
بعد قدومه من بغداد التحق البحاثة العراقي شاكر لعيبي في المدرسة العليا للفنون بجنيف في سويسرا عام 1988م، ثم تخصص في علم الاجتماع، ليحصل على الماجستير في جامعة لوزان عن أطروحة بعنوان «الدلالات الاجتماعية لتوقيعات الفنانين في الفن الإسلامي»، ويواصل البحث ليحصل على درجة الدكتوراه في عام 2003م في الجامعة نفسها عن أطروحة بعنوان «الفن الإسلامي: الفنانون والحرفيون: مقاربة سوسيولوجية عن الفنان مجهول الهوية». ثم صدر بالعربية كتابه «الفن الإسلامي: سوسيولوجيا الفنان الغُفْل» في حدود 500 صفحة بترجمة جيدة من الدكتور عبدالنبي ذاكر عن دار المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2020م، ويبدو أنه ترجمة لأطروحة الدكتوراه، وإن لم يبين الناشر أو المترجم ذلك!
يندرج هذا الكتاب القيّم ضمن الدراسات النقدية التي تحاول تصحيح بعض الفرضيات الاستشراقية الضعيفة، وتعيد تأويل مفاهيم رئيسية فيما يعرف بـ«الفن الإسلامي»، وهو المصطلح الذي تعتبره بعض الدراسات «مصطلح غربي أو استشراقي»، كما تذهب المؤرخة الفنية ويندي شو في تقديمها لكتاب «تفكيك أساطير الفن الإسلامي»، فهي تعتبر أن “الفن الإسلامي” هو مفهوم غربي مصنّع يقصد إلى تحديد مجموعة من الأشياء التي يعتبرها “فنًا”، وغالبًا ما تتعلق بالعمارة، «وتثمينها من خلال المتعة الحسية البصرية، وإضفاء المعنى عليها عبر شبكة علائقية من المكان والزمان تعرف باسم “التاريخ”، وتحدد بجغرافيا الهيمنة التاريخية لدين الإسلام؛ فهي نتاج الحداثة، التي تأسست في أوروبا في القرن التاسع عشر بالتوافق مع توسع الاستعمار والعلمانية» أي أن مصطلح «Islamic art» كما تزعم يقوم على تصوّر خاص لماهية الفن ورؤية محددة لحقيقة الإسلام، ومن ثمّ فهي تشكك في كتاب آخر في قدرة أبناء الثقافة المسيحية المعلمنة على فهم الفن في التراث الإسلامي إذا ما التزموا بتصوراتهم الراسخة عن العالم، وتطرح رؤىً مغايرة للتأويلات السائدة للفن الإسلامي، ومن جهة ثانية تضع شو الاهتمام والاحتفاء الغربي بـ«الفن الإسلامي» في القرن العشرين في سياق الاستعمار والهيمنة الغربية، وتنقل حديث مؤرخ الفن الإسلامي البارز ريتشارد إتينغهاوزن Richard Ettinghausen (1906-1979م) في خطاب ألقاه عام 1951م حيث يقول: «يمكن أن يكون للفن الإسلامي أهمية خاصة بالنسبة للعالم الإسلامي اليوم، وبما أن هذا هو إنجازه الثقافي الوحيد الذي يحظى بقبول وإعجاب الغرب على نطاق واسع، فإن العناية به يمكن أن يعوّض الشرق -إلى حدٍ ما- عن تخلّفه العلمي والتقني، وهو أمر لا يمكن أن تحققه حقول النفط ولا الموقع الاستراتيجي»، وهذه قصة طويلة ليس هذا مكانها.
قيل إنه «في يوم من الأيام، طلب أحد أباطرة الصين من كبير الرسامين في القصر محو الشلال الذي رسمه في لوحة جدارية، لأن خرير الماء كان يمنعه من النوم!»، أما كتاب لعيبي فليس معنيًا ببحث الجماليات والإمتاع الحسي في الفنون، وإنما غايته «معالجة وضع الفنان ودوره الاجتماعي في الإسلام من خلال حضور توقيعاته أو غيابها»، ومع أن التوقيع على المنتج الفني بوضع الفنان اسمه عليه ليس واسع الانتشار بل هو قليل نسبيًا إلا أنه قديم الوجود، حتى في حقب ما قبل الإسلام، ولم تتعرض لهذه الظاهرة الدراسات الفنية كما يجب، ورأى المؤلف أن بالإمكان استثمارها في البحث والتحليل.
