مقالة عن الملالة

«الملل يتضمن أغرب الأمنيات وأكثرها تناقضًا: الرغبة في أن تكون هناك رغبة!»

آدم فيلبس

«نشعر بالملل عندما لا نعرف ما الذي ننتظره!»

فالتر بنيامين

«الملل هو الشعور النموذجي للعصر الحديث»

روجيه كايووا

(1)

قبل انتحاره الصادم عام 2008 جمع الكاتب الأمريكي اللامع ديفيد فوستر والاس مخطوطته التي لم تكتمل لرواية «الملك الشاحب» والتي كان يعمل عليها لأكثر من عشر سنوات، وبعد العثور عليها رتبها وحررها صديقه مايكل بيتش، ونُشرت في 15 أبريل 2011. في هذه الرواية كان والاس مهووسًا بمعضلة الملل، وكتب في فقرة شهيرة:

«لقد تعلّمتُ أن عالم الرجال، كما هو قائم اليوم، ليس سوى بيروقراطية كبرى. هذه حقيقة تبدو بديهية، نعم، لكن الجهل بها هو مصدر معاناة هائلة. وما اكتشفته -بالطريقة الوحيدة التي يتعلّم بها الإنسان أي شيء جوهري- هو المهارة الحقيقية اللازمة للنجاح في هذا العالم. وأعني بالنجاح هنا النجاح الحقيقي: أن تُتقن عملك، أن تُحدث فرقاً، وأن تخدم بصدق. لقد وجدتُ المفتاح. لكنه ليس الكفاءة، ولا النزاهة، ولا الفطنة أو الحكمة. ليس الدهاء السياسي، ولا الذكاء الاجتماعي، ولا حتى الولاء أو الرؤية أو أي من تلك الفضائل التي تُشيد بها الأنظمة وتُخضعها لاختباراتها. المفتاح أعمق من ذلك كلّه؛ إنه قدرةٌ كامنة تسكن خلف كل صفة، تماماً كما تكمن القدرة على التنفّس وضخ الدم خلف كل فكرة وكل فعل. المفتاح الحقيقي للبيروقراطية هو القدرة على التعامل مع الملل. أن تعمل بفعالية في بيئة تُقصي كل ما هو حيّ وإنساني. أن تتنفس -مجازاً- دون هواء. أن تجد طريقك عبر كل ما هو روتيني، وتافه، ومتكرر، ومعقد بلا طائل. أن تظل واقفاً حيث ينطفئ الشغف ويُخمد الحافز، لتبلغ الجانب الآخر من السأم. أن تكون، بكلمة واحدة: عصيًا على الملل. هذا هو مفتاح الحياة الحديثة. فإذا كنت محصناً ضد الملل، فلا يوجد شيء في هذا العالم يعجزك تحقيقه!».

قبل والاس بعقود، في عام 1964 تنبأ كاتب الخيالِ العلميّ إسحاق أسيموف (ت1992) بأنَّ «داءَ الملالة» سيغدو بحلولِ عام 2014 من أقسى صنوف المعاناة التي تؤرقُ البشرية، وصرّح الروائي الإنجليزي جيمس غراهام بالارد (ت2009) في مقابلة أجريت معه عام 1995: «يمكنني تلخيص ما ينتظرنا في المستقبل بكلمة واحدة: الملل. فالمستقبل، على الأرجح، سيكون مملًا إلى حد لا يُطاق!». لم هذه التوقعات؟ وهل كانوا يبالغون؟ سنرى.

(2)

لطالما اعتبر كثير من الحكماء والنظّار الملالة من شيم النفوس لا مناص منها، يقول أبو العلاء المعري:

إذا فَزِعْنا فإنَّ الأمْنَ غايتُنا … وإنْ أمِنّا فَما نَخْلو مِنَ الفَزَعِ

وشيمةُ الإنْسِ مَمْزوجٌ بِها مَللٌ… فَما نَدومُ عَلى صَبْرِ ولا جَزَع

و«في عام 1903، أصدر إميل تاردو في باريس كتابًا بعنوان «السأم  L’Ennui» عرض فيه النشاط البشري قاطبةً بوصفه محاولة عبثية للهروب من الضجر، وفي الوقت ذاته، صوّر فيه كل ما كان، وما هو كائن، وما سيكون، كغذاء لا ينضب لهذا الشعور» كما دوّن فالتر بنيامين (ت1940) في أوراقه، وقال برتراند راسل في كلمته بمناسبة نيله جائزة نوبل في الأدب يوم 11 ديسمبر 1950: «تُبيِّن التجربة أن الرغبة في الهروب من الملل تُعدّ واحدة من أقوى الرغبات لدى معظم البشر!»، وقبل ذلك بعقدين أشار في كتابه “غزو السعادة” إلى أن الملل «نال قدرًا من الاهتمامِ أقلَّ بكثيرٍ مما يستحقُّ، وأعتقدُ أنه كان أحدَ القوى المُحرّكةِ العظيمةِ طوال التاريخ، وهو كذلك في يومنا هذا أكثرَ من أيِّ وقتٍ مَضى!».

ولذلك زعم جملة من الكتّاب الذين قرأتُ لهم أن الملل كان من العوامل الأساسية المؤثرة في صعود وانحدار الحضارات، وظهور الهرطقات، وحركات الإصلاح، وصعود القومية والحركات السياسية المتطرفة، وجميع أنواع الثورات والحروب، وقالوا حتى المجازر، ووقائع التعذيب، لا يرتكبها -عادةً- ساديون سيكوباثيون، بل أناسٌ يعانون غالبًا من الملل، بل ذهب جورج شتاينر (ت2020) إلى أنَّ الملالة أسهمت في إثارة «الهمجية المتحضرة» التي شهدتها الحربان العالميتان، ومعسكرات الموت النازية، وتطوير واستخدام أسلحة الدمار الشامل.

وذكر بعضهم أن لعبة الروليت الروسية إنما ابتُكرت في خنادق الحرب الروسية التركية، وكانت نتاجاً لـ«مزيج من الملل الحاد والركود العسكري، الذي تفاقم غالباً بسبب الإفراط في شرب الفودكا»، ومؤخرًا تبادل التحدي بعض الشبان من الأثرياء العرب لتنفيذ لعبة روليت بمسدس حقيقي تحت تأثير المخدرات والملل، وبالفعل قتل أحدهم نفسه بسبب ذلك، وخسر الرهان كما يبدو!

ومع التطور المتسارع لأبحاث الملل -كما سأشرح بعد قليل- ظهر أن الملل يرتبط بطيف واسع من الاضطرابات النفسية والسلوكية، فهو دافع مباشر لظهور حالات الاكتئاب والقلق، والإدمانات، وسلوكيات المخاطرة والمجازفة النفسية والجسدية، ويُفاقم مشاعر اليأس والوحدة، ويغذّي النزعات العدوانية، ويؤثر سلبًا في اضطرابات النوم، وميول الانتحار، وتدني تقدير الذات، واضطرابات الأكل، وغير ذلك من أنماط الخلل النفسي والسلوكي.

نعم؛ ربما يفضي الملل إلى الانتحار؛ ففي حكاية نادرة عام 1972 دخل الممثل جورج ساندرز، البالغ من العمر خمسة وستين عامًا، أحد الفنادق قرب برشلونة، وبعد يومين وُجد جثة هامدة، بعد تناوله جرعة هائلة من المسكنات. وقد ترك رسالة انتحار مقتضبة كتب فيها: «عزيزي العالم، أرحل لأنني أشعر بالملل. أظن أنني عشت ما يكفي. أتركك مع همومك في هذا المستنقع الحلو. حظًا سعيدًا!».

فضلًا عما دون ذلك، من سلوكيات النشر العبثي والتصوير الهرائي، أو اختلاق النكات والأكاذيب، كما اعترف الكاتب الشهير أوليفر ساكس (ت2015)، وفقًا لما نقلته راشيل أفيف في مقالها في مجلة نيويوركر استنادًا إلى يومياته الخاصة، والتي قال فيها إنه لم يتورّع عن الاختلاق المحض لبعض التفاصيل في كتبه، أما كتابه الممتع والمعروف «الرجل الذي حسب زوجته قبعة» فقد وصفه بأنه مجموعة من «القصص الخيالية»، وقال عن مجمل حكاياته الغريبة التي اشتهر بها، بل ووجدت طريقها إلى الجامعات وبعض كليات الطبّ إنها «مزيج من التوثيق والخيال، والعلم والأسطورة»، ثم برر لنفسه بأنه يفعل ذلك ليطرد عنه أشباح«المَلَل والوحدة واليأس!».

ومن غوائل الملل اللجوء للإباحيات؛ فقد لاحظت الدراسات أن فترة جائحة كوفيد-19 شهدت ارتفاعًا في معدلات البحث عن المواد الإباحية على الإنترنت، لا سيما في البلدان التي فُرضت فيها أوامر “البقاء في المنزل”؛ وقد حاجج بعض الباحثين أن الملل من الدوافع الأساسية لاستهلاك المواد الإباحية. كما تشير الدراسات إلى أن الملل يقود متابع الإباحيات إلى البحث عن محتوى أكثر تطرفًا لتحصيل إثارة مستمرة، لأن المحتوى العادي المخلّ يصبح رتيبًا مع مرور الوقت!

ومن السلوكيات التي قد يولدها الملل؛ فرط الأكل والتسوق غير الضروري، حيث أظهرت الدراسات أن الملل يزيد من استهلاك الطعام ويرتبط بالسمنة، كما يدفع الناس إلى الترفيه القهري والتسوق الاندفاعي، خصوصًا عبر الإنترنت، كوسيلة سريعة لطرد الملل.

والتجربة النفسانية الشهيرة التي أُجريت في جامعة فرجينيا ونشرت عام 2014 أظهرت أن البشر يجدون صعوبة بالغة في البقاء بمفردهم مع أفكارهم لدرجة أنهم قد يفضلون الألم الجسدي على الفراغ الذهني، فقد اختيار طوعًا أغلبية الرجال بنسبة 67% و25% النساء تعريض أنفسهم لصعقات كهربائية مؤلمة عمداً خلال 15 دقيقة فقط من العزلة. والمفارقة تكمن في أن هؤلاء المشاركين أنفسهم كانوا قد أكدوا قبل بدء الجلسة أن الصعقة غير سارة واستعدادهم لدفع المال لتجنبها، إلا أن وطأة الملل وتحديات الانخراط في “التفكير من أجل المتعة” دفعتهم لاختيار أي محفز خارجي مهما كان سلبيًا لكسر حالة الركود!

