تعمقت أكثر، سترى أن الأسرار على صنفين، صنف الأسرار الشخصية، والثاني أسرار الآخرين، ولكل منها دوافعه. فالإنسان يفشي سره الشخصي لدوافع متنوعة.يفشي سره لصديقه كتعبير عن الثقة، وتأكيد للصداقة، ولتخفيف وطأة وثقل السرّ، ولطلب المساعدة، ولتبرير سلوك أو موقف. كما يفشي الإنسان سرّه للآخرين لأجل جلب الاهتمام (فالناس تصغي للأسرار بنهم)، وأحيانا لإحاطة النفس بهالة من الغموض (هناك صنف من الناس لديه نزعة نرجسية تظهر على شكل إضفاءطابع الغموض الجذاب على الذات، بينما النزعات النرجسية الأخرى ترتكز على التوكيد المفرط للذات، والإبراز المفرط للمواهب الحقيقية أو الموهومة). كما يفشي الإنسان السرّ للتخلص من عقدة الذنب، أو لمجرد التلذذ بالذكرى. أيضاً إفشاء السرّ قد يكون تكتيكاً خفياً لاستدراج الطرف المقابل للإفضاء بما لديه، وهوأسلوب ينجح كثيراً. وفي الناحية الأخرى، يفشي الإنسان أسرار الآخرين لإيجاد مادة للحديث، ولذلك صفة الإفشاء و"التسريب" متصلة بشكل وثيق بإتساع الثرثرة. كما يفشي الإنسان أسرار الآخرين لأجل الظهور بمظهر المطّلع، والعارف بخفايا الأمور. ولأجل تشويه السمعة، أو النميمة، أو الانتقام، أو أياً من الدوافع الغامضة التي يصعبحصرها. ومن الشائع الطريف لدى بعض الأسر والعوائل، وبعض بيئات العمل، وما شابه ذلك، أن ينتشر سرٌ ما، انتشار النار في الهشيم -كما في التعبير التقليدي-، ولكن في العلن الكل يتظاهر بأنه لا أحد يعرف عن السرّ شيئاً، والسبب أن الكل يقول للجميع السر بصورة فردية، مع التأكيد والتشديد على عدم الإفشاء، فيكون السرّمثل "المطار السري" الذي يعرفه الجميع. أحدهم مرةً قال لي سأخبرك بسرّ، بالشرط  التاريخي المعهود، أقصد بشرط أن لا أخبر أحداً، فقاطعته بهدوء، وقلت بوضوح:"إذاً لا تخبرني به". لأني لا أرغب بسماعه أصلاً، ثم إني لا أحب هذا الشرط، لأنه يثقل كاهل المرء بلا طائل. وأي سرّ ستضطر لتأكيد هذا الاشتراط قبله: لا تنبس به شفتاك أصلاً، إلا لمصلحة مؤكدة.

القدر الكوني

عموم الناس يغطسون بأبصارهم وبصائرهم في القدر الشرعي، وينسون القدر الكوني. والقدر الشرعي هو ما أراد الله وقوعه، وأحب حصوله شرعاً، كسائر الأوامر في الشريعة. أما القدر الكوني فهو ما أراد الله وقوعه، مع بغض الله له، كسائر الكفر والفسوق والفجور والمظالم الواقعة من الناس. وهذه القسمة الثنائية هي من أهم المرتكزات النظرية لفهم طبيعة العلاقة بين الإرادة الإلهية وأفعال العباد، طبقاً لاستخلاص نهائي لدلالات الوحي الجامعة في هذا الباب. والحق أننا مكلفون بملاحظة القدر الشرعي، ولكن مراعاة أو تأمل القدر الكوني مصلح للعقل، دالّ إلى حسن النظر، وجلاء الحكمة الإلهية، ومريح للنفس. فقد قدّر الله وقوع الكفر في العالم، وانتشار الكفار، حتى قرب أوان الساعة، وتغلبهم في بعض الأزمنة، وقدّر كثرة الفساد في أواخر الزمان، وفشو الهرج والمرج، وتفاقم القتل، وإراقة الدماء، وكثرة العري، والانحلال الأخلاقي، والجرائم والسرقات،…الخ، وكل هذا واقع لا محالة بمقتضى إرادة الله الكونية النافذة، هل هذا يعني القبول بذلك؟ أو ترك النكير أو الاحتجاج؟ أو التبلّد؟ لا. ولكن هذا يعني معقولية ما يحدث ضمن السياق الكوني، والترتيب الإلهي للحال البشرية في هذه اللحظة من تاريخ العالم. وبغير الوحي، ثم الإدراك التاريخي الرصين لن تستطيع إدراك معقولية مفهومة لحجم البذاءة السياسية، والفجور الدموي، والتوحش الغاشم، والكفر الأسود، الذي يقع اليوم، بجوارنا، وبجوار الآخرين. ثم إن هذا الواقع يمكنك تفسيره أيضاً، عبر تأمل قابلية النفس البشرية لاعتناق أقذر الشرور، وأبشع الخبائث التي لا تخطر ببال الشيطان، وعبر تدبر آثار تطاول الأمد البعيد الذي يفصلنا عن النور الأخير الذي أرسل إلى هذا العالم، والتطور الجنوني للتقانات الحداثية، وتفاقم خطايا بني آدم، والمظالم البشعة المتراكمة، وغير ذلك. وعلى أيةحال فتأمل مغزى القدر الكوني، والاستبصار التاريخي ينفي العبثية وإلصاق صفة الجنون بالأحداث، فالبصيرة القصيرة هي التي تتوهم العبثية العدمية للواقع. ولله في خلقه شؤون، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

الدنيا أنموذج

كتب أحدهم:"إنه نمط الزواج الأشد بؤسًا؛ فهو غير كارثي بحيث يمكنك الشكوى، وغير سعيد فينجيك من ألمك". الرجل -في علاقة زوجية كهذه- ليس تعيساً بصورة مكتملة الأركان، ولا هو يبغض زوجته تماماً، أو يمقت نمط عيشه جذرياً، فيضطر لإلغاء هذه العلاقة، وفي الوقت نفسه ليس مبتهجاً راضياً كما يتمنى. كما أن الزوجة أيضاً لا تشعر برغبة جادة في مفارقة زوجها، وهي في الوقت نفسه لا تشعر براحة عميقة في البقاءمعه، ولا بسعادة غزيرة كما كانت تطمح في خيالاتها القديمة. إنه نمط سائد لكثير من  الزيجات حول العالم، لأن حال السعادة المكتملة، والتوافق التام، والراحة المطلقة، ليست معان دنيوية أبداً، وإنما هي أمنيات تتحقق غداً. عندما تضع أول قدم لك في الجنة. ولكن في الدنيا لابد من لذة ما، سعادة تزورنا بين فينة وأخرى، في ما نشتهيه، أو نميل إليه. لابد من متعة صغيرة، تجعلنا نستسيغ الحياة، وتقدم لنا مبرراً لمقاومة الألم، حتى يأذن الله بخروج الروح من هذا القفص، كعصفور استرد حريته. ابن الجوزي رحمه الله له عبارة مدهشة، يقول: «شهوات الدنيا أنموذج، والأنموذج يعرض ولا يقبض!»، فالعلاقة الممتعة بالأنثى نموذج مصغر للقاء الحور، والمتعة بالشراب اللذيذ هنا نموذج مصغر للتمتع بالخمر واللبن هناك، وكذلك التمتع بالمأكل، والخدمة، والخضرة، والوجه الحسن، والغناء، والتسوق، والمراكبالفارهة، والملابس الفخمة، كلها نماذج صغيرة، وحقيرة، بالقياس لما هنالك. وهكذا في سائر اللذات. فمباهج الدنيا نماذج، وعادة النموذج أن يكون للعرض فقط، ولا أحد يشتريه، ولا أحد يطمع به، ولا يسرقه إلا الأغبياء، ووظيفة النموذج الأساسية هي الإغراء باقتناء السلعة الأصلية فحسب.

أحب العرب

أحب العربي المسلم. أحب العربية المسلمة. وأحب العرب، وأعتز بالانتماء لهم. أحب اللغة العربية، اللغة الشاعرة، الفاخرة. أحب الرسول ﷺ، وهو عربي، ولا يمكنني تجاهل المغزى والعلة التي خصّ الله من أجلها العرب ولغتهم ليحملوا شعلة النور الأخيرة إلى هذا العالم الحالك. لا أدّعي فيهم ملائكية، ولا أخلط قولي بعنصرية جاهلية. أدرك أن العرب ليسوا على ما يسر، في هذا الوقت من تاريخ العالم. اجتمع على قطاع كبير منهم جيوش الفقر، والجهل، ورزحوا عقوداً طوالاً تحت نير الاحتلال، ثم الاستبداد والقمع، فكثر فيهم الأقزام، وساد المشوهون. على أن في العرب من الدين والشرف والفضائل ما تتطامن له أعناق أكثر منيمشي على هذه الأرض. أمقت الشعوبية الجديدة، التي تصدر أحكاما مقولبة، وتصم العرب بشتى النقائص، بل تعزو واقعهم الحالي المرير لعوامل جينية سحيقة. تنظر إليهم كمتخلفين أبديين، وبرابرة مقززين، ومجموعة من الكائنات المعاصرة، معاصرة شكلاً لا مضموناً. تقدمهم بقناعة كهمج، كجماعات فوضوية، كحفنة من الشبقين والعاهرات.كنت تقرأ هذه الأوصاف الجائرة المجنونة من قلم مستشرق إفرنجي أقلف، يحمل فوق ظهره ثارات القرون القديمة، وغطرسة الحداثة، وعجرفة الرجل الأبيض، والآن تسمعها من أفواه بعض من حولك، ولو بتنويعات مخففة. وأصبح الحديث عن ثلب العرب، وتنقصهم أمراً معتاداً. تقرأه في الصحافة المهترئة، ويتحدث به محلل سياسي مترهل الوجه، وخبير عسكري فاسد، وتسمعه هنا وهناك، مع كل إخفاق جديد، لنا نحن العرب. العرب الذين سأظل أحب فاضلهم، وسأظل أعتقد أن الشر الذي فيهم ليس أكثر من الشر الذي عند غيرهم، وأن الخير الذي فيهم ربما يكون أكثر أصالة من الخير الذي عند غيرهم.