واستدلت أبحاث استشراقية وغربية كثيرة على أن ندرة التوقيع هو إشارة إضافية إلى جوار السمة التجريدية للفن الإسلامي وأولوية الزخرفة والأرابيسك المقولب والمكرور «على عداء للإبداع الفردي، وعلى أن المجتمع الإسلامي لا يقبل سوى الفنانين المنتجين للأرابيسك، وذلك بهدف تكميم فردانيتهم»، ومع أنه لا يمكن إنكار غلبة السمة التجريدية إلا أن لها سياقها المفهوم، فبما أن العمل الفني كان مرتبطًا في وقت مبكر بالخلفاء، فقد راعوا شروط الشريعة في المنتج الفني، وهكذا «شيئًا فشيئًا نزع الفن إلى تفضيل التجريد الهندسي، فقد كانت الجهات الراعية -بنحو ما- هي أصل مظاهر الفن الإسلامي، وهذا ما نتبينه من خلال الصروح المعمارية الرسمية الأولى، وبالتدريج تحاشى [الفنان في التراث] المجال الفني البيزنطي الذي يجعل في قلب انشغالاته تصوير الإنسان والجسد والمرئي، للتوجه نحو تعبير يرفض كل ما هو جسدي، ويميل نحو اللامرئي»، ويشرح الكتاب بطرق أكثر تفصيلًا العلاقة بين التحريم للصور والتجسيم وواقع الفن اجتماعيًا وتاريخيًا.
وقد ناقش الكتاب هذا الرأي الشائع بـ”جماعوية الفن الإسلامي” من عدة أوجه، منها إثبات التوقيعات في منتجات فنية عديدة، فقد سرد عشرات الأسماء للفنانين والحرفيين والرسامين والمزوقين والخطاطين والمعماريين ممن وضعوا توقيعاتهم الشخصية على أعماله والتي غالبًا ما تكون بصيغة «عمل فلان»، ومما لاحظه هنا وجود صيغ توقيعـيـة كنسية بهذه الصياغة: «الآثم الذي خطّ هذه الحروف»، ويشير إلى أن هذه الصيغة «ستغدو نموذجية لدى الفنانين المسلمين اللاحقين [الذين سيكون من عادة كثير منهم تذييل أعمالهم بنحو] «العبد المذنب الفقير» أو «المذنب طالب عفو الله» …الخ»، وهذه ملاحظة جديرة بالتأمل، وليس فيها إثبات تأثرّ بالصيغة المسيحية، وهي بحاجة لمزيد تقصي لظروف ظهور هذه الصيغة في كتابات النساخ ونظرائهم في التراث.
ويختص أهل الخط باحتفاء خاص في التاريخ الإسلامي، «فحرفة الخطاط من بين الممارسات الفنية كلها حظيت باحترام وتقدير شديدين؛ ففي عيون المسلمين نال الخطاط المكانة التي ما يزال يحتلها الرسّام اليوم في المجتمع الغربي، ولذا خصصت لهم العديد من كتب التراجم»، لا سيما وأن الخطاط لا يعدّ عمله خطًا محضًا، بل «الخطاط يخط أيضا أشكالاً هندسية، فلا فارق بين خط حرف أو رسم خالص، بمعنى أن الخطاط منهمك في رسم الحروف باعتبارها أشكالاً خالصةً، لا مجرد كتابة واضحة، صاهرًا الأشكال بالمعاني».
ومن جهة ثانية يبين لعيبي أن النزعة الفردانية في الفن أطروحة حداثية متأخرة، وبعد أن حاول في فصل مليء بالتخليط الركيك عن الحرية الاعتزالية وآثارها، عاد ليؤكد على حداثية الفردنية الفنية، وكتب أن «النقد الحديث لا يدرك الفنان إلا باعتباره مخربًا لكل منظومة إبستيمولوجية مقررة، فالفنان الملعون البوهيمي المعارض للنظام الاجتماعي أو الثقافي لم يظهر إلا ابتداء من القرن التاسع عشر بأوروبا، غير أن هذه الصورة ليست هي القاعدة المطلقة، فلمدة طويلة ظل الفنّان جزءًا من العالم الثقافي والاجتماعي لعصره، وفكرة الفنان الخارج عن المعيار إنما هي ابتكار متأخر»، ومن ثمّ فهذه الحساسية أو النمط الذهني والوعي الخاص بالحداثة لم يكن شائعًا في ما قبل عصر النهضة الأوروبي، ويذهب لعيبي إلى أكثر من هذا، فيذكر بأن «التعبير الفني الذي هو إحدى السمات البارزة الثقافة ما أو حضـارة مـا، لا يمكن أن يوجد في إطار صراع مع فردانية الفنان»، وينقل عن «روجي باستيد أن “الفنان لا يستطيع الإبداع إلا حينما تجرفه الحماسة والإيمان الجماعي”»، فـ«التطور العام للفن يثبت أن الفرد ينصاع لقوانين فوق شخصية»، ولذلك فإن «الوحدة النمطية للفن الإسلامي ليست استثناء في هذه القاعدة»، وكما هو الحال في الفن الصيني «فلم يفض نزوع الفن الصيني بميولاته التلوينية والخطية ومثابرته على تمثيل الطبيعة في إجماع أسلوبي إلى إنكار شخصية الفنانين»، وهذا يذكرني بذات النقد الذي قيل عن الأدب العربي بأنه يكمم فردانية الشاعر، ويقولب تجربته داخل مسارات جامدة وغير إبداعية، والذي يفترض تناقضًا جوهريًا بين قوانين المنتج الفني وفرادة المشاركة الشخصية في خط الإنتاج الجماعي.