(3)

يتفق الباحثون المعاصرون في علم النفس والفلسفة عمومًا على وجود نمطين أساسيين من الملل، يُفصل بينهما بناءً على مصدره، وعمقه، ومدّته، وطريقة تأثيره على المرء: الأول: عابر/عارض (بسيط)، ويتسم بكونه مؤقتًا، ويتولد عن الرتابة أو غياب التحفيز، وغالبًا يزول بتغيير النشاط أو البيئة. والثاني: مزمن/مقيم (معقّد)، ويتسم بالعمق، ولا يرتبط بموقف محدد، وهو نتاج الفراغ الباطني وتلاشي المعنى، ويصعب الانعتاق منه، وقد يظهر في صورة اللامبالاة أو الاكتئاب.

وفي أثناء تتبعي لكتب وأبحاث الملل والأوراق المنشورة حول ماهيته وحقيقته رأيت كثرة الجدل والاختلافات، ثم وقعت على تحليل مميز يكشف عن ماهية الملل بفصل خصائصه العارضة عن الجوهرية. والعارضة هي غالبًا إما مقدمات أو آثار تترتب عليه، كالخمول، واستيلاء الكسل، فيُوصف الملل بأنه «هوة فارغة تتثاءب بين لحظتين ذات مغزى»، ويقول والتر بنيامين في عبارة شهيرة: «إذا كان النوم هو ذروة الاسترخاء الجسدي، فإن الملل هو ذروة الاسترخاء الذهني!». والرتابة والتكرار، والشعور المعهود بتمدد الزمن وتباطئه، وهو أثر جانبي للملل.

أما الخصائص البنيوية للملل؛ فهي طبيعته الوجدانية، فهو انفعال وشعور واعٍ غامر، ومكروه ومنفّر، وأيضًا انتقالي فهو مساحة معلّقة بين ما انتهى وما لم يبدأ بعد. كما يتضمن مزيج من الفتور مع لون من القلق والتوتر، والانفصال عن الاتصال الحيوي بالعالم، والعجز عن الاندماج في الواقع المعاش، والأهم تلاشي القيمة والمعنى فتصبح الأفعال بلا جدوى. ويمكن تجميع كل ذلك في عبارة مكثفة وفقًا لماريوش فينكيلشتاين: الملل عاطفة انتقالية مؤقتة ومنفّرة، تجمع بين الفتور والقلق، وتنشأ عن انفصال الذهن عن التفاعل مع المحيط، لتعطّل الإحساس بالمعنى في اللحظة الراهنة.

أما المدونات التراثية فهي تكاد تتطابق في النظر إلى الملل بوصفه «فُتورٌ يَعرِضُ للْإنْسَان من كَثْرَة مُزاوَلَةِ شيءٍ فيُوجِبُ الكَلالَ والإعراضَ عَنهُ» كما في تعريفات الجرجاني (ت ٨١٦) ، وهو «يعرض بتكرّر الزّمان وضجر الحسّ ونزاع الطّبع إلى الجديد»، قالوا «وَهَذِهِ صِفَةُ الْإِنْسَانِ الْمَطْبُوعِ عَلَى طَبَائِعَ مُخْتَلِفَةَ وَأَوْصَافٍ».

وعند المقارنة يتضح أن تصور الملل في كثير من الأبحاث المعاصرة وفي التراث تتفق في كون الملل انفعال نفساني، وحالة مؤقتة وعابرة (تَعْرِض وتزول)، وتفضي إلى حدوث نوع من الانفصال بين الإنسان ومحيطه: حسّيًا في الرؤية التراثية، وذهنيًا في البحث الحديث. وفي المقابل يتركز اهتمام التصور التراثي على مسبب التكرار، ووصف ما يشعر به الإنسان عند الملل (فتور، ضجر)، بخلاف البحث الحديث الذي يركز على آلية الشعور. والتصور التراثي مهتم بالملل من جهة زيادة النشاط (فرط التكرار)، أما التصور الحديث فتغلب عنايته من جهة نقص النشاط (قلة التحفيز). أما البعد الوجودي؛ فهو غائب تمامًا عن التصور التراثي، لسبب واضح، حيث لا وجود لأزمة معنى شاملة. وسأعود بعد إلى مزيد من التحليل المقارن.

(4)

قد يكون من المستغرب أن الملل من أقل الانفعالات الشعورية تناولًا في الأبحاث والأكاديما الغربية في القرن العشرين، فوفقًا لقاعدة بيانات Web of Science لم يُنشر سوى 4,751 بحثًا عن الملل بين عامي 1864 و2020 مقارنةً بالخوف الذي حظي بـ 181,560 منشورًا، أو الغضب بـ 41,616 منشورًا في المدة نفسها!

ثم شهدنا تحولًا دراميًا لأبحاث الملل (انظر الرسم أدناه)؛ فبين عامي 1926 و1980، لم يكن تجاوز معدل النشر في علم نفس الملل ورقة بحثية واحدة سنويًا!، بينما في عام 2015 وحده نشر 326 مقالاً طبقًا لعدة قواعد بيانات.

رسم بياني تقريبي من إعدادي اعتمادًا على بيانات (Velasco, 2017)

وفي رصد أكثر شمولاً، كشف بعض الباحثين عن وجود ما يقارب على 2,900 دراسة أكاديمية متخصصة في الملل. ليس هذا فحسب، بل تصاعد الاحتفاء الأكاديمي بأبحاث الملل، فقد شهدت الاستشهادات العلمية حول “الملل” طفرة نوعية منذ عام 2010 تقريبًا فصاعدًا:

ويظهر الاستقراء هيمنة المقاربات النفسية الكمية المستندة إلى الاستبيانات بعد فحص قرابة 572 نصًا علميًا حملت كلمة “ملل” في عناوينها (شملت مقالات علمية، كتب، فصول كتب، أطروحات ماجستير ودكتوراه مكتوبة باللغتين الإنجليزية والبولندية)، أن قرابة 47% من هذه النتاجات تقع حصرياً ضمن نطاق علم النفس.

ومؤخرًا كثر الاهتمام، ففي عام 2015، انطلق «المؤتمر الدولي للدراسات البينية حول الملل» في جامعة وارسو، ويُعقد بشكل دوري، وقد نظمت دورته السادسة في 26 يونيو 2025. ومن هذا المؤتمر نشأت «شبكة دراسات الملل»، وهي شبكة تجمع الباحثين المتخصصين في هذا المجال. وفي عام 2021، تأسست «الجمعية الدولية لدراسات الملل»، تلاها في عام 2023 إطلاق «مجلة دراسات الملل»، ما يشير إلى ترسيخ هذا الحقل البحثي على المستويين المؤسساتي والنظري.

(5)

«بدأ الشعور بالملل يفشو فشوَ الوباء خلال أربعينيات القرن التاسع عشر. ويُقال إن الشاعر لامارتين كان أول من عبّر عن هذا الداء. وقد لعب دورًا بارزًا في حكاية قصيرة عن المهرّج الشهير ديبورو. في أحد الأيام، استشار مريضٌ أحد أشهر أطباء الأعصاب في باريس. كان يشكو من مرض العصر المعتاد: الضجر من الحياة، كآبة عميقة، ملل قاتل. بعد فحص شامل، قال له الطبيب: “أنت لا تعاني من شيء عضوي. فقط حاول الاسترخاء. ابحث عن شيء يسلّيك. اذهب وشاهد ديبورو ذات مساء، وستبدو لك الحياة مختلفة.” فأجابه المريض بهدوء: “آه، يا سيدي العزيز… أنا هو ديبورو!”».

هكذا كتب فالتر بنيامين في ملاحظاته في ثلاثينيات القرن العشرين، والسؤال الذي لا بد أن يخطر لك ما السرّ في تحوّل الملالة إلى وباء -وفق تعبيره- في هذه الحقبة؟ وهل هذا صحيح أصلًا؟ أليس الملل وباء مزمن وقديم في الناس؟

عند فحص أبرز الأدبيات الغربية المكتوبة بالانجليزية عن الملل سنرى بوضوح نوعًا من الاتفاق الواسع على أن الملل -كما نعرفه الآن- لم يكن حاضرًا طوال التاريخ البشري، أو أنه كان ينظر له بنحوٍ مختلف جوهريًا. ومن أشهر من أشاع هذا الرأي راينهارد كوهن (ت1980) في دراسته الكلاسيكية الشهيرة عن الملالة في الأدب الغربي؛ والتي ذهب فيها إلى أن الملل هو الهاجس المهيمن والمتغلغل في نسيج أدب القرن العشرين، وباتريشيا ماير سباكس (ت2023) في أطروحتها المعروفة «الملل: التاريخ الأدبي لحالة ذهنية» الصادرة عام 1995، وكذلك إليزابيث غودستين في دراستها: «تجربة بلا صفات: الملل والحداثة» الصادرة عام 2005، والأنثروبولوجية الاسترالية ياسمين موشارباش في دراستها المعروفة عن الملل وزمن الحداثة المنشورة عام 2007، ومؤخرًا الباحث الكندي بيتر توهي في كتابه عن تاريخ الملل الصادر عام 2011، وآخرين.

وكل هؤلاء يذهبون إلى القول بأن مفهوم «الملل» ودلالاته الاجتماعية والثقافية لم يكن موجودًا في الأزمنة السابقة كما نعرفه اليوم، بل هو «اختراع» حديث نسبيًا، نتيجة للتغيرات الطارئة على فهم الناس لذواتهم والزمن والحياة اليومية. نعم، ربما شعر القدامى بما يشبه الملل لكن الطريقة التي نفكر بها فيه، ونمنحه بها اسمًا ومعنىً اجتماعيًا؛ حديثة جوهريًا، فالاختراع هنا رمزي–خطابي/ثقافي، لا بيولوجي أو نفساني. وهذا «الاختراع» شاع في القرن الثامن عشر مع صعود الحداثة والتنوير، وبلغ أوجه في القرن العشرين، أو كما يعبّر الفيلسوف والناقد لويس مومفورد (ت1990) إننا قد بلغنا «ذروة الملل الكوني في عصرنا الحالي!».