الحب في الزمن الجديد

تابعت عدد من الأطروحات التي تناولت الحب في الزمن الحديث. الحب في زمن الاستهلاك، والتقنية، والحب الافتراضي، وزيجات زمن السيلفي، ولاحظت فكرة متكررة في معظم هذه الأطروحات، سأحاول مناقشتها هنا. الحب في الزمن المعاصر تأثّر كثيرا بالمزاج الجديد تجاه العالم. المزاج المتحرر من القيود ومن المعيارية الأخلاقية. كما تأثر بسلوك الإنسان الجديد الذي حوّلت الرأسمالية الصناعية والتقنوية حياته لنمط أكثر سهولة، وأبلغ لذة، وأسرع نتائج. وجاءت حبة منع الحمل كحدث كوني عظيم الأثر، حيث للمرة الأولى استطاع الإنسان أن يحصل على متعة جسدية كاملة بلا خوف من تحمل أية مسؤولية، أو تبعات أخلاقية، لا من جهة الرجل ولا المرأة، أدخلت الحبة -التي تباع بأثمان تافهة في كل العالم- تعديلاً جوهرياً على الموقف من الجنس، والعلاقات بين الجنسين. هذا التحول هو سمة الحب/الزواج الحديث = السعي الحثيث للحصول على أكبر قدر من المتع الجسدية والعاطفية، بأقل قدر ممكن من المسؤولية الأخلاقية، والتكاليف المعنوية، والمادية. أو بلا تكاليف تماماً إذا أمكن. وهذا التحول الجوهري يفسّر نسبة ما، من حالات الطلاق المتكاثرة. فالزوج يريد حياة زوجية شديدة الإمتاع، بدون أن يبذل أي مجهود لتحقيق ذلك. فلا يتحمل أن تخالفه زوجته في شيء، ولا يتحمل أي عيب يراه فيها مهما صغر، ويريدها دوما بمزاج ساطع، ونفس حلوة، كما يطالبها دوما ببذل المزيد، وبعاطفة أغزر، بل لا يسمح لها بأن تغضب عليه مهما فعل. وكذلك الزوجة، ولنقل أنها قادمة من طبقة متوسطة، يمكن وصفها بالمترفة بالمجمل، ولدت بين يدي خادمة مطيعة، وأب عطوف، كان المال بيدها منذ أن كانت طفلة، وسائق يلبي رغباتها المحمومة بالتسوق، وزيارة الصديقات،كانت أيامها مقسومة بين الدراسة، والاستمتاع بالحياة المتاحة، ثم بعد كل هذا الرصيد الثقافي والنفسي، تذهب إلى بيت رجل غريب تريده أن يكون امتدادا لبيت والديها. لا بل أمتع، تريد منه أن يذهب بها كل عام للسياحة في انترلاكن وسالزبورغ وسانت لوشيا، لتصورها بالسناب شات، كما تطالبه بأن يأخذها لمطعم شهير، لتتباهى بصور العشاء الفاخر في مجموعة الواتساب التي تضم صديقاتها. كما تتباطئ في القيام بواجبات البيت، ولا يمكن أن تدخل بيتاً بلا خادمة، لأنها مشغولة بتطبيق برنامج الدايت…الخ.  إذاً، تلاحظ أن الجوهر الكامن خلف كل هذه السلوكيات الحديثة، هو البحث المستميت عن متع خالصة، مع تحاشي بذل أي مجهود -قد يكون شاقا- لإنجاح الحب/الزواج أو خفض المجهود أو المقابل اللازم دفعه إلى حده الأدنى.

التسليم بالقدر

لماذا يموت الأطفال؟ ويتعذب مرضى السرطان والمصابين بالحروق البليغة؟ لم يخلق بعض الناس بتشوهات خلقية؟ إذا كان مصيرنا النهائي محدد سلفا بأن ندخل النار مثلا لماذا نخلق ونعذب؟ كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذي ترك الأحلام حائرة وصير العالم النحرير زنديقا سؤال الشر في العالم، وأسئلة القدر والجبر؛ هي الأكثر حضوراً في أي خطاب إلحادي، أو شكوكي. تجدها في المقالات، وفي الكتب، وفي الروايات، وفي الأفلام السينمائية، وبصيغ متشابهة. الإجابات القديمة والحديثة عن هذه الأسئلة كثيرة ومتشعبة، وتتفاوت في القوة والضعف. ويبقى في هذه الشعاب الغامضة معنى لابد من كشفه. إن من يبحث في باب القدر عن إجابات بالمنطق الرياضي التام سيواجه مصاعب مستحيلة، ومن يظن أنه لابد من وجود هذه الإجابات الرياضية لإفحام الخصوم فهو غالط. وسبب ذلك أن القدر سرّالله في خلقه، ولا يمكنك إدراك العلل التي كتبها الله لضلال بعض الناس، وهداية آخرين، وعافية أناس، وتقدير المرض الشديد لغيرهم،…الخ. إذاً ما الحل؟ لا يوجد حل سوى الإيمان والتسليم. واليقين التام بالحقائق التالية: "ولا يظلم ربك أحدا"، "اعملوا فكل ميسر لما خلق له"، وأن الله  يضل من يشاء بحكمته، ويهدي من يشاء برحمته، يقول ابن الجوزي:(رأيت جماعة من الخلق يتعللون بالأقدار، فيقول قائلهم: إن وفّقْتُ فعلت، و هذا تعلل بارد، ولعمري إن التوفيق أصل الفعل، ولكن التوفيق أمر خفي،والخطاب بالفعل أمر جلي فلا ينبغي أن يتشاغل عن الجلي بذكر الخفي). وبغير هذا الإيمان بعدل الله المطلق، وبقصور نظر العبد، وذاتية معاييره، ومحدوديتها، وبتقرير استحالة إدراك سر القدر على وجه التمام، لا يمكن الجواب على هذه الأسئلة، جواباً صحيحاً. وصعوبة إدراك سر القدر راجع إلى انعدام المثال المشابه له في الواقع، فليس يقع في عالم الشهود أن تتحرك إرادة دنيا، وهي تشعر ضرورة بحريتها، مع كونها محكومة بإرادة عليا، لا تخرج عن مشيئتها ألبتة، هذا لا نظير له في دنيا الناس. ومناقشة الملحد أو المشكك بالأديان … متابعة قراءة التسليم بالقدر

كرة الثلج

لماذا يزدري الإنسان نفسه؟ هذا سؤال بدا واضحاً أمامي، وأجدني في مواجهة شبكة مسببات متداخلة، ومتفرقة المنازع، بين علل دينية، ومصاعب دنيوية. الفشل والطموح المبالغ فيه مع مقارنة النفس بنماذج شديدة التميز في العلم أو العمل يولد مشاعر ازدرائية للذات. وتتفاقم النزعة الازدرائية للنفس بتأثير ارتكاب الخطايا القذرة، وهي تلك التي تملأ نفس فاعلها بالتأنيب، مثل إدمان أو مشاهدة المقاطع الإباحية، وارتكاب الزنا، وما يقاربه، والعادة السرية، والسرقة، والكذب المتكرر، والحسد والنفاق، وغير ذلك من الذنوب، لا سيما التي يصفها بعض أهل العلم بمعاصي الخسة. وأحياناً يكون ازدراء الذات عرض أصيل لأزمة اكتئابية عارضة أو مزمنة، تتزامن مع شعور عام بالتفاهة، وفقدان القدرة على الاستمتاع بالحياة. ربما أيضاً يكون ذلك نتيجة لخلل في إدراك الذات باعتدال، بلا وكس ولا شطط، إما بسبب ازدراء الناس، أو بسبب كون الإنسان يعيش وسط بيئة تتفوق عليه اجتماعيا أوثقافيا أو اقتصاديا، بصورة مؤثرة…الخ ما يمكن تخمينه من العلل. يمكن القول: أن (الإنجـاز) يعد أهم خطوة لتجاوز أزمة الازدراء، ولاستعادة السلام الداخلي، وحتى لمقاومة وطأة الاكتئاب. الإنجاز هنا عام جدا، أي إنجاز. وضوء وصلاة ركعتين، قراءة خاشعة لصفحة من القرآن، تدبر 3 أحاديث من صحيح البخاري، هرولة نصف كم، قراءة 50 صفحة من كتاب جيد، محادثة حميمية مع أمك، كتابة فكرة لطيفة في 10 أسطر، صنع حلى أو وجبة عشاء صغيرة بيدك، مشاهدة برنامج وثائقي مفيد، الانخراط في عمل تطوعي أسبوعي، تعلممهارة جديدة، أو لغة جديدة…الخ. هذه الإنجازات ككرة الثلج، إذا حافظت على تنفيذ أي منها بشكل شبه يومي على الأقل. الإنجاز يعيد لك بهجة الحياة، ويشعرك بقيمة وجودك، وبقدرتك على الفعل. ويملأ الفراغ -الذي هو سبب كل مشاكل البشر، ويخفف من المبالغة في انشغال الإنسان بنفسه، ولتتوجه طاقته للفعل الخارجي، بدلاً من تكريس الكسل، والاستسلام للخواطر الرديئة.

بعيداً عن اللعنة

أحياناً أتهم نفسي بالمغالاة والمثالية في النظر للحد الأدنى من العلم والفهم الذي يجب أن يتمتع به الأستاذ، المعلم عموماً، وأستاذ الجامعة بالخصوص. أتأمل كيف نخسر أموالاً طائلة وأوقاتاً عظيمة وإمكانات مادية من مباني مجهزة، وفصول دراسية مكلفة، كل هذا لأجلس -أنا الطالب -أمام رجل جاهل عديم الموهبة، أومحدود القدرات الذهنية، حصل على منصب الأستاذ بالصدفة، أو بالواسطة ، أو بفضل مجهود سابق توقف منذ عقود، هنا أتحدث عن التخصصات النظرية والشرعية بالأساس. مشهد الأستاذ محدود الاطلاع وفاتر الذهن بحيث لا يختلف في مستواه العلمي عن أي موظف مترهل في أي وزارة تنفيذية = مشهد محبط وقبيح. كتب أحدهم:"ينتقد سلافوي جيجيك أوهاماً كثيرة منتشرة في مجال التربية. على سبيل المثال، يشير، إلى إنه لا يؤمن بالأستاذ الذي يقول لتلاميذه:(أنا في الحقيقة لا أعرف أكثر مما تعرفون، إننا هنا نتعلم من بعضنا البعض، لا أحد منا يعرف أكثر من الآخر. أنا أيضاً موجود هنا لكي أتعلم منكم...الخ)، هذا في نظره كلام لا معنى له. الأستاذ يتلقى أجره ليعلّم تلاميذه. هذا واجبه وهذه وظيفته الأساسية. إذا كان لا يعلم، فعليه أن يغير مهنته. ويذكر جيجيك، واقعة في هذا السياق جرت لهوبسباوم Eric Hobsbawm -المفكر والمؤرخ الماركسي الشهير الذي توفي مؤخراً في 2012- حيث كان يلقي كلمة في حضرة مجموعة من العمال، فقال لهم ملاطفاً: "أنا لست هنا لكي أعلمكم ما لا تعلمون، فأنا لا أعرف أكثر مما تعرفون.. لقد جئت إليكم لكي أتعلممنكم…الخ"، إلى غير ذلك من مثل هذا الكلام. وفي لحظة قام أحد العمال وقاطعه قائلاً له: "عليك اللعنة! إنك تتلقى أجرك لتعرف أكثر منا، نحن هنا لكي نتعلم منك، هيا امنحنا المعرفة التي راكمتها بفضل ما تتقاضاه من أجر!".