ترتكز الأطروحة القائلة بأن الملل بناءٌ اجتماعي متأخر وظاهرة حداثية على جملة محاججات، من أبرزها:

الأولى: الحجة اللغوية، فمفردة «الملل boredom» لم تظهر في الإنجليزية إلا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، حيث سُجّل الفعل to bore عام 1768، والاسم a bore عام 1778، تقول سباكس: «إن كان الناس يشعرون بالملل قبل القرن الثامن عشر، فإنهم لم يكونوا يعرفون ذلك بعد». في الواقع كان الناس قبل ذلك سيستعملون تعبيرات مثل ennui الفرنسية أو spleen (يعني في الأصل اليوناني الطحال، وهو العضو الذي ينقي الدم، فإذا تعطل فاضت السوداء، وحصل اعتلال المزاج، أو المالنخوليا/الكآبة، كما في تصورّ نظرية الأخلاط القديمة)، فمثلًا في عام 1841 كتب رالف والدو إيمرسون (ت 1882) أن مصطلح الضجر الفرنسي ennui لا يوجد له مرادف لدى الساكسونيون، وفي مقالة نُشرت في أواخر القرن الثامن عشر، هنّأ أحد الكُتّاب اللغة الإنجليزية على عدم امتلاكها كلمة تعادل الفرنسية ennui.

إذًا، وفق هؤلاء كان مفهوم «الملل» المعاصر غائبًا طوال التاريخ الإنساني القديم، أو أنه كان متصورًا بنحو مغاير عما نعهده، ومما يشهد لذلك أيضًا، أن القرن الثامن عشر والتاسع عشر -كما يبيّن اللغوي الإنجليزي البارز لوغان سميث (ت1946) شهد ظهورًا لمفردات تزامنت مع هذا «الاختراع»؛ مثل «شائق/لافت/مثير للاهتمام interesting»، و«مشوق/حماسي exciting»، والتي يبدو أنها كانت ضرورية للتعبيرات عن أنماط ملحّة من الحالات الشعورية والانطباعات النفسانية التي أخذت بالتزايد منذ ذلك الحين، وقد بدأ استخدامهما في الفترة نفسها تقريبًا، وارتفع تكرارهما معًا بوتيرة متقاربة.

ويشير المؤرخ الثقافي رايموند هنري ويليامز (ت 1988) إلى أن Interest شهدت انزياحًا دلاليًا من السياقات القانونية والمالية حيث كانت تعني: حقّ أو مصلحة مادية كملكية أو دَيْن، ومع منتصف القرن الثامن عشر، أضحت تعني الفضول أو الانتباه الشخصي، واستقرت على ذلك في القرن التاسع عشر على معناها السائد اليوم، وكما تلاحظ انتقلت الدلالة بوضوح من حيّز الماديات (الموضوعية) إلى فضاء المشاعر (الذاتية)، وهكذا ظهر «المثير للاهتمام» بوصفه النقيض المباشر للملل، فـ«ما اللافت/المثير للاهتمام interesting ؟» الجواب: هو ما لا يُشعرك بالملل، و«ما الممل Boring؟» الجواب: هو الخالي عن أي إثارة للاهتمام، ومنزوع الحماسة والتشويق.

وهذا التحول اللغوي يعكس انتقال الثقافة إلى الوعي الذاتي والانفعال الفردي، فقد تزايد وصف الذوات والشخصيات والأنشطة والأفكار من خلال علاقتها بالإملال/ الإثارة: «مثير»، «ممل»، «شائق»، «ممتع»…الخ. ولذا يلاحظ لورانس غروسبرغ «ميلاً متزايدًا لدى الشباب لوصف رغباتهم وتحولات حياتهم ليس باعتبارها ازديادًا في اللذة أو الإثارة، بل باعتبارها انخفاضًا في الملل»، وفي العقود الأخيرة كما تكشف البيانات التي استخرجتها من Google Books Ngram (تعتمد على تحليل تكرار الكلمات في ملايين الكتب) نرى تزامنًا ملحوظًا في استعمال مفردتي الملل boredom ونقضيه المثير interesting، كما تلاحظ هنا:

حسنًا، تبدو هذه الحجة -مع دلالاتها المهمة- لا يعول عليها كثيرًا، فغياب المفردة لا يعني غياب المفهوم أو التجربة الشعورية ذاتها، فكما لم تظهر كلمة «هزيمة defeat» في الإنجليزية بمعناها العسكري إلا في القرن السادس عشر رغم معرفة الإنجليز للهزيمة منذ قرون، كذلك يقال إن الملل وُجد قبل أن يُصاغ له اسم محدد، وكذلك لا يقال إن الفراعنة لم يصابوا بالسرطان أو السكري لغياب كلمة «سرطان» أو «سكري». يعلّق الناقد البولندي ميشال ماركوفسكي ساخرًا من هذه الفكرة: «ربما شعر البشر بالملل دائماً، ولكن الملل كظاهرة ثقافية لم يولد إلا عندما بدأ المملّون يكتبون نصوصًا مملّة عن الملل!». آمل، طبعًا، ألا تكون هذه التدوينة منها. ولا شك أن كل البشر في كل العصور شعروا وجدانيًا بالملل بصرف النظر عن وجود مفردة لغوية تعبّر عنه.

(6)

والحجة الثانية على أن الملل بناءٌ اجتماعي متأخر وظاهرة حداثية؛ الارتباط البنيوي بين الحداثة والملل، وهي حجة أهم وأقوى من التي قبلها، ويظهر ذلك بجلاء عند رصد التزامن المثير بين التحولات الاجتماعية والتاريخية الكبرى ونشوء ظاهرة الملل وتجذرها، وحين تناول عالم الاجتماع البولندي ماريوسز فينكيليشستاين (رئيس تحرير مجلة دراسات الملل، ومؤسس المؤتمر الدولي حول الملل) الحضور الطاغي للملل في شتّى مجالات الحياة زمن الحداثة المتأخرة، كتب: «إننا نعيش اليوم في مجتمع الملل society of boredom».

وهذا باب واسع في التحليل والنظر، ولكني سأركز النقاش لفهم كيف أنتجت الحداثة الملل في خمسة محاور كبرى:

الأول: صعود الرأسمالية والاستهلاك: شكّل بزوغ الرأسمالية الأوروبية حدثًا ثوريًا في التاريخ الحديث، إذ تلاشت تدريجيًا أنماط «اقتصاد المعاش اليومي» التي كانت تضبط الإيقاع المعيشي وفق حاجات الكفاف، لتزدهر آليات «اقتصاد السوق» المفتوح والقائم على التدفق والتجديد الدائم، والتراكم المزمن للسلع والرغبات. يكتب الفيلسوف الإيطالي جياني فاتيمو (ت2023) في «نهاية الحداثة»:

«لقد بات التجديد المستمر (للملابس والأدوات والمباني) في مجتمع الاستهلاك ضرورة حيوية لصمود النظام فحسب؛ فالجديد ليس ثوريًا أو تقويضيًا بأي حال؛ بل هو، في واقع الأمر، ما يسمح للأشياء بأن تبقى كما هي!».

وبسبب هذه الأهمية الحاسمة للإبقاء على ازدهار الرأسمالية الاستهلاكية أعاد النظام تشكيل العلاقة بين الإنسان وبيئته الخارجية، وخلق نوعًا جديدًا من البشر: «الإنسان المستهلِك homo consumens»، الذي يُصاغ وعيه ليكون هشّ الإرادة، مندفعًا بوهج الرغبات، ومستلبًا لملاحقة «الجديد»، ومدمنًا على التغيير الدائم والمحفزات الخارجية.

إن الملل هو المزاج البنيوي الذي يقوم عليه النظام الاستهلاكي؛ فهو المحرّك الذي يُنتج الرغبة ويعيد إنتاجها باستمرار؛ فالملل عدوّ المستهلك، لكنه في الوقت نفسه حليفٌ لا غنى عنه للمعلنين والمنتجين، لأنه يضمن أن الحاجة إلى الجديد لن تنفد أبدًا. ويظهر التحليل أن الخطاب الإعلاني المعاصر يتعمد تصوير ‘الملل’ بوصفه العدو اللدود للحياة الرغيدة، ويطرح الاستهلاك ترياقاً وحيداً له، فهناك ثلاث أفكار مهيمنة تتجلى في هذه الصور الدعائية: الملل عقبة أمام السعادة الفردية، والاستهلاك يقدّمان العلاج، والشراء ينقل الحياة من رتابة الملالة إلى وهج التشويق والإثارة.

ولأجل تكريس الملل في الثقافة الرأسمالية كان لا بد من تعظيم الرغبات المصطنعة وجعلها حاجات طبيعية أو ضرورية، وقبل عقود نبّه إميل سيوران «لو رضي الناس بالاكتفاء بما هو ضروري حقًا، لانهارت الحضارة، أي النظام الرأسمالي، على الفور!»، ومن ثمّ فإن تصنيع الرغبات أضحى أكثر أهمية من تصنيع المنتجات نفسها، ولذا يشير إريك كلارك، في كتابه «صنّاع الرغبات The Want Makers» الصادر عام 1989 أن نجاح الحملات الإعلانية الكبرى يقاس بقدرتها على تضخيم الرغبات واختلاق الحاجات، وقد قيل: «فن البيع يقوم أولًا وقبل كل شيء على معرفة كيفية تصنيع الرغبة، حتى وإن لم تكن الحاجة حقيقية؛ أي على إنتاج شعور بالنقص في حياة الإنسان».

وتتفاقم هذه النوازع المسرفة نحو الإثارة والتجديد عبر تأكيد إدمان التحفيز واللذة المثيرة والجدّة وإضعاف القدرة على تحمّل الملل، الذي يُعدّ شكلًا من أشكال “الرغبة في الرغبة”، بلا موضوع محدد، مما يجعل المرء فريسة سهلة للإغراء، وبهذا تنشأ فرصة سانحة لتوجيه تلك الرغبة الغامضة نحو أي تجسيد مادي (منتج، أكلة، ملابس..الخ)، ثم لا يلبث أن يفشل في إشباعها نظرًا لطبيعتها غير المحددة، لينتقل إلى غيرها، وهكذا.

وأيضًا فإن الثقافة الرأسمالية تنشر أنواعًا من توقّعات مرتفعة ونزعة دائمة للحلم بالمزيد، فالملل شعور بالعجز والفراغ الناتج عن خيبة التوقعات، وهو انعكاس لفجوة بين الواقع الاجتماعي وتصورات المرء المصنوعة ثقافيًا وإعلاميًا، ويلاحظ فينكيليشستاين أن مجتمعات الصيد وجمع الثمار القديمة لم تعرف الملل، لأنها لم تعرف مفهوم «التحسن المستمر»، فـ«الإنسان البدائي كان يتوقع القليل ويرضى به»؛ وإنما بدأ الملل بالظهور مع مجتمعات الزراعة والاستقرار، حين نشأت الطموحات وتزايدت التوقعات، وبرزت التراتبية، واشتدت المنافسة الاجتماعية.

ثم تفاقم الأمر في المجتمعات الحديثة بتأثيرات الرأسمالية الاستهلاكية حيث تشيع التوقعات المبالغ فيها -في عالم يفيض بالصور والتمثيلات الإعلامية اللامعة- عن ما يمكن أن تقدمه الحياة للمرء من ملاذّ وإشباعات وإثارة، كتب برتراند راسل في ثلاثينيات القرن الماضي -في ملاحظة ذكية- أن «كل خادمة باتت تتوقع جرعة من الإثارة مرة واحدة في الأسبوع على الأقل؛ توازي ما كانت تعيشه بطلات روايات جين أوستن طوال رواية كاملة!»، وما يزال هذا القول صادقًا حتى اليوم، وهكذا تتولّد رغبات فردية لا يمكن إشباعها، فيتحول الواقع دومًا إلى خيبة أمل، ومع تكرار خيبة الأمل، يتسلّل الشعور بالملل إلى تفاصيل الحياة اليومية.

الثاني: الفردنة: إن تراجع التزام الأفراد في الحداثة المتأخرة بالأطر التقليدية في تشكيل الهوية وتوجيه اختيارات الحياة، بحيث تحوّلت الذوات في الثقافة الغربية الحديثة إلى «مشروعات شخصية» تُصاغ بنوع من الاستقلال الذاتي، من غير اعتماد ضروري أو حتمي على الأسرة أو الدين أو الطبقة أو المجتمع. هذا التحوّل الجذري منح الحياة الفردية مركزية غير مسبوقة، وضاعف من قيمة التجربة اليومية، غير أن هذه المركزية نفسها فاقمت من النزعة إلى التأمل الذاتي والاستبطان المفرط، وجعلت العادي واليومي والروتيني مرئيًا ومكشوفًا على نحو لم يكن مألوفًا من قبل، فصار الفرد يقيس تجاربه ويفحص مشاعره باستمرار، وهذا -كما ترى باتريشيا سباكس- وفّر المناخ الملائم لبروز الملل بوصفه فئة معرفية جديدة تعبّر عن وعي الذات بحياتها اليومية؛ لأن «الحياة الباطنية [حين تصبح] محطّ اهتمام، تتجلى نقائصها بوضوح، ويبرز الملل كمؤشر شامل على هذا النقص».

وقد التقط الفيلسوف ألاسدير ماكنتاير (ت 2025) هذا التغيّر ببراعة في كتابه ما بعد الفضيلة، وقال إن «أولئك الذين لا يرونَ في العالمِ الاجتماعيّ سوى ملتقىً للإراداتِ الفرديّة، لكلٍّ منهم رؤاه وتفضيلاتُه الخاصة؛ أولئك الذين لا يفهمونَ هذا العالمَ إلا بوصفه مضمارًا لتحقيقِ مآربهم الذاتية، ويُفسّرونَ الواقعَ كسلسلةٍ من الفُرَصِ السانحةِ لِنيْلِ متَعِهم الخاصة، سيُغدو “الملل” بالنسبةِ إليهم العدوَّ الأخير!». ومن جهة ثانية، فيمكن اعتبار النرجسية هي الوصف التشخيصي الأنسب لبعض مظاهر الفردنة، وقد رصدت الدراسات الجديدة الارتباط الوثيق بين النرجسية (الانشغال المفرط بالذات والحاجة المستمرة للإعجاب) والشعور بالملل؛ وذلك (أولًا) بسبب الارتهان للتحفيز الخارجي؛ فعند تلاشي الإعجاب ولفت الانتباه والاهتمام من الآخرين يختفي شعور النرجسي بالمعنى ويظهر الملل كفراغ داخلي. و(ثانيًا) بسبب هُوّة التوقعات غير الواقعية؛ حيث يعيشُ النرجسيّ حالةً من الاغترابِ بين “أنا” مُتخيلةٍ مثاليةِ وبين واقعٍ عاجزٍ عن مضاهاةِ ذلك السموّ الوهْميّ، وهو ما يولّد إحباطًا عميقًا وقلقًا دائمًا يُعبّر عن نفسه بالسآمة من المتاح. و(ثالثًا) بسبب سرعة فقد الاهتمام؛ فبعد ظفره بلحظة الإعجاب سرعان ما يستنزف الإثارةِ المصاحبة لها، لأن غايته تحققت، وما يلبث حتى يشرع في ملاحقة نيل إعجاب/ إثارة جديدة.

الثالث: التنظيم والعقلنة البيروقراطية: يرى العديد من النقاد أن الملل الحديث تولّد جزئيًا عن تجربة الإنسان للزمان والمكان داخل أنظمة الحداثة، حيث أصبح الزمن والمكان أدوات ضبط وتنظيم، وتلاشت الحركة والزمانية الحرة في المجتمعات التقليدية، فمنذ اختراع الساعة الميكانيكية في القرن الرابع عشر، بدأ الزمن يُقاس بوحدات متجانسة (الساعات، الدقائق، الثواني)، مما أدى إلى فصل الزمن عن تدفقه العفوي، وقطعه عن الإيقاع الطبيعي للحياة اليومية، وقد تجذّر هذا التجريد مع الثورة الصناعية، فتحول الزمن إلى مورد اقتصادي، وأُخضع للتنظيم البيروقراطي في المصنع والمدرسة والمكتب، وعندما تُفرّغ التجربة الزمنية من معناها وتُختزل إلى وحدات إنتاجية صارمة، يشعر المرء بأن الوقت أصبح “وعاءً فارغًا” يثقل كاهله الوجودي.

لقد أحدثت الثورة الصناعية شرخًا عميقًا في بنية الحياة الإنسانية حين فصلت بحدة بين “وقت العمل” و”وقت الفراغ”، وهو تقسيم لم يكن معهودًا في العصور السابقة؛ حيث كانت الحياة تنساب في دورة عضوية واحدة يمتزج فيها الجهد بالراحة، والعمل بالفراغ، ففي المجتمعات الزراعية القديمة، «لم يكن العمل زمناً مفصولاً عن الذات، وكانت العائلة هي المركز والمصدر لكل شيء؛ فكل المهام الحيوية كانت تُنجز داخل محيط الأسرة، ولم يكن العمل وظيفة فحسب، بل كان سلسلة متصلة من الأنشطة المنطقية ذات النتائج الملموسة: من حلب الأبقار عند الفجر، والزراعة والحصاد، وصولاً إلى جمع الثلج في الشتاء ليدوم حتى الصيف. وكان لكل جهد غاية مباشرة يشعر بها الجميع، مما جعل العمل جزءاً أصيلاً من نسيج الحياة لا عبئاً منفصلاً عنها»، أما في العمل تحت سلطة جداول العمل الرتيبة للمصانع والمكاتب، فهو يُفرض انضباطًا ميكانيكيًا جامدًا وموحّدًا يحوّل الفرد إلى ترس في آلة لا يتحكم بها.

وكما نُمّط الزمن، كذلك فعلت الحداثة الرأسمالية بالمكان، فالعمارة الحديثة بتصميماتها المعيارية أنتجت فضاءات متشابهة فالمدن الكبرى اليوم تتشابه في مراكزها التجارية ومطاراتها ومطاعمها وشواطئها، حتى بدا العالم نسخة واحدة مكرورة: من باريس إلى دبي مرورًا بطوكيو وصولًا إلى تنزانيا، الفنادق ذاتها، والوجبات لا تتغير، والفعاليات مستنسخة، والإعلانات نفسها (يصف البعض هذه الظاهرة بـ«اللامكان Placelessness»)، فذهب كثيرًا من أصالة السفر والسياحة ومعناها!

وهكذا يعيش المرء اليوم تحت وطأة نظام مغلق يفرض عليه إيقاعًا زمنيًا موحدًا ومكانًا معياريًا متكررًا، ومن ثمّ فالملل نتيجة يُفترض أن تكون غير مفاجئة في ظل هذا التواطؤ المريع بين الزمن المقولب Chronometric والمكان النمطي، فضلًا عن الحتمية السلطوية في هذا التواطؤ، وقد ثبت أن المرء ينتابه الملل حين يحرم التحكّم في أفعاله أو يُمنع من التعبير عن حاجاته، إذ يصعب عليه حينها إضفاء معنًى على ما يفعل، ولذلك فإن الإحساس المجرد بالتحكّم -أحيانًا- يدرئ الملل!