لاتمدن عينيك

من النوازع الرديئة في نفوس الناس التطلع لما خفي عليهم، فإنه يتزين في نفوسهم بفعل الوهم والخيال الفاسد فوق ما هو عليه بدرجات واسعة، وهذا له مثالات كثيرة، فالزوجة تعتقد غالباً أن زوج صديقتها أو قريبتها أروع، وأكثر ذوقاً، وحناناً، وخلقاً وكرماً…الخ، وكذلك الزوج يقع في توهمه مثل ذلك عن زوجات أصدقائه أو أقربائه، ويزداد … متابعة قراءة لاتمدن عينيك

جوهر السعادة

الفشل في الإمساك بزمام الذات. هذا أكثر مشهد إنساني موجع. تظهر هذه المشاهد في حالة الإدمان المؤسف لأنواع المواد المخدرة. أو المسموعة أو المرئية، أو أية إدمان آخر. في لحظة الحب الجارف. في مرحلة متقدمة من أزمة الاكتئاب. في وسط الانغماس في الملذات المتتابعة. كل هذه المشاهد وما يشبهها مؤلمة، فانفلات الإرادة، والفشل في السيطرة … متابعة قراءة جوهر السعادة

الاستقصاء

الاستقصاء في تطلّب الكمال في كل شيء، في التعبد، في الحقوق، في الصداقة، في الحب، في العلم، في المهارات، في التربية، في العدل، في الجمال، في العمل، في القول،...الخ، هذه بليّة جميلة، ومؤذية، تبتلى بها بعض النفوس العليّة، وذوي الهمم الشريفة، من أصحاب الأمزجة الحادة، والأذهان النافذة، وممن هم دون ذلك. وأصل الاستقصاء فضيلة، فلا … متابعة قراءة الاستقصاء

لماذا يبخل البعض بالمدح والثناء؟

يبدو لي أن قابلية كثير من الناس للذم بدرجة تفوق استعدادهم للثناء يعود لاعتبارات تتعلق بتكريس الشعور بالتفوق، واتسام الكثيرين بجرعات متفاوتة من النرجسية، والأنانية، والحسد. كما يعود لذلك الاعتقاد الكامن بأن مدح الآخرين -لاسيما الأقران والمنافسين- ينطوي على إقرار ضمني بنقص المادح، وتفوق الممدوح، ولكون النفوس لا تحب أن تكون في هذه المنزلة، ولا … متابعة قراءة لماذا يبخل البعض بالمدح والثناء؟

نصائح بائسة

كنت أتحدث  مع صديق قبل موعد زفافه بمدة قليلة، وأثناء الحديث قال لي بعض ما قيل له باعتباره على مشارف الحياة الزوجية الجديدة، بعضها كانت نصائح حمقاء. يهتم الأشخاص المتزوجين القريبين من الشاب بإسداء نصائح يعتقدون أنها مفيدة لصاحبهم المقبل على الزواج، وبعضها نصائح ثمينة، نتيجة خبرة عاقلة، ومعرفة عملية مفيدة. لكن المشكلة أن هذه النصائح في الغالب خليط من تجارب شخصية بحتة، ومعارف محدودة، وساذجة، تنسى الفروق الفردية بين النساء، وهي فروق لا يمكن أن يستهان بها، فرُبّ سلوك يعزز من العلاقة الزوجية لدى فتاة ما، يكون كارثة قد تؤدي للطلاق عند فتاة أخرى. والناصح يحب أن يصدّر نصائحه في هذه الشؤون باعتبارها قوانين الطبيعة، ولذلك تأتي الخبرة النظرية المستندة لقراءة كافية، وسؤال "المختص"، هذه الخبرة النظرية تفيد في تجاوز الرؤى الشخصية، وتعتمد بالأساس على البحوث والنتائج العلمية العمومية لا التجارب الشخصية القائمة على الملاحظة المحدودة. وأحياناً ما يقدم الناصح الأنثى وكأنها "كائن فضائي" -وربما رسخت الأفكار العمومية عن الفروق بين الجنسين بعض المبالغات في ذلك- بينما الحقيقة أن المشتركات بين الجنسين أغزر من الفروق، فليس الأمر كما يقول جون غراي في كتابه الشهير"الرجال من المريخ والنساء من الزهرة"، وإنما الرجال والنساء من كوكب واحد، ولكنهم يسكنون في مدينتين متجاورتين. كما تجد ميلاً لدى هؤلاء الناصحين في تصدير آراء محددة ليست نتيجة لبحث أو معرفة شخصية بقدر ما هي ترديد ببغائي لما قاله لهم ناصحين قدامى، بحيث تتناسل هذه الآراء جيلاً بعد جيل، وبعضها غير جدير بالاحترام، وينطوي على خزعبلات. قديماً كان هناك عذر يتعلق بمحدودية المصادر في شؤون العلاقة الزوجية، فالمصدر الوحيد هي هذه المصادر الشفهية. أما الآن فالبحوث الطبية والثقافية متوفرة بكثافة ومتاحة للجميع، وإن كانت بعض المنتديات والمواقع في الشبكة للأسف  تقدم ثقافة شفهية في صيغة مكتوبة. وتزداد الأوهام غموضاً في القضايا ذات الطابع الحميمي الخاص بين الزوجين، وتمتزج بالأساطير والخرافات، وتتسلل عبر النكات والطرائف الجنسية المتداولة في المجالس لتتحول إلى وعي الشاب، والفتاة أيضاً. لا ينبغي أن تشرع أذنيك لكل الهراء الذي يقال، من الجيد أن تستفيد من الخبرات الرائعة، لكن لتحللها وتستوعبها في ضوء ما تقرأه من حقائق علمية نفسية أو عضوية، ولتجعلها افتراضات يمكن أن تزيفها التجربة أو تثبتها، لا حقائق مؤكدة.

تواصل مفرط

في عالم لا مكان فيه لعزلة هادئة، ولا وحدة تامة. وفي مجتمع إنساني وتقني موغل في التواصل والاجتماع. الجميع تقريباً يهربون من المكان الخالي، ويشعرون بوحشة قاسية لو ابتعدوا عن أهليهم أو أحبائهم ساعات محدودة. كلنا جربنا الوحدة غالباً، لكن نعتبرها حالة استثناء لا يجب أن تطول. ينسى الإنسان أحياناً فيخضم ذلك، أنه وحيد. وحيد جوهرياً، هو الذي يقرر ما يفعله بنفسه، لأنه هو وحده المسؤول عنه في الدنيا والآخرة. سيموت يوم يموت لوحده، وفي القبر سيمكث وحده، وفي القيامة سيحاسب وحده. وحده مهما هرب عن نفسه التي بين جنبيه. مهما ركض خلف الآخرين ليسكن إليهم، وليذهبوا شعوره العميق بالوحشة.المكان الضخم الفارغ مخيف، مخيف لأنه يشعرنا بالضعف والضآلة. لا نحب العزلة لأن النفس حينها تطرح أمام أعيننا الأسئلة الجوهرية، عن الوجود والمصير. نحب أن نموت مع الجماعة لأنها "رحمة"، فالانصهار في المجموع يخفف من الإحساس بوحشة المسؤولية. صمت الوحدة يخيف أرواحنا التي لا تكف عنالثرثرة للخلق، وتنسى الهمس إلى السماء. الصمت  يختلط بالعزلة  فيستحيل ثقباً أسوداً لنفوسنا الأرضية. علينا أن لا ننسى أننا نعيش وحدة جوهرية، عميقة، ومهما اتصلنا بالطين، فالطين لا يدوم، أما النور فأبدي، لا نهائي. نولد لوحدنا، ونعيش مع الناس طيلة أيامنا وكأننا ننتقم من وحدة الرحم، فما نلبث إلا أن نموت لوحدنا مجدداً، لنتأكد حينها بأن وحدتنا الوجودية الطويلة الشاسعة من عالم الذر إلى عالم البرزخ أبقى من حياة صاخبة قصيرة.

دلالة الشريعة على الطبيعة

المسلم الذي يوقن بصدق الرسالة، تمام اليقين، وبثبوت القرآن، يجعل من نصوص الشارع، الثابتة سندا ومتنا = سبيلاً لإقرار الحقائق في النفس والمجتمع والطبيعة، والعادة أن الناس إنما يبحثون عن مستندات من الشرع على ما استقر ثبوته أو ما يتوهم ثبوته في العلم، أو يتمحّلون في تقوية ما ثبت في الشرع بالاستدلالله بأدلة العلوم المعاصرة، وأكثر ذلك من الجهل، ووهاء اليقين في القلب. فنفس التشريعات إنما نزلت من خالق النفوس، ومبدع الطبيعة، فهي مناسبة تمام المناسبة لحال الخلائق من جهة، وهي كاشفة عن طبيعة النفوس من جهة أخرى، فانظر مثلاً لما يقال عادة عن غلط التخويف من أجل الامتثال سواء في التربية، أو في الوعظ، والدعوة لطاعة الله، وتجد أن كثيراً من النفوس اليوم تنفر من ذكر الإنذار بالنار، وعذابها، بل تجد بعض الدعاة يتحاشى ذكر النار خضوعاً أو تحبباً إلى الناس، وليس مرادي نفس النفور عن أحاديث النار، ولكن تبرير ذلك ثقافياً أو علمياً أو تربوياً مثل ما يفعل كثير من الجهلة. وأنت ترى كيف امتلأ القرآن بالتخويف من النار، بل وذكر السلاسل واحتراق الجلود ونحوها من المشاهد الفظيعة -أعاذنا الله-، فلو لم يكن ذكر ذلك خطاباً صالحا للزجر، مطابقاً لطبيعة النفوس، ملائما لها، لما استعمله القرآن، وهذه حجة قاطعة كالشمس. وقل مثل ذلك من ذكر الحور العين وجمالهن بل والإشارة لوقاعهن كما في آية يس، وسوى ذلك مما تستنكره النفوس الرديئة اليوم. وأكثر هذه الميول التي تنفر من ما ذكرت إنما هي ميول مستعارة، ولو قرأت الكتب الأوروبية المؤسسة للمذاهب"الإنسانية" المادية التي كتبت إبان اشتداد الصراع مع الكنيسة لرأيت كل ذلك بالحرف. وأزيدك في بيان أن طريقة القرآن هي الطريقة الأصلح، والأنسب للنفوس، انظر لكافة الحكومات فإنك تجدها لا تنفك من التخويف والإنذار (بالعقوبات مثلاً)، كما لا تترك التبشير والإطماع (بالرفاه والأمن…الخ) من أجل ضمان امتثال الجمهور لقواعد نظامها، وقوانينها. وقد أوردت "التخويف" نموذجا لاستنباط طبيعة النفوس وأحوال الناس وما يصلحهم من داخل بنية التشريع الإلهي، ويمكنك أن تتأمل ذلك بهذا النحو في كافة المسائل التي تعترض عليها الذائقة المعاصرة كالتعدد، وعقوبة الإعدام والرجم والحرابة وحتى الاسترقاق والسبي. وقد أفادني أحد الأذكياء بآية تقوي هذا المعنى في قوله تعالى"والذين اهتدوا زادهم هدى"، فالاهتداء الأول هو بنفس فعل اليقين بصحة الخطاب الإلهي، وصوابيته المطلقة، ثم يمتن الله على المهتدي بأن يزيده هدى، بإدراك أسرار الخطاب، وعظمة ملائمته لإصلاح النفوس، وإقامة دين الناس ودنياهم.

طرد الفراغ والحزن

نظرتُ مرةً بل مرات فرأيتُ أن كثيراً من الأفعال التي أندم عليها تلك التي أصنعها في وقت الفراغ، وفتور النفس، وتشوش المزاج، وذلك أن الشيطان يقوى وينتهز لحظات الضعف الإنساني، وإذا اجتمع مع الفراغ الهم والغم فذاك أقرب ما يكون للزلل، لأنه النفس تشتد في طلب المؤنسات واللذائذ الطاردة للأحزان والآلام، وتضعف قواها عن الممانعة، كيف والسبل قصيرة، ومبهجات العين والأذن الممنوعة أقرب من شراك النعل!؟ ثم وجدتُ أن الحزم والحكمة في أن يعتني المرء بأوقات فراغه وراحته كما يعتني بأوقات عمله وانشغاله بل أكثر، فكثيراً ما تكون الأعمال من قبيل الروتين الإجباري لطلب العيش أو التعلم، ولكن الفراغ وقت "الإرادة الحرّة"، فهو الذي يمثل الرغبات والميول الحقيقية. وإذا تفكر الإنسان أدرك أنه قد مُنح نعمة العيش أياماً قلائل، وأخبر بالنعيم أو العذاب الأبدي، فهو يدافع الخطايا ما استطاع، ويجدد التوبة في غالب أحواله، ومرور الزمن وهو في حفظ وعصمة من الذنوب منّة إلهية، فلينظر في حاله، وليقفل مداخل الشيطان، وأعظمها فراغه من الاشتغال. والله الهادي.

الاتساق مع الطبيعة

البناء الجسدي والنفسي للانسان بل وسائر الأبنية الطبيعية من الجبال والأشجار والبحار…الخ مصنوعة بحيث تحقق أعلى درجات الانسجام والسكينة والرضا حين تتناغم مع الحقيقة الشرعية التي جاءت في الوحي. ولذلك النفس المؤمنة تصاب بالاضطراب والتشوش والكدر حين تقارب الآثام.. وقد رأيت استشارات كثيرة توجه لمشايخ وغيرهم يتحدث أصحابها عن قسوة الهموم التي تحاصرهم وأسواط الضمير الذي يلاحقهم جراء ارتكابهم لرذائل الخفاء مع كونهم صالحين في الظاهر. المؤسف أن بعض أولئك يستمر في تجاهل/تناسي نداءات الفطرة والإيمان فلايزال في التراجع، حتى يضعف ذلك الصوت النقي.. بل يموت في ظروف إبليسية غامضة. حافظ على داعي الإيمان في قلبك، ولو تكاثرت خطاياك، فإنك لن تزال بخير مادام النداء الملائكي حياً ينبض، ويتوسل العفو والمسامحة.

حزن بلا سبب

لايوجد حزن من غير سبب تقريباً. الفرق أن البعض يتأقلم تدريجياً على "تناسي" بعض مثيرات الحزن والكآبة والغم، وقد ينساها بالفعل، وقد يحتاج جهد ذهني لاستذكارها، إلا أن هذه البواعث على الهموم تؤدي دورها بكفاءة في إفساد المزاج، وضيق النفس، وبؤس الحياة. وقد يتسرع الانسان ويظن ان لايعرف سبب لهذا الحزن الذي يجتاحه كطوفان هائج.. غالباً كل ما في الأمر أنك تناسيت حتى نسيت لكن الذاكرة العميقة لا تنسى!.. ربما تكون هناك أحزان بلا أسباب خارجية جسدية ولا داخلية نفسية، وإنما لاضطراب عضوي بيولوجي بحت يمكن التدخل لعلاجه، لكن تبقى في حدود ضيقة. ربما تكون بحاجة لاستعادة الأسباب الجالبة للغموم إلى الوعي من جديد، وإعادة فرزها إلى مسببات يمكن القفز عليها ومسببات لا يمكن القفز عليها. فمن يعاني/تعاني من عدم رضا عن مستوى مظهره الجسدي، ليس كمن يعاني من عدم رضاه عن مستوى مخبره الروحي. لابد أن تواجه أحزانك بصلابة، وأنتدفن التوافه، ولا تتظاهر بأنك لا تعرف مصدر حزنك. هذه الحياة الصعبة بحكم الصنع الإلهي لاتتيح لك خيارات كثيرة في معظم الأمور. كتبت مرةً عن المستقبل وكم هو محدود ولا يستحق كل هذا الاهتمام، وسيأتي عليك يوم وأنت في باطن الأرض ولم يبق من جسدك إلا ذلك الجزء الذي يعاد من بعثك لليومالأخير. أنت تنتقل من عدم كامل (قبل تخلقك في الرحم) إلى عدم جزئي (في القبر)، وما بينهما لايستحق كل هذا الضيق. وأقسى الأحزان ما يقعد عن عمل الدين ويعيق عمل الدنيا، وما سوى ذلك فلا يخلو منه أحد.

التشتيت الوجودي

في مؤتمر صحافي في «مهرجان كان» السينمائي الفرنسي تحدث المخرج والكاتب السينمائي المعروف وودي آلن عن معنى الحياة بالنسبة له. آلن اجتاز الثمانين من عمره، يقول أن الإنسان يسير بالضرورة إلى مكان سيء، وسوف يصله يوماً ما، وأن الكون سيتوقف في وقت ما، وكل شيء سينتهي، وأن دور الفنان إقناع الناس أن الحياة تستحق أن … متابعة قراءة التشتيت الوجودي

مباهج مستحيلة

رغبة ملحّة للظفر بوظيفة معينة أو عمل محدد مع صعوبة ذلك للافتقار للمؤهلات اللازمة، أو حتى للعلاقات الضامنة للحصول عليها. توق خاص للارتباط بتلك الفتاة/الشاب، برغم استحالة ذلك عملياً لأسباب تعرفها، وتتجاهلها. شعور غامض بالاضطهاد وتآمر الآخرين في الدراسة أو العمل. طموح شديد لتكوين ثروة ما، أو اعتلاء ذلك المنصب، أو تحصيل مستوى علمي أو … متابعة قراءة مباهج مستحيلة

حتمية الملل

المَلَل هو الشيء الأكثر دنيوية في طبائع الآدمي، وهو من منغصات العيش الأساسية، والناس يختلفون في مقدار تمثّل هذا الطبع، لكنه موجود فيهم بالجملة. وكما يقول إدغار موران:"أكثر الناس حساسية أكثرهم مللاً"، لأنهم يدققون النظر في نقائص الأشياء. وكذلك الحالمون والمثاليون. بحثت عبر قوقل عشوائياً عن الملل، وكانت أولى النتائج عن: الملل في الحب، الملل … متابعة قراءة حتمية الملل

أشرف الصراعات

أشرف الصراعات هي تلك التي تجري بداخلك. بين نوازع الخير وغرائز الشر. هذا الصراع يقوم على تنظيم نوع الفعل الوارد والصادر عن الحواس بما يتفق مع المعنى. المعنى الذي تؤمن به. والمعتقد الذي تضمره، والإيمان الذي يحتويك وتحتويه. هذا صراع أبدي، منذ بلوغك الحلم وحتى تلفظ آخر أنفاسك، وهويتجدد ويشتد بحسب المواقف، والمنعطفات الفارقة في حياتك. حدة الصراع تزداد بزيادة التناقض بين ما تضمره وما تفعله. ربما يزيد الصراع أكثر إذا فشلت في إعادة ترتيب الأمور، ورد أفعالك إلى نصابها المتسق مع المعنى الباطني. وإذا استمرّ إخفاقك في حل الصراع غالباً ستواجه مآزق روحية مروّعة، وأزماتنفسية تعيسة، وأحياناً ينعكس ذلك على جسدك. أبوحامد الغزالي -رحمه الله- ت505 أخبر في سيرته الروحية "المنقذ من الضلال" عن هذا الصراع الذي كان يضطرب داخله، ثم أشار إلى أنه أدى به إلى الإصابة بالبكم المؤقت، وهذا عرض معروف سيوكولوجياً لبعض أزمات الاكتئاب الحاد. كثيراً ما يكون هذاالصراع متقداً وحامياً أوائل الشباب، لشدة حرارة الطبع، وقسوة النوازع، وكثافة الإغراء.  البعض يتحاشى هذا الصراع الداخلي بإماتته، وكتمه، وطمسه، وتجاهله، وشيئاً فشيئاً يموت نداء الخير والحق والجمال، ويقف الشر والفساد والقبح وحيداً في قمرة القيادة. وآخرين حققوا انتصارات مهمة ومتتابعة أضعفت غرائز الشر ونوازعه، وأعانهم الله على النجاة من ألم الصراع، فانقادت نفوسهم للخير والحق،وأكثر صراعاتهم الداخلية إنما تكون في تحسين الخير، وتنمية الحق في أفعالهم، والترقي في مدارج الجمال. والبقية من الناس لا زالوا يعانون من ذلك التضارب، وتلك التناقضات، وهم الآن في وسط الصراع الدامي. لم يقبلوا برفع راية الاستسلام ولا الطمس ولا التجاهل، وإنما واجهوا التكاليف الشاقة بما ينبغي، وهمفي تعب مع نوازعهم، ورهق إزاء رغبات نفوسهم، وشهوات طبائعهم. إذا كنت من هؤلاء فلا تبرح مكانك، وقاوم، فالكثير من حولك تجاهلوا الأمر واستسلموا. نعم، أعرف ما تقاسي، ولا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها. حتى لو كانت الحرب سجالاً، لا تيأس، فالمعركة طويلة، وليس أمامك من خيار سوى أن تنتصر، فقط، فلا نامت أعين الجبناء.