الرابع: الإثارات المفرطة: في نص متبصّر كتبه فرانسوا رينيه دي شاتوبريان عام 1802، وقد عاودت تأمله مرارًا لراهنيته العجيبة، حيث يقارن بين نمط الحياة اليومية في المجتمع القديمة وبدايات ظهور الإثارة في الحداثة الحضرية، وعلاقة كل ذلك بالسآمة:

«كلما أوغلتِ الشعوبُ في تمدّنها… يَحدُثُ حينذاك أمرٌ في غاية الأسى: فكثرةُ الوقائع الماثلة أمام الأعين، ووفرةُ الكتب التي تتناولُ الإنسانَ ومشاربه، تجعلُ المرءَ حاذقًا دون ممارسة، وبصيرًا دون تجربة، فتراهُ قد انقشعت عنه الأوهامُ قبل أن يذوقَ اللذات؛ ولا يزالُ يسكنهُ التوق، لكنه فَقَدَ الخيال. خيالُه ثريٌ، فيّاضٌ، وبديع؛ أما وجودُه ففقيرٌ، جافٌ، ومسلوبُ السحر. يسكنُ بقلبٍ ممتلئٍ عالمًا فارغًا؛ ودون أن يكون قد استهلكَ شيئًا، تراهُ قد سَئِمَ كلَّ شيء… لم يعرفِ الأقدمونَ هذا القلقَ الخفيَّ إلا لماماً، ولا تلك الحِدّةَ في الأهواء المكبوتة التي تختمرُ جَميعُها في آنٍ واحد؛ فقد كانت الحياةُ السياسيةُ العظيمة، ومبارياتُ الملاعبِ الرياضية وميادين القتال، وشؤونُ المحافل والساحات العامة، تملأُ كلَّ لحظاتهم، ولا تتركُ مساحةً لسأم القلوب».

ما يطرحه شاتوبريان في أوائل القرن التاسع عشر أعاد تقديمه بصورة منهجية عالم الاجتماع الأمريكي أورين إدغار كلابّ (ت1997) في منتصف الثمانينيات، حيث رأى أن الملل، كما نختبره اليوم، إنما هو نتيجة التعرّض للدفق الهائل من المحفّزات الحسّية، لا بسبب ضعف الإثارة، فلم يعد المرء قادرًا على الانخراط في هذه المحفزات والتفاعل العميق معها وما تحمله من معاني، فيشرع بخفض حدّة شعوره وإضعاف حساسياته طوعيًا للحفاظ على سكينته الباطنية واستقراره الداخلي، مما يفضى به -في النهاية- إلى الانفصال عن موقع الانخراط التجربة المباشرة والتراجع إلى فضاء المراقبة البليدة والباردة، وهكذا يصبح المكان مناسبًا تمامًا لاستضافة بالملل بعد الانفصال عن الواقع. (حتى الجنس مع طابعه الفطري المثير أصبح اليوم -في سياقات كثيرة- مبتذلًا ومألوفًا إلى حدّ الملل نفسه بسبب شيوعه المفرط، كما تشير عالمة الاجتماع برناديت بارتون، بل اعتبر النفساني الأسترالي رونالد كونواي (ت2009) أن هذا العصر الأول الذي حوّل الجنسانية إلى شيء ممل للجميع!).

ثم إن هذه الوفرة من الإثارات الكثيفة تنتج ما يسميه مارك فيشر (ت2017) «اللذة الاكتئابية Depressive Hedonia»، حيث لاحظ على الجيل الشبابي في الجامعات أنهم يعانون من حالة من التبلّد والخمول وفقد الحيوية والمعنى، ولكنهم مع ذلك يستهلكون الملاذ والمتع السريعة بشراهة إدمانية: تصفّح لا نهائي لوسائل التواصل، أو مشاهدة مستمرة للمحتوى الترفيهي، أو الاستهلاك المتكرر للمنتجات، فهم لا يعانون -كما في التشخيص التقليدي للاكتئاب- من «العجز عن الشعور بالمتعة، بل هم عاجزون عن فعل أي شيء سوى البحث عنها!»، ولذا فالملل في الحقيقة «عرضٌ مزمن لعصرٍ مهووس بالمتعة. فعندما تُصبح المتعة الهدف الأسمى، تكون النتيجة، على نحو ساخر، هي الملل ذاته».

وقد زعم بعضهم أن الأجهزة الذكية قضت تقريبًا على الملل، ولا شك أن الواقع الافتراضي يقدم إثارة هائلة وغير مسبوقة، كما كتب جوناثان كراري: «بسبب الوفرة اللانهائية للمحتوى على مدار 24 ساعة سيوجد دائمًا على الانترنت شيء أكثر فائدة، أو إدهاشًا، أو تسليةً، أو جاذبيةً؛ من أي شيء آخر في واقع المرء ومحيطه المباشر. فمن البداهات الآن أن الوفرة غير المحدودة للمعلومات والصور يمكنها أن تتفوق على أي تواصل بشري واقعي، أو تدارس للأفكار وتلغيه!»، ومع ذلك، فإن الواقع الافتراضي وإن نجح -جزئيًا- في تقليل الشعور بالملل السطحي (العابر)، إلا أنه عمّق من الشعور بالملل العميق (الخواء، اللامعنى)، فمنح الإنسان محفزات شديدة لكنه سلب منه التركيز والانتباه، حتى للمتعة، وتكون المحصّلة أن يبقى المرء عالقًا في دائرة مغلقة من التشيت الذاتي الدائم؛ ولذا بالنسبة لكثيرين «يكمن الرعب في لحظة الإدراك القاسية: ألّا يبقى شيء نلهي به أنفسنا [كلحظة فراغ الشحن/الكهرباء/انتهاء الباقة]، ولا وسيلة لمواصلة تلك الحلقة المفرغة من التشتّت: أن نُشتّت أنفسنا عن التشتّت، بالتشتّت ذاته!».

ثم في نهاية المطاف -وبسبب أنظمة التخصيص والضعف البنيوي البشري- لابد من الملل؛ كتب الناقد الأكاديمي دومينيك بيتمان في كتابه “تشتت لا متناهي”: «في أيامنا هذه… لا تخطو في النهر الرقمي مرتين؛ ومع ذلك، يظل النهر الرقمي مألوفاً برتابةٍ مملة!».

الخامس: نزع القداسة وانهيار المعنى: لقد حاججت الفيلسوفة إليزابيث غودشتاين في أطروحة بارعة بعنوان: «تجربة بلا صفات: الملل والحداثة»، في تناص واضح مع عنوان رواية روبرت موزيل «رجل بلا صفات»، حيث وصف به الفرد الحديث الذي فقد صفاته الجوهرية؛ كالهوية، والقيم، والمشاعر الأصيلة في مجتمع عقلاني، وبيروقراطي، أما غودشتاين فتطور هذه الفكرة إلى مستوى أوسع: العالم الحديث كله أصبح بلا صفات؛ أي أن التجربة الإنسانية فيه فارغة من العمق، متشابهة، باهتة، سطحية، وتقول: إن الملل يُجسّد معضلة الذات الحديثة المستقلّة، حيث لم تعد الهوية تجد مرساها في نسيج المعنى المستمد من التاريخ والدين. وتقرر بوضوح أنه «إذا كانت العقلانية هي الأسطورة المُؤسِّسة للحداثة، فإن الملل، كتجربة يومية تُجسّد حالة الشكوكية العامة، يُشكّل واقعها الوجودي»، فالذات الحديثة ضحية التدمير التدريجي للسياقات التاريخية والثقافية والجمالية التي كانت تمنح الحياة معناها، وهنا يظهر الملل كأوضح تجسيد لهذا التدمير، وما ينتجه من حالة الانفصال التام بين الذات والفعل، أي بين الإنسان وتجربته، فالمرء يشعر وكأنه موجود، لكنه لا يعيش ما يحدث فعلاً، وهذه «التجربة الخالية من الصفات» تعبّر عن اختفاء المعنى من الحياة اليومية. ويؤكد ذلك جيلٌ من الكتّاب والرومانتيكيين من نوفاليس إلى بوخنر، ومن جان بول إلى بايرون وسانت-بوف الذين عانوا ما سُمّي لاحقًا داء العصر (mal du siècle)، أي أزمة المعنى في عالم فقد إيمانه بالإله، فقد كانت سآمتهم عرضًا مركزيًا لأزمة الرغبة في الذات الحديثة كما تقول غودشتاين؛ فمع غياب القيم المطلقة، فَقََدَ الفعل مبرّره، وفي أقصى الحالات، فقدت الحياة ذاتها معناها وجدواها.

ويقدم الأكاديمي اللاهوتي مايكل رابوزا تفسيرًا مقاربًا لأزمة الملل، فهو يراه أن الملل يعبّر في جوهره عن مشكلة تفسير؛ إذ تنبع من عجز الشخص المملول عن قراءة الإشارات أو تفسير المعلومات المحيطة به على أنها تحمل معنًى أو تثير اهتمامًا، ووفقًا لذلك فيمكن النظر إلى الملل بوصفه شكلاً من العمى الروحي؛ لا يقتصر على غياب الانتباه، بل يتعداه إلى العجز عن إدراك المعنى العميق، وخصوصًا المعنى الديني، الكامن في الأشياء والعلاقات والتجارب.

بل يمكن وصف الملل وفقًا للفيلسوف النرويجي لارس فريدريك سفيندسن «مجازًا بأنه انسحاب المعنى“»، وحين حاول السوسيولوجي فينكيلشتاين أن يحلل بعمق «جوهر الملل» توصّل -محقًا بلا ريب- إلى أن

«الشعور بانعدام المعنى هو الخاصية الأكثر مركزية وجوهرية في تجربة الملل».

(7)

ولا شك أن الملل خصلة إنسانية راسخة، وهي ترتبط بالوعي الذاتي والقدرة على التفكير في الزمن والمعنى، «بعض الناس يدّعون أنهم لم يشعروا بالملل قط. إنهم يكذبون. لا يمكن أن تكون إنسانًا دون أن تشعر بالملل في وقتٍ ما»، بل زعم سورين كيركغور (ت1855) أن «آدم شعر بالملل، لأنه كان وحيدًا، لذلك خلقت حواء. ومن تلك الحظة فصاعدًا دخل الملل إلى العالم!»، ولا أعرف من أين جاء بهذا الزعم. ورأى بليز باسكال (ت1662) أن الملل «سمة أساسية من سمات الإنسان بوصفه كائنًا عاقلاً».