الرشد العاطفي

عن الاكتفاء الروحي، والرشد العاطفي.. قرأت اقتباس حلو لخورخي لويس بورخيس -سأنقله بعد قليل-، وهو يذكرني بمقطع شهير للشيخ علي الطنطاوي يتحدث فيه عن أمه وكيف رحلت، ثم يقول بنبرة مؤثرة أنه لا يبقى للإنسان إلا الله، كل العلاقات تنقطع. كل حب يبرد، أو يذوي. كل محبوب يموت. وكل الصداقاتتندثر. يوماً ما قيل للنبي ﷺ:"…أحبب من شئت فإنك مفارقه". أذكر قرأت قديماً في بعض كتب المجاميع الأدبية عن رجل بليغ يتظّلم لدى أحد الولاة، فلم ينصفه، فقال له ما معناه: إن الإنسان يزعجه الشيء في أول حياته فيفزع إلى أمه، فإذا كبُر قليلاً فزع إلى أبيه، فإذا أصبح رجلاً فزع إلى الوالي، فإذا كَبُر أكثر فزعإلى الله. وهذا تلخيص مكثّف للمسيرة الوجودية لاتصال الإنسان بمنابع المساندة الروحية. قد يبدو العيش صعباً مع الوحدة أو الجفاء. أن تفشل في العثور على توأم لروحك، أن لا تجد حضناً دافئاً ينتظرك أو تنتظره في مكان ما، هذا مؤلم بلا شك، لكن النفس تتدرب على أي شي في نهاية الأمر. فحقائق الوجود أقوى من خيالات الوجدان. حسناً، يقول بورخيس:"بعد فترة تتَعلم الفرقَ الواهي بين الإمساكِ بيد، وبين تكبيلِ روح، وتتعلم أنَّ الحُبّ لا يعني الإتكاء، وأنَّ الصُحبة لا تعني الأمان. وتبدأ بالتعلم أنَّ القُبَل لا تعني اتفاقات مُبرمَة، وأنَّ الهدايا ليست وعودًا، وتبدأ بتقبُّل هزائِمك، ورأسكَ مرفوع، وعينيكَ مفتوحتين، بسموِ إمرأة، وليسَ بحُزنِ طفلٍ. وتتعلمبناء كُلّ دروبك على يومِك الحاضر، لأنَّ أرضَ الغدِ غير جديرة بالثِقة بالنسبة إلى الخِطط. بعد فترة تتعلم.. أنَّ حتى أشعة الشمسِ تَحرق إذا بالغت في الاِقتراب. لذا تقوم بزرعِ حديقتك، وتُزيّن روحِك بدلاً مِن انتظار شَخص ما ليحضر لك الزهور. وتتعلم أنَّ بمقدورَك حقًا الاِحتمال.. أنكَ حقًا قوي وأنك تطوي قيمتَك بداخِلك.. وتتَعلم وتتَعلم.. مع كلّ وداعٍ تتَعلم.."

ألطاف المعاناة

في 2008م نشر كاريل هايدت عملاً يحاول فيه بحث الانعكاسات الإيجابية للمعاناة الشديدة على الإنسان (مرض خطير، فقر مفاجئ، فقدان عزيز،…الخ). ذكر هايدت ثلاث انعكاسات إيجابية: . اكتساب المرونة والتكيف مع المشاق، بل أحياناً -أو كثيراً ما- يتفاجأ المصابون ببعض الأمراض الخطيرة، كالسرطان، بقدرتهم على مواجهة الحياة بحيوية ومرونة، أكثر مما كانوا يتوقعون. تؤدي المعاناة الشديدة لتحسن في علاقة الفرد بمن حوله، في بعض الأحيان، مما يساعد على المصارحة، وتجنب المجاملات والنفاق الاجتماعي، كما تفيد المعاناة الشخص بالتخلص من العلاقات الزائفة. تساعد المعاناة في إعادة تنظيم الفرد لأولوياته. كما أضاف آخرون، أفكاراً مشابهة، كالشعور بالشجاعة، والتمسك بالأمل، والقدرة على التحكم، وظهور القدرات. وفوق ذلك ترقب فضل الصبر والابتلاء، وكسر التبجح والتغطرس في النفس. وبالعموم فالمعاناة، والأزمة، والغموم الحادة، تدفع صاحبها لإعادة اكتشاف المعنى في حياته. كما تساعده على تفادي الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة المرهقة. كتب علي عزت بيچوڤيتش في سجنه عبارة مكثفة:"هذه المصيبة الكبيرة وفرت عليّ الكثير من المصائب الصغيرة، والتي كانت تستنزفني كل يوم شيئاً فشيئاً وبانتظام". فلو كنت -لا قدر الله- مصاباً بسرطان الدم، أو بفشل كلوي حاد، أو ما هو أقل خطورة من ذلك، لن تهتم بمن جرحك في مجلس، ولن تهتم برسالة نصية سخيفة وعابرة، ولن تقلق من المستقبل كما كنت تفعل، ولن تبالغ في الاعتناء بمظهرك، أو تلقي بالاً لكلام الناس، أو لرأيهم فيك، وستركز في شأنك، وبما يجب عليك فعله، مع الاقتصاد في الحياة عموماً، والتسامح، وما إلى ذلك. ماذا لو حاولت أن تتمثّل ذلك في حياتك الآن، وأنت صحيح البدن، ترى كم ستجني من وراء ذلك، من راحة النفس، وطمأنينة القلب.

رذاذ السماء

أن تحس بقدرة خفية تنقذك من وسط أزمة اكتئاب، فتستعيد بهجة الحياة بلا سبب واضح. أن تنحرف لاشعورياً عن السيارة التي تقف فجأة أمامك في اللحظة الأخيرة، فتتفادى حادثة مكلفة. أن تأتيك رسالة ما، من صديق، أو متابع لا تعرفه، فتقع منك موقعا يهز كيانك، تدرك حينها أنها رسالة من السماء. أن تندفع بعلةغامضة فتتصل بوالدتك فتسمع منها ما يمنحك الطاقة اللازمة لبقية الأسبوع. أن تسامحك زوجتك على إساءة ما، مع كونك لا تستحق. وأن تظل تحبك برغم كل شيء. أن لا يطمئن قلبك لفتاة تراءت لك، من غير سبب مطلقاً، فتنصرف عن خطبتها، ثم تعلم لاحقاً كم كان قرارك حكيماً. أن يظهر لك فجأة صديق عظيم، لمتبحث عنه، تقابله لأول مرة، فتشكّ أنك تعرفه منذ الأزمنة السحيقة. أن تلهم إجابات حاسمة على شكوك أو أسئلة عارضة، تمر بك، أو بآخرين، إجابات لم تقرأها يوماً في كتاب ولا سمعتها من أحد. أن تظل عيوبك ماثلة أمام عينيك، فتنشغل بها، وتخجل من التحديق في عيوب الآخرين. أن يثني عليك إنسان بثناء صادق،ينتشلك من لحظة احتقار حادة لذاتك، فتستعيد توازنك. أن يحتقرك شخص أو ينتقصك بحدة فيتضعضع كبرياؤك، وتنكمش، وتعلم مقدار ضعفك. أن تغمض عينيك كل مساء فيأتيك النوم، ويأخذ بيدك بلطف، بدون مهدئات ولا عقاقير. أن يمنحك الله الحيوية اللازمة لتتفادى التبلّد البارد أمام مباهج الحياة، وحتى آلامها. أنتظل تنبض بإرادة صلبة برغم كآبة الظروف، وبقلب هادئ في سياق عاصف، وبحب جميل في بيئة عاتية، وبإحساس متفرد في معيشة متشابهة. أن يرزقك الله البصيرة الموفقة لترى ألطافه الخفية في نفسك، وفي ما حولك من ماجريات الدنيا. هذه رذاذات من أمطار اللطف الرباني، والعناية الإلهية، الهاطلة على قلوبنا كل يوم.

عقلنة الأمل

الأمل.. الشعور الجميل الذي يخفف من قسوة الظروف، وانغلاق الطرق، وانسداد الأفق، ويقوي النفس على احتمال المشاقّ. ولكن الأمل أيضاً يغدو مضراً حين تبالغ في تعاطيه، وحين تنتظر من الحياة أكثر مما تجود به عادةً. إميل سيوران يقول:“لا ينتحر إلا المتفائلون، المتفائلون الذين لم يعودوا قادرين على الإستمرارفى التفاؤل”. يعقد الانسان في مطلع شبابه وحين تتفتّح وروده وأزهاره آمالاً عراضاً يتوقع أن يجنيها في مستقبل أيامه، فيأمل أن يحصل على قبول في جامعة ممتازة أو تخصص ما، يظن أنه سيتميز فيه، أو وظيفة ما، مرموقة وبراتب مجزي، أو عندما يتزوج بتلك الفتاة التي يظن أنها ستحلّق بحياته، أو تأمل أن تقترن بذلك الشاب الرائع، وأن يجني الشهد من تلك الشهادة، وذلك العمل، أو ما تشاء. ويقع كثيراً أن يحصل المأمّل على أمله، لكنه لا يجده كما كان يتخيّل، ويكتشف في وسط تلك الآمال منغصات جديدة لم يحسب حسابها. من يؤمل ممن حوله التقدير، ومن مجتمعه الاحترام، ومن صديقه الوفاء، ومن زوجته المودة والتفاني، ومن بلده الكرامة، ومن العالم العدل = قد تخذله الأيام، بل كثيراً ما تفعل ذلك، فيتضاعف ألمه. ومن وطّن نفسه على أن لا ينتظر من أحد شيئاً، لا من صديق ولا حبيب ولا وطن، ولا يأخذ هذه الأمور بجديّة كاملة، بليحمد الله إن جاءت كما يحب، ويصبر إن لم تكن كذلك، ولا يجزع لأنه لم يتوقع خلاف ذلك، ومن تكون هذه حاله يربح ما هو أعظم من تلك الآمال العراض، يربح التحرر الداخلي، والانعتاق الروحي الفضفاض، فالحر عبد إذا طمع، يربح قلبه الذي لم يستعبده مال ولا منصب ولا فتاة، ويربح تلك البهجة السافرة التيتملأ روحه وكيانه. والعمر قصير 60-70 سنة ليست كثيرة، (نصفها نوم، والنصف الثاني مقسم بين أكل وشرب وضروريات، وبالكاد تبقى بعد ذلك أوقات للجد)، يمكن أن تمضي هذه السنين القلائل بسلاسة إذا غضينا الطرف عن ما لا نحب. وبقدر اتساع الآمال تتعاظم الخيبة. ليست دعوة للتشاؤم، ولكنه سعي حثيث لعقلنة الأمل. وليسفي الوجود من يستحق أن يعقد عليه الأمل إلا الله، والأمل في رحمته التامة، ولطفه المطلق، وكرمه وعفوه، وما بعد ذلك سوى السراب.

سطوة الوهم

لا شك في وقوع العين، ووجود السحر، والجن، والمس، كل ذلك نؤمن به، ونصدق بوقوعه، لدلالة الوحي عليه، ولكن كل هذه الأمور لحقتها أكوام من الشوائب على المستوى الاجتماعي، وفي وعي قطاع عريض من الناس. وتجتمع أطراف الإشكاليات الاجتماعية في اختلاط مفاهيم العين والسحر بالأمراض والعوارض النفسية، مع تسرب أشكال كثيرة من الأوهام والخيالات النفسية والاجتماعية في وسط ذلك كله. والدافع الأساسي لمناقشة هذا الموضوع، هو خطورة انعكاساته على الفرد، وعلى إدارة الإنسان لمشاكله وإخفاقاته، ولمدى إدراكه الواعي لحقيقة أفعاله وأفعال من حوله. إحدى الداعيات كانت تتحدث في وسط جمع غفير من النساء، وتقول لهن لو قرأت عليكن بعض الآيات والرقى لظهر أن النصف منكن (أو الأغلب نسيت الآن) مصابات بالعين أو السحر! فتخرج المرأة المسكينة من المحاضرة مشبعةبالوهم من احتمالية اصابتها بعين أو مس، فإذا ذهبت للبيت وحصل لها مشاكل مع زوجها، أو شعرت بأزمات اكتئاب، أو أية عوارض نفسية، توهمت بأنها بالفعل مصابة، فتذهب لراقي، فيقرأ عليها، فمن رهبة الموقف، ولنفترض أنها أول مرة تحضر عند راقي، وترى طريقة القراءة، لاسيما إذا كان للراقي طقوس غريبة، وإذا كان معها غيرها في حالة الرقية الجماعية، وشاهدت حالات الصرع والصراخ، ستشعر برهبة، وبتنميل، وبتعرق، ثم يسألها الراقي عن شعورها، فتخبره، فيصدر تشخيصه (الصادر عن جهل ورمي بالغيب في الغالب) بأنها مصابة بكذا أو كذا، فتصدق وتفسر كل ما يعتريها في حياتها بأنه نتيجة مباشرة للإصابة بالمس أو السحر. فانظر كيف عطلت هذه الأوهام قدرتها على إدارة حياتها كما ينبغي، وربما حاجتها لزيارة طبيب نفسي، لكن أكثر الناس يفضلون أن يصابوا بعين ومس وسحر، ولا يذهبوا لطبيب نفسي. أحدهم ذهب لصديقه قبيل ليلة زفافه يشتكي من إصابته بمشكلة خاصة، فطمأنه صديقه، وأخبره بحقيقة المشكلة، وأنها تعتري بعض الشباب إبان أيام الزواج الأولى بفعل الضغط النفسي، وهي تزول بمجرد مرور الوقت، وبالفعل انحلت مشكلته بعد مدة قليلة، وكان الشاب يعتقد أنه مصاب بسحر أو عين، فتخيّل ماذا سيحصل لو ذهب الشاب لراقي، وأقنعه بأنه مصاب بسحر؟، كيف سيكون زواجه؟ وكيف سينهدم بيت الزوجية الناشئ! ولهذه الحوادث نظائر كثيرة جداً، من وقوع كثيرين في فخاخ الأوهام، والخيالات التي تدمر حياتهم، وتفسد عيشهم، بل إن نفوس بعض الناس بها من الضعف وقلة التوكل والتجافي عن الأذكار ما يجعلها أكثر قابلية للإصابة بهذه البلايا، كما يقول الشيخ عبدالكريم الخضير:"كلما اشتد الخوف من العين صار أسرع للإصابة، وأضعف للنفس المقابلة، وهذا شيء مشاهد".

أتخيّل!

أحاول تخيّل ماذا كان يدور في خاطر ذلك الكهل القديم. يسكن -قبل قرن على الأقل- في أطراف قرية نائية، لديه بقرة، وثلاث نخلات، وربما بعض المزروعات الأخرى، بجواره مسجد صغير، يصلي فيه بانتظام، كساعة سويسرية. يحلّ الظلام بمجرد دخول الليل. ليس لديه هاتف يستقبل اتصالات الثرثارين، بل لايعرف الكهرباء، ولا يملك  حساباً في مصرف يملكه لصوص، ولا بطاقة هوية مصطنعة لبلد فاشل، ولا يتابع أخبار التاسعة عبر قناة مرتزقة، ولا عناوين الصحف الصفراء. لا يعلم أي شيء عن قتلى نيكارجوا، ولا مظاهرات تشيلي، ولا قلق بانكي مون، ولا تزايد عدد اللاجئين، ولا يشاهد وثائقي يناقش مخاطرالاحتباس الحراري. لا يتابع أثرياء الانستقرام، ولا سوّاح سناب شات، ولا محللي اقتصاد النفط المتدهور في تويتر. لم يعرف الوظيفة، ولا يعنيه المستقبل كثيراً. لم تشوش ذهنه الأفكار عن خرافات التقدم/التخلف، ولم يعرف عن العوالم الجديدة، من العالم الأول، حتى الأخير، شيئاً يذكر. لم يدرك بعد أن الأيديولوجياالإعلامية الحديثة ستصرّ على جعله يكره ذاته، وتراثه، ومعتقداته. حمته الأقدار من أن يرى جسداً أنثوياً متبذلاً، من غير ما يحل له. لم يعش ليرى كيف يكون العري تجارة، والخيانة مجرد بزنس، والتعذيب هواية، والقتل تسلية، والحروب المدمرة تدار من بيوت سوداء وراء المحيطات. لم ير قط جسداً مقتولاً مشوهاً، ولا أشلاء ممزقة، ولا أياً من هذه المشاهد المعتادة. ولا أي شيء يصنف كمسبب رئيسي لأمراض القلب والنفس، ومسمم أولي للروح. همه الأساسي دائرته الاجتماعية الضيقة، زوجته، أولاده، أبناء عمه، وبضعة أصدقاء، وجيران. والسلامة الصحية لبقرته الحلوب، واللقاح الجيد لتلك النخلات، والمسجد أولاً. اعتاد أن يقاوم حقائق الحياة والفقر ليظل رجلاً. الترف والاتصال المفرط بالعالم جلب لنا البؤس.

نضوب العبارة

تواضع الناس على المدلولات العامة للكلمات الدالة على أنواع الشعور (الألم، اللذة، الحزن، الحنين، الخوف، الحب، الشفقة، الفرح، الحقد،…الخ)، ويدرك الصبي ذلك مع نمو قدراته، ويكتشف دلالات هذه المفردات بالتقليد والمحاكاة أولاً. ثم يتفاوت الناس لاحقاً في عمق الشعور بها، وفي جودة الإحساس والتعبير عنها. وأحياناً يجد المرء في نفسه نوعاً من المشاعر غير المألوفة، ولا يجد كلمة أو مفردة تفي بما يحس به. فعندما يرى -مثلاً- فقيراً قد قضمته الدنيا يحاول جاهداً أن لايبدو كذلك، يتكلف لباساً لا يناسبه، أو لا يتقن لبسه. يتظاهر أنه في حالة طيبة، لكن سياق الحال يخذله. ويعجز عن التعبير عن إحساس لا يستطيع دفعه حين يكون في موقف يتحدث فيه من لا يحسن الحديث، بمحضر من الناس، أو يقع من المتحدث ما يخجل الناس منه عادةً، فإنه يدخل في نفسه من ذلك شيء عظيم، ولا يعرف ما هو ذلك الإحساس على جهة التعيين. شعورٌ هوكالعار المشوب بالحسرة والشفقة الحادّة، أو اعتراض عميق لا إرادي على حدوث مثل هذه الأشياء. وقد يذهب الإنسان لبلد لا يعرف لغة أهله، فيحتاج أن يعبّر عن مراده لبعض الناس هناك، أو للعاملين في الفندق الذي يسكنه، فلا يستطيع، فيخترقه إحساس حامض، لاذع، لا يمكن توصيفه، إحساس يشبه حال من يسكن في الشارع، في ليلة قارسة ومطيرة. إنه لون من التهجير المعنوي، لحظة عدمية قاسية. هذا النضوب في المفردات هو الذي يمنح الشعر والرواية والأدب عموماً التفوق والقيمة، لقدرتها على تمثيل وتصوير المشاعر بمفردات وتشبيهات وتراكيب غير معتادة، لأنها تصف مواقف ومشاعر هي الأخرى غير معتادة. وقد وقعت على قناة يوتيوبية تحمل فكرة غريبة، وهي إختراع كلمات تعبّر عن مشاعر ليس لها كلمة معروفة، وتقوم بسرد وشرح هذا الشعور في فيديو معبّر. مثلا اقترحوا كلمة socha للتعبير عن هشاشة الآخرين الخفية، وAmbedo للتعبير عن استشعار كثافة اللحظة ذاتها، وDes Vu كمفردة تعني الوعي بأن ما يحدث سيصبح ذكرى…الخ. فكرة بديعة وغير تقليدية. شعرت حين وجدتها بدهشة لذيذة. اللغة، والكلمات؛ تكرس من إدراكاتنا لوجودنا، ولكنْه مشاعرنا، وإحساساتنا المتفردة. تطرفت بعض الفلسفات اللغوية المعاصرة ووصلت لحد الاعتقاد بأن اللغة هي ما يمنح الأشياء الوجود. فاللغة تصعّد الشعور المختفي إلى عالم الشهود، وحين تمنحه مفردة دالّة يكتمل وجوده، وتندلق المياه في أرض كينونته المجدبة،فتمتلأ به النفس.