وأجّل من كل ذلك وأعلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلا الْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾: روي عن عكرمة في معنى: «هلوعًا»؛ أنَّه قال: «ضجورًا»، قال ابن بطال (ت ٤٤٩) «لأنَّ الإنسانَ إذا مَسَّهُ الشَّرُّ ضَجِرَ به، ولَم يَصبِرْ مُحتَسِبًا… ألا تَرى أنَّ اللهَ تعالى قدِ استَثْنَى المُصَلِّينَ الَّذينَ هُمْ على صَلاتِهِم دائِمون، لا يَضْجَرونَ بتَكَرُّرِها عليهم، ولا يَمَلّون؛ لأنَّهُمْ مُحتَسِبُونَ لها»، ويقول ابن حزم: «الملل من الأخلاق المطبوعة في الإنسان»، وقال الحافظ مغلطاي (ت 762): «الإنسان إلى الملل أميَلْ، والتنقْل أشهى لقلبه وأمثَلْ»، وكل قارئ لكتب التراث لا بد وأن مرّ به اعتذار المصنفين عن الإطالة خوف الإملال، أو تسويغهم للتنقل والاستطراد -كصنيع الجاحظ- لدفع السأم عن القارئ.

وفي دراسة مهمة جرت 2017 جمعت بيانات أكثر من 3,800 شخص، عبر منهجية تتبع لحظي للمشاركين في حياتهم الطبيعية عبر تنبيهات هاتفية متكررة تسأل عن مشاعرهم في وقتها، وكانت النتيجة يشعر الأمريكيون بالملل في نحو 2.8٪ زمن الاستيقاظ اليومي؛ أي أن الإنسان يشعر بالملالة مدة 30 دقيقة يوميًا!.

ومن الملاحظات المتكررة في الأبحاث أن الملل أكثر شيوعًا بين الشباب، وغير المتزوجين، والأفراد ذوي الدخل المنخفض، كما أن الرجال -في المتوسط- أميل للشعور بالملل من النساء، وأسباب ذلك غير واضحة، وربما يعود السبب إلى تضافر مؤثرات هرمونية وإدراكية واجتماعية؛ فيميل الرجال للتركيز على النتائج، مما يجرّد الأنشطة الروتينية من قيمتها بمجرد غياب الإنجاز الملموس، بخلاف توجه النساء اللواتي يملن أكثر نحو النوازع الوجدانية التي تمنح الممارسة ذاتها دلالة مستمرة، ويتعزز هذا التباين بنمط التنشئة الاجتماعية الذي يربط الذكور بالإثارة والسيطرة، مقابل تكريس قيم التفاصيل والترابط الاجتماعي لدى الإناث، مما يرفع من عتبة المقاومة لديهن تجاه الركود. وتزعم بعض اطروحات علم النفس التطوري أن الملل آلية تكيفية دفعت الذكور تاريخيًا لاستكشاف بيئات جديدة، بينما تطورت القدرة الأنثوية على الاستغراق في المهام المتكررة كاستراتيجية بقاء تركز على الرعاية والاستقرار الاجتماعي. وهو تفسير لا دليل عليه.

وإذا ثبتت فطرية الملل، وكونه من طبائع الإنسان الثابتة، فما الدافع إلى افتراض كون الملل اختراع ثقافي؟ يبدو أن الدافع سببه التركيز على أنماط الملل الوجودي المتطرفة، والتي لم تكن بالفعل شائعة في الأزمنة القديمة، وإن كان الملل يظهر في نصوص قديمة، كما نجده في سفر الجامعة (يرجّح أنه كتب تقريبًا 300–250 ق.م.) وكتابات سينيكا (ت 65م)، وفي شعر ما قبل الإسلام نماذج كثيرة لاستعمالات الملل، إلا أن القرون الثلاثة الأخيرة شهدت اتساعًا معتبرًا في نطاق الملل ليصبح تجربة إنسانية شائعة، تتجلى بأشكال متعددة وتتخذ تعبيرات أكثر ذاتية. إذًا، الجديد في الملل ليس الشعور نفسه، وإنما اتساع شيوعه بين الناس من جهة، ومن جهة أخرى تعمق بعض أشكال لتكون ملالة وجودية من الحياة برمتها، من غير هرم وكبر سن، ولا توالي مصائب، واجتماع بلايا، فليس حالهم كحال لبيد بن ربيعة (ت41) حين قال:

وَلقَد سَئِمتُ منَ الحَياةِ وطولِها … وسُؤالِ هذا النّاسِ كَيفَ لَبيدُ

ولا زهير بن أبي سلمى إذ أنشد:

سَئِمْتُ تَكَالِيْفَ الحَيَاةِ ومَنْ يَعِشْ … ثَمَانِينَ حَوْلًا لا أَبَا لكَ يَسْأَمِ

لا المعري لما ناح:

فقد عشتُ حتى ملّني ومللتُه           زماني وناجتني عيون التجاربِ

بل من فقر روحي، وتصحّر باطني، ووحشة عقائدية مظلمة.

 ومن جهة أخرى أيضًا فإن الجديد في الملل «أننا أصبحنا أقل استعدادًا لتحمّله مقارنة بأسلافنا»، كما كتب إستيل رامي في مقالة نشرتها هاربرز عام 1974؛ إما لأنه أعمق وجوديًا، أو لتفشّي الإدمان المروّع على ألوان الإثارات والتوقع الروتيني لورود المحفّزات الدائمة، بحيث تبدو معظم الأنشطة اليومية موقعًا محتملًا للملالة والسأم!

(8)

إن الاستعمال الكثيف -في الثقافة الأمريكية وما والاها على الأقل- لمفردات الإثارة والامتاع ونقضيها الإملال والسآمة يشير إلى تحوّل الملل من التصنيف الأخلاقي إلى التصنيف الجمالي (فضلًا عن فكرة أن للإنسان حقًا في ألّا يشعر بالملل جزءًا من ثقافة جودة الحياة، منذ ستينيات القرن العشرين وحتى الآن)؛ وأما في اللاهوت القديم، فقد كان يُنظر إلى أكيديا akēdeia بوصفها رذيلة أخلاقية، أو فتور وميل نفسي إلى الهروب من الواجب الروحي؛ بفعل وساوس الشيطان، ثم اعتبرت من “الخطايا السبع المميتة”، بعد أن جمعت مع الكسل. ثم في عصر التنوير وما بعده بدأ يُنظر إلى الملل بوصفه تجربة إنسانية ناتجة عن الفراغ وتلاشي المعنى، وهكذا انتقل مفهوم الملل من كونه خطيئة روحية إلى اعتباره نقصًا نفسانيًا، أو علة وجودية.

أما في المدونة التراثية الإسلامية فالملل «خلق مذموم، سواءً كان الملل من عمل الآخرة، أو من عمل الدنيا إذا كان فيه خير، أو من معاشرة من يلائمك، أو مما يلائمك من متاع، ونحوه» كما يكتب نجم الدين الغزي (ت1061)، وتتناقل كتب الأدب والأخلاق أنه «نُظر إلى عمرو بن العاص على بغلةٍ قد شمط وجهها هرمًا، فقيل له: أتركب هذه وأنت على أكرم ناخرةٍ بمصر فقال: لا ملل عندي لدابتي ما حملت رجلي، ولا لامرأتي ما أحسنت عشرتي، ولا لصديقي ما حفظ سري، إن الملل من كواذب الأخلاق». أي: المللُ يكذِبُ صاحبَهُ فلا يُبلِّغُهُ مطلوبَه، فليس هو من صادقِ الأخلاق كالصبرِ والعزم، كما أفاد الشيخ عبدالله الهدلق.

كما جعلوا الملل الشديد المتطرّف مما يستطرف، فتذكر كتب الأدب أن خالد بن صفوان «خطب امرأة من بني سعد فقال لها: أنا خالد بن صفوان، والحسب ما علمت، وكثرة المال على ما بلغك، وفيّ خصال أعلمك بها لتقدمي على معرفة: إنه لا سبيل إلى درهمي وديناري، وأنا ملول فربما أتت عليَّ ساعة لو أن رأسي في يدي لطرحته، فقالت: قد فهمت ما ذكرت وهذه خصال ما كانت لترضاها بعض بنات ابليس! فكيف بنات آدم؟ فارجع موفورًا». وفي رواية: إنه ليبلغ من مللي أن أتبرم بنفسي فأتمنى أن يؤخذ مني رأسي فلا يردّ إليّ إلا في كلّ أسبوع. وقال غيره: إنه ليبلغ من مللي أني أغيّر كلّ شهر كنيتي مرتين!

وتفاخر العرب بعدم الملل، فقال بعضهم:

ومن شيمي ألا أُفَارِقَ صَاحِبِي        وَإِنْ مَلَّنِي إِلَّا سَأَلْتُ لَهُ رُشْدَا

وحذروا من مصاحبة الملول:

فلا تصحبنْ مستطرِفاً ذا ملالةٍ … فليس على عهد يدوم ملولُ

وذموه، يقول ابن الرومي:

إذَا أَنْتَ عَاتَبْت الْمَلُولَ فَإِنَّمَا … تَخُطُّ عَلَى صُحُفٍ مِنْ الْمَاءِ أَحَرُفَا

وَهَبْهُ ارْعَوى بَعْدَ الْعِتَابِ أَلَمْ تَكُنْ … مَوَدَّتُهُ طَبْعًا فَصَارَتْ تَكَلُّفَا؟!

وكان للرّؤاسيّ امرأة من أهل النّيل، تزوّجها بالكوفة، وانتقلت من النّيل، وشرطت عليه أنها تلمّ بأهلها في كلّ مدّة؛ فكانت لا تقيم عنده إلّا القليل؛ ثم يحتاج إلى إخراجها وردّها، فملّ ذلك منها وفارقها. وقال:

بانت بمن تهوى حمول … فأسغت في أثر الحمولْ

ملّت وأبدت جفوة … لا تركننّ إلى ملولْ

وانزعجوا من ملالة المحبوبات:

فإنْ تشبَعِي منَّا وتروَيْ ملالةً … فنحنُ وبيتِ اللهِ أروَى وأشبعُ

وإنْ تنقضِي العهدَ الَّذي كانَ بينَنا … فنحنُ لمَا ضيَّعتِ أنسَى وأضيعُ!