الأصالة البلاغية

ذوقياً لا أفضّل القراءة لمن يكثر ويتكلف استعمال التراكيب والاستعارات والمجازات اللغوية القديمة. أرسل لنا أحد الأصدقاء في مجموعة واتساب  أبيات غزلية لزميل له، وطلب رأينا، أذكر أني أبديت ملاحظة أساسية، مفادها أن الشاعر -بل الناظم- لم يقل شيئاً تقريباً، كل ما فعله هو إعادة تدوير لصور وأخيلةومجازات وتراكيب وصفية تقليدية (العيون السود، والقدود، وخدود كالتفاح، والثنايا كالأقاح، والشعْر الذي هو كالليل سواداً، وكالبحر تموجاً،…الخ) مع صفّها من جديد، فالحدث والسياق والشخوص والأوصاف "مستعارة" بالكامل. هذا ليس شعراً، وإنما حصة تدريبية للذاكرة. وكذلك الكاتب الذي يفرِط في استخدام اللغة التراثية تضمحل نفسه، لتصبح اللغة تتحدث من خلاله، بينما كان هو المتحدث بها. فيختلّ عاملا الصدق والدقة، وهما من أعظم مرتكزات حسن الخطاب والقول. يكثر هذا النمط من الكتابة لدى الكتّاب في أول أمرهم، لشدة تأثرهم بمطالعتهم، ثم يختار أحدهم الأسلوب الخاصبه، أو هو -بالأحرى- يتخلّق مع الوقت من غير اختيار. ولا يقتصر الأمر على الولع بالتراكيب والألفاظ القديمة، بل حتى من يتكلف تقليد أمراء البيان المعاصرين، ومشاهير الكتاب، وشعراء الشعر الشعبي، يقع في ذات الأزمة. الحصيلة اللغوية هي الكاميرا التي تجمع أجزائها، لتصوّر بها ما تراه، لا أن تجمع الصورة لتعيد إصدارها من جديد، اللغة مادة، والحدث الخارجي أو الداخلي أو الفكرة هو الموضوع، هكذا الأمر في المحصلة. أما حين تنقلب المعادلة تكون اللغة هي الموضوع نفسه، ويتحول الحدث/الفكرة لتكميل روتيني، فالفتاة الجميلةالموصوفة هي هي منذ قرون لا تختلف، بنفس المواصفات الخرافية الجامدة، حتى يأتي الكاتب/الشاعر ليعيد الحياة والألق والصدق للغة، ليصف أو يشرح ما يراه بوضوح، وليعبّر عن مقصده بدقة، فتستحيل تلك الفتاة بشراً سوياً، أو تلك الفكرة نموذجاً ناصعاً.  

جوهر الإنجاز المبدع

تمرّ بالمرء أوقات يكاد يشتعل فيها نشاطاً وحماسةً وتوثّباً، ويتعجب من أين يأتيه كل هذا الوقود المشع، والمزاج المبتهج. فليعضّ على هذه الأوقات بالنواجذ، وليضاعف فيها العمل إلى أقصى الطاقة، لأنها لا تدوم، وسيعود لحال من السكون، والبرود. وهذا معنى شائع، ومعروف، ولكن الذي ينبغي إلحاقه بهذا المعنى، أن يسعى المرء لتوفير البيئة المناسبة للظفر بهذا المزاج المتوقد، والذهن المستعد. وكان أحد المشايخ  البارعين  يذكر أنه يعمل ويبحث ويؤلف (وله عدة كتب منشورة) عدة ساعات أول اليوم، وفي وقت الضحى تقريباً يتوقف، ويترك بقية يومه لأعماله الأخرى، الوظيفية، والأسرية. فهو يخصص لبّ اليوم وخلاصته لعمل مركّز وجاد. بينما آخرون يضيع من أوقاتهم الكثير،لتبعثر نشاطهم، وتفرقه في اليوم، أو لكثرة الانقطاعات بين أجزائه، فيفقدون جوهر الرؤية المبدعة = التركيز. وهكذا لو تستخلص من وقتك بضعة ساعات كل أسبوع -مثلاً- للقيام بعمل محدد، لكن بتركيز تام، وتفرغ ذهني ونفسي ومادي كامل، سترى كيف تصنع تلك الساعات الفارق. وإن من جملة الضعف المستولي على البشر التفاوت الشديد في العزيمة، وانحلال عرى الإرادة في وسط العمل، أو قبله، وفي بعض الأحيان لا تجد لتحول الإرادة وتبدلها وانفساخ الهمم؛ علة معقولة، ولا سبباً ظاهراً، وقد سأل بعض الأوائل: بم عرفت الله؟ فقال: "بفسخ العزائم، ونقض الهمم"، والمعنى أن هذا الانفساخوالنقض بعد الجزم التام، والعزم المؤكد، لابد أن سببه إرادة عليا تسيطر على هذه الإرادة الدنيا، وتقدّر فيها ما تشاء، وليس ثمّ إلا الله تبارك وتعالى.  

الجهل الجريء

تكتب عن الفلسفة وعلم الاجتماع، عن الأدب، وبعض الموضوعات الاقتصادية، عن الخير والحق والجمال، فتأتيك تعليقات محدودة غالبا. ثم تحرر أو تنقل مسألة فقهية، أو حكما شرعيا، فتكتظ التعليقات، أحدهم يقول لك: المسألة فيها خلاف (وهذه العبارة من أكثر الكلمات ابتذالاً، ويشعر مدعي العلم بسعادة غامضة حين يحشرها في أي سياق فقهي!)، ويتبرع آخر بنقل ينسخه من أدنى موقع، ليظهر عمق اطلاعه، ويخرج ثالث باعتراض سقيم، ورابع ينقل قول شيخ معاصر باعتباره الحق التام الملزم والمطابق لحكم الله في نفس الأمر، وخامس وسادس…الخ. ولا أدري ما سبب هذه الحالة التفاعلية الغريبة، لاسيما وأن كثيرا ممن يكتب ويعلّق هم في حكم العوام، بل الأميين في الفقه والشريعة، أو في أفضل الأحوال أنصاف متعلمين، ومبتدئين، وقلّما تجد فقيهاً بينهم. ولا تغرك الشهادات، فكثير منها ورق بلا معنى، وحبر بلا جوهر. وهذا يذكرني بكلام سمعته من أحد المشايخ يقول: ألقيت محاضرة في أحد البلاد الغربية فلما انتهيت منها، وفتح المجال للحضور، تعجبت من كثرة الأيدي المرفوعة، وابتهجت لهذا التفاعل، ثم تفاجأت بأن أكثرهم يعترض على بعض ما قيل، ويناقش في بعض المسائل، وعامتهم جهلة لا يفقهون، ولكنهم اعتادوا أجواء النقاش في التعليم. واعتياد المناقشة والتحليل والفحص خصلة حسنة بلا ريب، ولكن حين تكون في هذا المقام إنما تدل على الجهل وقلة الفقه، لأن المناقشة والاعتراض لا تكون إلا بعد العلم بالشيء، وفهمه. وعلاج مثل هؤلاء يذكرني أيضا بحادثة أستلذ بها كلما تذكرتها، حدثنا بها بعض الأساتذة في كلية الشريعة، يقول ذهب أستاذ فاضل مختص بعلم أصول الفقه لإلقاء محاضرة في مركز إسلامي في الولايات المتحدة الأمريكية، فلما بدأ المحاضرة تناول مبحث القياس في الأصول، ثم فصّل بعض مسائل العلّة، وهو من أعقد المباحث، فذكر شروط العلة، والعلة المركبة، وتخصيص العلة، ومسالكها، والوصف المناسب والغريب والاطراد والانعكاس، والدوران الوجودي، وتنقيح المناط وتخريجه وتحقيقه، والتعليل بالوصف المركب والعدمي، وقوادح العلة…الخ. ولما انتهى سأله من كان يرافقه عن سبب اختياره هذا الموضوع، مع عدم مناسبته لأفهام الحضور، فرد عليه الشيخ الأصولي:"أردت أن أعلمهم أن في الفقه والشرع ما لا تدركه أفهامهم ولابد من طلب هذا الشأن على وجهه". فالعلم الشرعي يستسهله بعض أهل الزمان لما امتلأت به قلوبهم من إجلال العلوم المعاصرة وتعظيمها واعتقادهم شدة تعقيدها، ولا يدرون أن علم الشريعة لا يدرك بمجرد الفهلوة والتحذلق والنقر عبر قوقل والشاملة، وببعض القراءات العجلى في أوقات الفراغ، بل لابد من طلبه على قانون الأوائل، وإفناء الأوقات فيه،وكدّ الأذهان في تتبع مسائله، ولمّ أطرافه، مع نية صالحة، وشيخ حاذق.

القراءة ليست ممتعة

انتشار مقولات متعة القراءة، ولذة مجالسة الكتب، وروعة الإقامة بين جدران المكتبة، من مثل قول بورخيس:"لطالما تخيلت الجنة على شكل مكتبة"، قد يوصل تصوّر اختزالي وزائف للبعض عن العلم والتعلم. حين يشرع الشاب/الفتاة في طريق القراءة الجادة، ويتجاوز مرحلة المطالعات الخفيفة للكتب الصغيرة، والقصص والروايات، والمذكرات والسير الممتعة، يبدأ حينها بمواجهة كوابيس الملل، والسآمة، كما أنه يتيقن من ضرورة ترك بعض المتع، وأهمية قدر ما من العزلة (وهي خيار ليس محبباً لدى عموم الخلق)، ومقاساةالصبر، وجبر النفس على ما يضاد هواها، من أجل المضي في طريق العلم قُدماً. عند هذه اللحظة يترك كثيرون الكتاب، وينصرفون لحياتهم المعتادة، وقد يعودون من فترة لأخرى للاطلاع على كتاب خفيف، أو رواية شائقة. والحق أن العلم بالشريعة، والطبيعة، سبيل صعب، وطويل، وليس طريقاً مفروشاً بالملذات، والمقولات التي تتغنى بالكتاب، والقراءة، كمتعة خالصة، هي في الأغلب ليست سوى تعبير عن لحظة فرح خاصة، أو بيان لنزوع فريد لا يمكن تعميمه، أو هي مقولات تباشر حقيقتها بعد أن تسير طويلاً بين رفوف العلم والكتب. ومن يتصوّر أن القرّاء الجادين وطلاب العلم والعلماء لا يفعلون ذلك إلا لاستمتاعهم الشخصي فهو واهم، بل بعضهم يجاهد نوازعه كلما جلس مع الكتاب، ويقاوم الملل، ويدافع الخواطر التي تدعوه للانصراف إلى نشاط أكثر إمتاعاً. ولكن الذي لا يمكن إنكاره أن بهجة العلم العظيمة، ودهشة المعرفة، وحلاوة التعبدبسلوك الطلب، تطغى على متاعب الصبر، ومكابدة الجلوس الطويل أمام الكتاب، ولكن هذا لا يتحصّل لكل أحد، ولا يتحقق في بداية الطريق، ولو كانت المسألة ممتعة لهذا الحد، لتنافس فيها الناس كما يتنافسون في جمع المال. ولولا المشقة لساد الناس كلهم.

القارئ كمرآة

يتخذ البعض من القراءة موطن استجمام واسترواح من عناء العمل، ووعثاء الحياة، وهذا الانعكاس الإيجابي الذي تؤثره القراءة في كثير من النفوس لا يمثل إلا لوناً واحداً من ألوان التأثيرات المتباينة. وإذا تأملنا في العلاقة التي تكون بين القارئ والمقروء، سنجد أنها تتحدد غالباً بنوع المادة المقروءة. والإنسان ينفعل ويتفاعل بطبيعته مع أكثر ما يقرأ إذا عُدِمَ المانع، ولذلك تجد أن مدمن القراءة في الأدب والشعر ونحوها ربما أورثه ذلك شيئاً من رهافة الحس ورقة الشعور والانفعال العميق بالملفوظ، والطرب للكلام الحسن ما لا تجده عنده غيره. وكذلك تجد من يدمن القراءة في المباحث الإلهية من كتب الفلسفة والكلاميات قد يداخله من ألوان الحيرة والشكوك ما يعجز عن دفعه، وكذلك تجد الانضباط والتدقيق في مدمن المطالعة في كتب الفقه وأصول الفقه، والميل للتفصيل وضبط  التصور، وتنقيحه، وتجد الميل المفرط للتحليلات المسهبة والولع … متابعة قراءة القارئ كمرآة

العلم بالجهل

في كتابهما "أفكار وجدت لتبقى"يقول شيب هيث ودان هيث: (ما إن نعرف شيئًا ما، حتى نجد أنه من الصعب تصور ما قد تكون عليه الحال إن كنا لا نعرفه)، هذه الفكرة وقفت أمام ذهني عدة مرات، وتأملتها في أفق أوسع مدىً مما توحي به. لا يمكن للانسان أن يتخيّل نفسه الآن لو كان يجهل كثيراً مما رزقه الله العلم به، ماذا لو كان أمياً؟. يفشل الخيال في تحقيق هذه المهمة. لأن العلم والفهم والوعي بهذا العالم، وبالتاريخ، يتماهي جوهرياً مع كينونة الإنسان، ويندمج في منابع إدراكه للوجود. بل لو رام أن يجهل بعض ما عرف -لاسيما من المعارف الضرورية- لما قدر على ذلك أصلاً. وهذا المعنى اللطيف يقودك إلى ضرورة شكر الله على ما منّ به عليك من العلم والمعرفة، فإذا كنت تقرأ كلامي هذا وتفهمه، فأنت أعلم من ملايين البشر، من الأميين، ممن لم تتح لهم الفرصة للتعلم. وكما أنه يتعذر عليك إدراك الجهل، فكذلك يتعذر عليك تخيّل ما الذي سيتغير في حالتك الجوانية والبرانية لو كنت أعلم مما أنت عليه الآن، فإذا علمت شيئاً من العلوم، أو طرفاً من المعارف، أدركت قعر الدرك الذي كنت فيه، وتذكرت خيالاتك وسماديرك الفاسدة عن مقدار فهمك، ووفرة علومك، وربما كان هذا المعنى (أقصد خفاء صورة الجهل وصورة العلم) هو ما يوقع بعض الناس في الرضا والاطمئنان الساذج لحالهم، ومدى فهمهم للأمور، فتموت الأسئلة في مهدها، ويكثر الرماد في عقولهم الباردة.

أوهام منعشة

لماذا يصدق الناس بخرافة الأبراج؟ وبأوهام تحليل الخط؟ والتوقيع؟ وبعض برامج تحليل الشخصية؟وما شابه ذلك. الأسباب متنوعة، لكني سأشير لسبب مركزي في نظري، وهو أن الناس يقعون عادة ضحية لما يسمى"تأثير بارنوم"، والمقصود به هو الميل إلى الاعتقاد بدقة العموميات الغامضة. دخلت لصفحة تهتم بتحديد الشخصية من خلال الأبراج، وكانت تحظى بمتابعةكبيرة نسبياً، واقتبست منها نموذجاً تطبيقياً، ووجدتهم يزعمون أن أصحاب برج العقرب يتسمون بـ: 1-الوفاء 2- العاطفة 3-الحيلة 4-دقة الملاحظة 5-الديناميكية وتلاحظ أن كل هذه الصفات شديدة العموم، وأكثر من يقرأ هذه الصفات سيعتقد أنها صفاته الشخصية بدرجة أو أخرى، وهي كذلك غالباً، وفي الإنسان ميول خفية للتصديق بأدنى وهم يكرس من شعوره بالتفوق أو التميز أو الفرادة، فإذا صادف وأن كانت ولادته في برج العقرب فسيزداد قناعة بمصداقية هذه الخرافة، وأحياناً يتمادى به الوهم لتقمّص بعض هذه الصفات. وذهبت لموقع آخر يزعم صاحبه أنه يحلّل الخطوط، ويستدل بها على شخصية صاحب الخط والتوقيع، ووجدته يحلل توقيع لاعب معروف، ويذكر أن توقيعه يدل على أن لديه خوف من المستقبل، لكبر الهامش الأيسر في التوقيع كما يقول . لاحظ فكرة "الخوف من المستقبل" فهي تصدق على 99%من البشر حول العالم. والغالب أن ذلك اللاعب لديه فعلاً خوف ما من المستقبل، كأغلبنا.  فالتعميم الشديد في مثل هذا التحليل يشعر بمصداقية زائفة، وهذا بالضبط هو"تأثير بارنوم". وأما ذكر المحلل لكون … متابعة قراءة أوهام منعشة

الأفكار تموت؟

(الأفكار لا تموت، ومنع الفكرة لا يمحوها، وقتل صاحبها وملاحقة أتباعها يمنحها طاقة وجود متجددة). هذه الجمل تلخص ثيمة أساسية عند كل الحركات النضالية المعاصرة، وتمثل عزاء حارا لكل مقموع أو محارب. كما يتبناها بعض الحقوقيون المعتنقين للحقوق ضمن المنظور الليبرالي في مسعاهم للدفاع عن بعض أشكال الحريات.  هذا التصور اختزالي، ويحكي جزءا من الصورة. الفكرة تموت -في كثير من الأحيان- بفعل الإبادة المادية والمعنوية، كما أن تشديد الرقابة عليها وملاحقة أتباعها يقلص كثيراً من فاعليتها، ويخرجها من دائرة التأثير، بل ومن التاريخ، فالأفكار لاوجود لها ولافاعلية بدون ذوات تتبناها. تعرضت الأفكار القومية والشيوعية/الماركسية لمقاومة شرسة وملاحقة واعتقالات وتنكيل وتنديد إعلامي ضخم من بعض الحكومات (دول أوروبا الغربية، الولايات المتحدة في الحقبة المكارثية، دول الخليج،…الخ) إبان الستينات والسبعينات، ونجحت هذه الملاحقة والتنكيل في تقليص الوجود الفاعل لتلك الأفكار، حتى لميزد عدد كوادر بعض اللجان القومية في بعض الدول عن أصابع اليدين! أيضا: أتاتورك استطاع هدم الهوية الاسلامية من تركيا في عدة عقود، وذلك بالقمع، ولم يستطع الاسلاميون أن يصلوا للحكم إلا بعد تقديم تنازلات ضخمة كاعترافهم بالمشروع العلماني. وهذا ينطبق بصورة جزئية على إيران ما قبل الخميني وعلى تونس. وانظر في المذاهب الباطنية وأفكار الحلول والاتحاد، وغيرها من الأفكار في طول التاريخ الإسلامي كان قمعها وقتل أصحابها سببا رئيسيا في محدودية انتشارها وتأثيرها، مع ملاحظة عدم امتلاك الدولة القديمة لوسائل القمع والتعذيب والمحاصرة المعاصرة، وهذا يعني مزيداً من فاعلية المنع. كما أن تلك الجمل السابقة تتجاهل حقيقة أن أكثر الناس يخضعون لغرائز الخوف والجبن والهلع، والرعب من الاعتقال أو الملاحقة، فضلاً عن القتل وهذا يؤثر جوهرياً في سلوكهم الفردي، ثم سلوك الأفراد يؤثر شعورياً ولا شعورياً في اتجاه المجموع، فتكون المحصّلة حدوث منافرة جماعية للفكرة والرمز المضطهدرسمياً. ومع ذلك لايمكن إنكار دور كاريزما القائد واستشهاد الرمز في جذب المزيد من الأتباع، ولكن ذلك لايمثل قاعدة في السلوك الجماعي البشري، هي جزء من الصورة، فالظروف التاريخية تساعد فيإعطاء الفكرة الملاحقة أو الرمز المضطهد زخم خاص، يسمح بتمدد قاعدة المنتمين. ويمثل الإسلام كديانة خاتمة استثناء من هذا السياق، لكونه محفوظ بحفظ الله، وبرعايته تعالى، فلا يفلح المنع ولا الملاحقة في تحجيمه ومنعه من الظهور والتمدد. إذاً، الفكرة قد تموت، والمنع والملاحقة يساهم عادة في تحجيمها وبكفاءة.