قال جمال الدين ابن نباتة:

وملولة في الحبّ لما أن رأتْ … أثر السقام بجسمي المنهاضِ

قالت تغيّرنا؟ فقلت لها: نعم … أنا بالسقام وأنت بالإعراضِ!

وقال العباس بن الأحنف:

لو كنتِ عاتبةً لسكَّنَ عبرَتِي … أملِي رضاكِ وزرتُ غيرَ مُراقبِ

لكنْ مللتِ فلمْ تكنْ لي حيلةٌ … صدُّ الملولِ خلافُ صدِّ العاتبِ!

وقال الحسين بن الضحاك:

أيا منْ سروري به شقوةٌ … ومن صفوُ عيشي بهِ أكدرُ

تجنَّيْتَ تطلبُ لمَّا مللْتَ … عليَّ الذُّنوبَ ولا تقدرُ

وتلطفوا في عتابه، كما فعل ابن الجهم:

مَا أَخطأ الوَردُ مِنكَ شَيئًا … طِيبًا وحُسنًا وَلَا مَلَالَا

أَقَامَ حَتَّى إِذَا أَنِسْنَا … بِقُرْبِهِ أَسْرَعَ ارْتِحَالَا !

كما أن بعضهم لم يتورع عن الاعتراف بالملل:

فلا هَجْر القلَى هَجَرتْك نَفْسِي                      ولا هَجَرتْك هِجْران الدَّلَالِ

ولكن المَلَال سَمَا إليها                   فَعَادَتْ بالصُّدُودِ من المَلالِ

وشَيَّعَنِي على الهِجْرَان أَنّي                           رأيتُك حِين أَغْضَبُ لا تُبَالِي

ومع كل ذلك؛ فإن الشريعة والأخلاق المنبثقة عنها لم تسع إلى استئصال الملل (كما في طقوس بعض العقائد الغنوصية الشرقية)، وفي المقابل لم تحتف به (كما هو مذهب بعض الوجوديين)، بل سعت إلى ترويضه وتهذيبه. ويتأسس مفهوم الملل في التراث الإسلامي على علاقته بالفعل ومآلاته؛ فهو يرتبط في التداول التراثي/الأخلاقي بفتور العزيمة عن الاستمرار، أو ترك الالتزام بالمداومة، أو انقطاع النفس عن العمل، فمع ورود الانزعاج النفسي من الملالة في السياقات التراثية، إلا أن التركيز الأكبر يظل منصبًا على “الملل العملي” الذي يعيق ديمومة التعبّد؛ ففي حديث عائشة أم المؤمنين أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا وعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: مَن هذِه؟ قَالَتْ: فُلَانَةُ، تَذْكُرُ مِن صَلَاتِهَا، فقَالَ: «مَهْ، علَيْكُم بما تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لا يَمَلُّ اللَّهُ حتَّى تَمَلُّوا»، أي: لا يترك الثواب على العمل ما لم تتركوا العمَل، فالملالة مفسدة لجوهر التعبّد وغايته، يقول العلامة الشاه ولي الله الدهلوي (ت ١١٧٦): «أدوأ الدَّاء فِي الطَّاعَات ملال النَّفس، فَإِنَّهَا إِذا ملّت لم تنتبه لصفة الْخُشُوع، وَكَانَت تِلْكَ المشاق خَالِيَة عَن معنى الْعِبَادَة».

والتركيز على إفضاء الملل للانقطاع عن الفعل يتسق مع معنى الزمن في القرآن ودلالاته، فهو ظرف للكدح الدائم والابتلاء، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) ومن هذا المنظور، الملل ليس انقطاعًا زمنيًا بل تعثّر في مسار الكدح، أي تعطيل لحركة المعنى داخل الزمن، وهذا بالتحديد ما يُقوّض مفهوم «الملل الوجودي» جملةً، ففي الفلسفات الوجودية يُفهم الملل كفراغٍ في الزمن، أما في الرؤية الإسلامية فالزمن لا يفرغ أبدًا، لأن كل لحظة محمولة على غاية كاملة ومعنى مستقرّ.

وهذا يعني ضرورة رعاية المكلّف لدفع السآمة عن أعماله الصالحة، خشية الانقطاع، بل الشارع راعى هذا الطبع البشري الراسخ، وقد «كانَ عبدُ اللَّهِ بن مسعود يُذَكِّرُ النّاسَ في كُلِّ خَمِيسٍ فقالَ له رَجُلٌ: يا أبا عبدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أنَّكَ ذَكَّرْتَنا كُلَّ يَومٍ؟ قالَ: أما إنَّه يَمْنَعُنِي مِن ذلكَ أنِّي أكْرَهُ أنْ أُمِلَّكُمْ، وإنِّي أتَخَوَّلُكُمْ بالمَوْعِظَةِ، كما كانَ النبيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنا بها، مَخافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنا»، فالوعظ والتذكير بحقائق الديانة من الأعمال الجليلة، ومع ذلك لا تكون في كل وقت ولا تتوالى وتكثر فيضعف الانتفاع بها أو تنفر عنها النفوس.

بل ذكر بعض العلماء أن من حكمة الله تعالى في نسخ الأحكام وتغييرها في الشرائع المختلفة؛ «أَنَّ الْخَلْقَ طُبِعُوا عَلَى الْمَلَالَةِ مِنْ الشَّيْءِ، فَوَضَعَ فِي كُلِّ عَصْرٍ شَرِيعَةً جَدِيدَةً لِيَنْشَطُوا فِي أَدَائِهَا»، كما أشار الزركشي في بحره. وكذلك الحال في مفصّل العبادات في شريعة الإسلام، كالتنويع بين الصلاة والذكر والقرآن والدعاء والصدقات والإحسان، والتنويع في أذكار الصلاة (كالاستفتاح والتسبيحات)، وفي نحو ذلك، وهذا التنويع -كما يقول الشيخ أحمد زرّوق (ت899)- هو من جهة: «حجّة على الكسلان؛ إذ لا عذر له في ترك العبادة مع تنوّع سُبلها وسهولة أبوابها»، ومن جهة ثانية «رحمةً بالمتوجّه؛ ليجد راحةً وانتقالًا من لونٍ إلى آخر، فيبقى نشِط القلب حاضر الهمة»، ومن جهة ثالثة «كرامةً المحقق؛ إذ يستفيد من كل نوع نورًا ليس في غيره».

وقد لاحظ الفقهاء رحمهم الله تعالى هذا المعنى واعتبروه في كثير من تصرفاتهم، وحرصوا على مراعاة سآمة المكلف، وقد اجتمع لي بعد البحث جملة من المسائل التي علل بها الفقهاء حكمًا بكونه لدفع السأم أو الضجر عن المكلف، فقالوا «يُكْرَهُ إِطَالَةُ الْعِيَادَةِ، لِمَا فِيهَا مِنْ إِضْجَارِ الْمَرِيضِ»، وكرهوا إطالة صلاة العشاء لأن الناس كانوا ينامون بعدها، «ففي إطالتها إضجار للناس وإملال لهم»، وكذا كرهوا إطالة صلاة الظهر لأن «الظهر وقت الاشتغال… تحرزًا عن الملال؛ أي احتراز عن الملالة المفضية إلى تقليل الجماعة». ونقل عن ابن القاسم في الْعُتْبِيَّة: «من افتتح بسورة طويلة، ثم أدركه مللٌ فركع ببعضها، فلا شيء عليه».

كما كره الفقهاء رضي الله عنهم إطالة خطبة الجمعة «إِطَالَةً تُضْجِرُ»، يقول ابن النجار في شرح المنتهى: «قصر الخطبة أقرب إلى قبولها وعدم السآمة لها»، ولما اختلفوا في استحباب المجاورة بمكة، قيل لا تُستحب المجاورة بمكة؛ لأن «المقام بها يفضي إلى الملل لها».

وكرهوا أيضًا الإكثار وكثرة الإلحاح في التلبية، قال النفراوي (ت1126) في الفواكه الدواني: «يكره ذلك لما يلزم على ملازمتها من الملالة، بل المستحب التوسط في التلبية بحيث لا يكثر حتى يلحقه الضجر». ومثله كراهية الحج ماشيًا، قالوا «الأفضل [للحاج] الركوب؛ لأنه… أبعد عن السآمة».

وحثّوا القاضي على اختيار مكان الحكم بعناية، يناسب فصول السنة بردًا أو دفئًا، قال في نهاية المطلب: «إنما رأينا اختيار مكان موافق للزمان حتى لا تسرع الملالة»، وقال الصدر الشهيد في شرح أدب القاضي: «لابد من يوم يستريح فيه القاضي تحرزا عن الملال». وقالوا في آداب المستفتي أن يتحرّز من سؤال المفتي إذا علم أن في حال ضجر وملالة وسأم.

بل ذكر الفقهاء الملل في سياق الطلاق الرجعي، فقال الفقيه الشافعي الكبير القفّال الشاشي (ت365) في كتابه البارع محاسن الشريعة ما حاصله: «شرع الله تعالى للأزواج إباحة الطلاق، وذلك لأنه -وإن كان المقصود من النكاح استدامة الصحبة- فلا يؤمن حدوث ما يقتضي قطعها، ولو أُجبر على إمساكها في هذا الحال، كان فيه إبطال لما بُني عليه النكاح من التآلف، ولعلهما إذا تفرقا صلُحت قلوبهما ونازعتهما أنفسهما إلى الاجتماع، لأنه قد يكون ما يُفسد الحال بينهما الملال، فإذا تفرقا مدة؛ انقطعت مواد الملال. والافتراق عند الملال أقرب إلى الصلاح؛ من إكراهها على المقام على التباغض والتنافر».

ومن اللطائف ذكر ابن مَازَةَ البخاري الحنفي (ت 616) كراهية «عدّ الركعات في التراويح لما فيه من إظهار الملالة»، وهو غريب. وذكر بعض الحنفية في مسألة حبس المماطل ليخرج ماله لصاحب الحقّ، واختلفوا في مدة الحبس، وقال بعضهم المدة تختلف بسب الأحوال؛ «فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَضْجَرُ فِي السِّجْنِ فِي مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْجَرُ كَثِيرَ ضَجَرٍ بِمِقْدَارِ تِلْكَ الْمُدَّةِ الَّتِي ضَجِرَ الْآخَرُ»، وهذا من حسن نظرهم في تنوع الطبائع في قابلياتها للملل والسآمة.

(9)

ثم إنه لا ريب في أن الملالة من جملة الأكدار الطينية التي لا بد منها، ولو انتفى الملل عن هذا العالم لأحببنا الخلود، ولذا وصف الله الجنة بأن أهلها ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلا﴾ «أيْ تَحَوُّلًا: لِأنَّهُ لا مَزِيدَ عَلَيْها، دَفْعًا لِما قَدْ يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ الأمْرَ كَما في الدُّنْيا مِن أنَّ كُلَّ أحَدٍ في أيِّ نَعِيمٍ كانَ يَشْتَهِي ما هو أعْلى مِنهُ؛ لِأنَّ طُولَ الإقامَةِ قَدْ يُورِثُ السَّآمَةَ»، كما قال العلامة البقاعي (ت٨٨٥) رحمه الله.

وقد تنبّه المحلل النفسي آدم فيليبس إلى أن تجربة الملل تختلف جذريًا بين الطفل والبالغ، فملل الطفل سأم عابر، يذهب بأدنى مؤثر خارجي، كلعبة أو نشاط، أما ملل البالغ فهو حالة جمود باطنية، وصاحبها لا ينتظر شيئًا محددًا بالضرورة، بل يترقّب ولادة «الرغبة» نفسها، وبينما يتوقّع الطفل استجابة العالم لرغباته، وتبديد سآمته؛ يدرك البالغ بالملل أن الحياة لا تمنحه ما يشتهي، وأن الانتظار قد لا ينتهي بنتيجة، فشعوره بالملالة بوابته نحو النضج والتخلي عن وهْم الطفولة بتحقق الأماني، ففي النهاية، يواجه المرء حال الملل حدود ذاته وهشاشة رغباته، وهي مواجهة صامتة وموجعة لكنها جوهرية لتشكل الوعي الناضج!

(10)

هذا، وقد آثرتُ الاقتصار على هذا القدر لئلا أصيبك بالملل، لا بد من قول هذا الكليشيه، اعذرني. ومما استطرفتُه مما يناسب الختم به؛ ما ورد عن الحسن البصري رحمه الله أنه يدعو: «اللهم إنّا نعوذُ بك أن نملّ معافاتك!»، وقد قال هو فيما روي عنه عند قوله تعالى: ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾: «إنهم ملُّوا النعمةَ كما ملَّتْ بنو إسرائيل المَنَّ والسلوى»، وهذا من «من لؤم الغرائز» كما كتب محمد كرد علي مرةً. فاللهم إنا نعوذ بك أن نملّ عافيتك، أو نسأم نعمائك، ونسألك اللهم دارًا عليّة لا ملالة فيها ولا سآمة، في أعلى عليين. آمين.

14 رأي حول “مقالة عن الملالة

    1. انا من غزة اخي عبد الله وتحديدا شمالها.

      صدقني لا يوجد لدينا متسع للملل هنا، النهار وجزء من الليل لا يكفي لقضاء متطلبات الحياة الاساسية.

      ربما مللنا كثرة الموت ولكنها اقدار الله وهو بنا أعلم وأرحم.

      الوقت ضيق هنا لدرجة ان اليوم الجمعة واستغرق مني قراءة المقال من فجره لمغربه وانا اسرق الوقت من هنا وهناك.

      دام قلمك وهذا مقال عميق يدفعك دفعاً على مشاركته مع من تُحب.

      Liked by 1 person

      1. كان الله في عونكم سيدة مها، ولعلها تفرج قرببا ان شاء الله. وحقيقة انك وجدت الوقت رغم كل ما تعانينه من ظروف قاهرة لقراءة موضوع عن “الملل”، لهو اكبر دليل على مدى تشبثك بالحياة.
        اعتقد ان السيد عبد الله لم يكن ليخطر بباله ان اول تفاعل لموضوعه سيكون من غزة بالتحديد.
        وفقكم الله وكل عام وانتم بخير وعافية.

        Liked by 1 person

  1. أخي عبد الله،أشكرك من أعماق القلب على هذا المقال الذي يبدو وكأنه رحلة فكرية أكثر منه منشورًا عابرًا. لقد أخذتني كلماتك في رحلة عبر الملل، ذلك الشعور الذي نميل غالبًا إلى تجاهله أو الاستهانة به، لتكشف لي أنه ليس مجرد شعور عابر، بل مرآة لوعينا، ومساحة لوجودنا الداخلي.

    قرأت مقالتك وأنا أتذكر خطاب ديفيد فوستر والاس – This Is Water، ذلك التحذير الرقيق من أن نعيش حياتنا في غفلة، متبعين تيار الروتين اليومي بلا وعي. وقد صار حديثك عن الملل امتدادًا لذلك الوعي، لأن الملل كما عرضته ليس مجرد حالة شعورية، بل نداء للانتباه، للوعي، للتساؤل عن ما نعيشه وما نختاره.

    الفقرة التي اقتبستها من رواية الملك الشاحب، جسّد فيها والاس عبء الإدراك الإنساني بأقصى شدته، حتى ليبدو لي ان خطابه وروايته كانتا نذيرًا لانتحاره القادم. هنا تتقاطع أفكارك مع مأساة الوعي: فالفهم العميق للحياة، والملل كمرآة لها، ليس سهلاً، لكنه ضروري لنفهم أنفسنا ونعيد صياغة علاقتنا بالعالم.

    مقالك إذًا ليس مجرد قراءة للملل، بل دعوة للوعي، ولإيقاظ الحواس الداخلية التي تهملها الحياة اليومية. أشكرك على هذا الجهد الذي فتح نافذة للتأمل في أعماقنا، وأتطلع بشغف لما ستقدمه مقالاتك القادمة من نصوص تنبش في الفكر والوجود بطريقة نادرة وجميلة.وصلة خطاب والاس:

    Liked by 1 person

  2. جزاكم الله خيرًا ونفع بكم.
    معنى يثير ألوانًا من الأفكار والتساؤلات، ويبصّر المرء بدقائق أحواله ليراجعها ويحاسبها.
    حريٌّ بهذه المادة أن تمتد لكتابٍ بلا خوف من الإملال 🙂
    بوركتم

    Liked by 1 person

  3. ما أجمل ما خطت يمينك أستاذ عبدالله، لقد أبحرت بنا في أعماق مضامين الملل وتجلياته في رحلة مبتكرة متكاملة تعبر عن رؤية كونية منسجمة للمفكر المسلم العربي، معبرة عنه، مختتمة بالتصور الشرعي الذي نفتقر إليه كل وقت لأكمال تصوراتنا . تحية لك من صحراء نجد حيث أظنك تقطن.

    Liked by 1 person

  4. جزاكم الله خيرا على هذه المقالة الرائقة، وبمناسبة ذكرك لنقطة الملل بين الأزواج وإمكان عودة الإلف بينهما إذا افترقا لانتفاء مانع الملل بهذا البعد، تذكرت بيتا لابن الوردي في لاميته الشهيرة قال:
    غِبْ وزُرْ غِبّاً تزدْ حباً فَمَنْ أكثرَ التردادَ أقصاهُ المللْ!

    ……

    وأنا أقرأ حاولت أن أتذكر متى آخر مرة شعرت فيها بالملل فلم أستطع تذكر لحظة! هناك دائما ما يشغل بوجود مواقع التواصل والانترنت.. ورغم محاولتي لإقصاء أثرها من حياتي وأن لا أدخلها إلا حاجة منذ بداية رمضان فإني لا أستحضر لحظة ملل قريبة، هناك دائما شيء لفعله.. وربما أنا واهمة؟ لأنك بينت أن الملالة هي غياب الرغبة في الفعل لا عدم وجود ما يفعل حقيقة.. ثم ماذا عن موجة امتداح الملل الحالية؟ بعد أن أصبح كما أشرتم أمرا لا يحتمله الناس في هذا العصر ولا يصبرون عليه وأمامهم كل السبل لإزالته من أنواع الملهيات. سمعت كلاما كثيرا عن أن الملل يقود للابداع والابتكار، لكن ربما ليس الملل بذاته الذي يساعد على هذا بل غياب المشتتات التي تستهلك نفس الانسان حد الادمان ولا تسمح له بلحظة صفاء وتفكير وتأمل حتى يفعل أي شيء فضلا عن الابداع
    فليتكم تثرون هذا المقال بآخر يتناول هذه الفكرة الرائجة.

    …….

    حين ذكرت ما يمكن أن يقود إليه الملل من الجنون والأفعال الغريبة عن طبيعة المرئ انتابتني لحظة هلع، لأني تذكرت بعض الخواطر التي تزين لي التهور في أمر مصيري أنا شديدة التروي فيه لا لشيء إلا لتغيير ركود الحياة الحالي ورغبة في تجربة جديدة.. لكنها لا تعدو أن تكون خواطر فالعقل المسلم محكوم بما هو أعلى من مجرد الرغبة، الوازع الديني والأخلاقي الذي لا يسمح للنفس بالتغول على العقل. وهذه كما أشرت هي لبّ إشكالية انحراف الملالة في هذا العصر من كونها عملية بين الفينة والأخرى،إلى داء عميق في النفس البشرية وعمى روحي عن المعنى والجدوى من الوجود يوصل صاحبه إلى طريقين لا ثالث لهما، إما إغراق في المتع محاولة لتشتيت نفسه بالإدمانات المختلفة لملئ هذا الفراغ المرعب، كما صرح بذلك وودي آلان حين سئل عن تفانيه في إنتاج الأفلان فقال :

    [it] work is a distraction. If I’m sitting at home not working, I could be thinking: My God, we all die!

    وإما لانتحار! فالحمد لله على نعمة الإسلام الذي لم يجعل الحياة رحلة للبحث عن المعنى، بل زادا ابتدائيا ونورا أوليا نستضيء به في ظلامها، فمنه المتبدى وتحقيق لازمه في الأرض هو الغاية وإليه المصير.

    Liked by 1 person

أضف تعليق