«نعيش جميعنا تقريبًا مع وهم زائف بأننا لو تحكمنا في أنفسنا،وأكلنا ومارسنا الرياضة بالقدر المناسب، لحققنا الوزن المثالي!»
لورا فريزر (1995م)
«إن أفضل نظام غذائي هو أن تأكل ما تشاء من كل ما لا يعجبك،وإذا كنت في عجلةٍ من أمرك لأي سبب؛ فاقتصر على الطعام الذي تمقته تمامًا!»
جين كير (ت2003م)
(1)
بتُّ أنزعج مؤخرًا من ابتذال «الوعظ» الصحي الدائم بشأن السِمَن والوزن والدهون والسكريات والسعرات والحمية والرياضة وبقية القائمة الممضّة التي تصادفك كل يوم هنا أو هناك، وأنت تعرف أننا نعوّل في هذا الباب وفي غيره على ما يشيع في الولايات المتحدة التي تعدّ رائدة العالم في الثقافة الغذائية وأنظمة الحمية والرشاقة، فالمكتبة الأمريكية تضم عشرات الآلاف من الكتب في هذا المجال، وإذا أخذنا عينة سنجد أنه في الأشهر الستة الأولى من عام 2011م نشر في الولايات المتحدة أكثر من 2000 كتاب عن إنقاص الوزن، أي بمعدل 11 كتابًا يوميًا. ولم تكن الأمور دومًا على هذه الشاكلة بلا ريب، ولم يصبح السِمَن «وباء» عامًا -أو هكذا يصورونه- إلا في زمان متأخر (يقول عبدالسلام هارون: السِمنة بكسر السين لا تعرفها اللغة، وانما تعرف السِمَن والسمانة).
يذهب جملة معتبرة من المؤرخين الاجتماعيين (أمثال جورج فيجاريلو، وبيتر ستيرنز، ولويز فوكسكروف) إلى أن الموقف من السِمَن والقلق من الدهون شهد تحولًا ضخمًا في المدة ما بين 1890–1910م تقريبًا (هذه المدة نفسها شهدت في الواقع ولادة معظم التحولات الاجتماعية والثقافية التي نعرفها الآن)، ولبيان ذلك أنقل شهادتين الأولى كتبتها الأمريكية إيديث لوري سنة 1920م التي تقول: «حتى عام 1900م كان بإمكان المرأة “أن تسمن وتهرم في سلام”؛ وبعد عقد من الزمن بدا أن هناك من يقول دائمًا “لماذا لا تنحفين؟!»، ولم يمض وقت طويل حتى استشرى السؤال: «لماذا لا تنحف؟!» أيضًا. والثانية عبّر عنها الناقد الأمريكي فانس طومسون (ت1925م) بقوله: «بالنسبة للعالِم لا يوجد شيء مأساوي على وجه الأرض مثل منظر رجل سمين يأكل البطاطس!». وقبل ذلك بعقود قليلة نشر أخصائي التغذية الانجليزي وليام بانتينج(ت1878) كتيبًا شهيرًا عام 1869 يقول فيه: «إن لم يكن السِمَن عدوًا خبيثًا، فلا أعرف ما العدو الخبيث!»، ويعدّ أول من روّج لنظام حمية غذائية لإنقاص الوزن.
لم تظهر هذه التحولات في المواقف من العدم، بل برزت ضمن سياق متشابك كان يلاحظ الشيوع النسبي المتزايد للسمن بين الناس، ولم يكن ذلك سمةً عامة للمجتمعات البشرية، مما أسهم في تبلور موقف حاد من السمن بكافة ألوانه، يكتب المؤرخ ورئيس تحرير مجلة التاريخ الاجتماعي JSH بيتر ستيرنز: «اعتبار السِمَن المعتدل مشين -إلى حدٍ ما- كان موقفًا جديدًا بالفعل عندما بدأت معايير النحافة المعاصرة في الظهور إبان تسعينيات القرن التاسع عشر»، ويلاحظ مفارقة ملفتة للنظر أن الحقبة نفسها شهدت «زيادة مطردة في الوزن [لدى عموم الناس] بالتزامن مع تزايد المعايير الصارمة للنحافة» كما سنرى.
أما الآن فقد أضحت العناية بالبدن، والتدقيق في الوزن، والهوس باللياقة سمة عامة في المجتمعات الثرية، وفي استطلاع للرأي أجري في ألمانيا عام 2018م بشأن قرارات الأفراد وأهدافهم، وجد أنها تدور حول ممارسة المزيد من الرياضة، وتوفير المزيد من المال، وتناول الطعام الصحي، وخفض الوزن، والتحكم بالغضب. وتلاحظ عالمة الاجتماع الألمانية ديبورا فروملد أن مجمل هذه القرارات تتعلق -بنحو ملفت- بالجسم ووزنه، وتبعًا لذلك فإن ميزان الحمام هو المنتج الأول للعناية بالصحة في الأسر الألمانية؛ ففي عام 2009م كان حوالي 72 % من الذين شملهم الاستطلاع يمتلكون ميزانًا، بينما احتل جهاز قياس السكر المرتبة الثانية بنسبة 10 %.
وكذلك الحال في بلداننا، ففي دراسة المختصة في الأنثروبولوجيا الطبية سارة ترينر عن «صورة الجسم والمخاوف بشأن الوزن بين النساء الإماراتيات» لاحظت شيوع القلق لدى طالبات الجامعة بشأن الوزن و”السمن”، وتفشي الانخراط المباشر في استراتيجيات إنقاص الوزن وغيرها من أساليب الانضباط الذاتي الجسدي، بما في ذلك ممارسة الرياضة، واعتماد ملابس تشبه المشدات مثل Spanx.
(2)
لم يكن السِمَن في الحقب الوسيطة من التاريخ الأوروبي محلًا للاستنكار البالغ، بل كان بعض السمن والامتلاء ربما يشير إلى القوة والتمكّن، حتى إنه «يستدل على “الامتياز” الاجتماعي من خلال بسطة البدن»، وبعض هذا معهود في تراثنا نحن العرب، يذكر أبو العباس محمد بن يزيد المبرد (ت٢٨٥هـ) أن «من سيما الرئيس السيد أن يكون عظيم البطن ضخم الرأس»، فهذا العِظَم يشير إلى الاقتدار في المعيشة والتمكن من البذل.
وقد وُصف جماعة من الصحابة والسلف بضخامة البطن، أجلّهم أبو الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أخرج ابن أبي شيبة وعبدالرزاق عن أبي إسحاق السبيعي قال: قالت فاطمة رضوان الله عليها: (يا رسول الله، زوّجتني حمش الساقين، عظيم البطن، أعمش العين)، قال: «زوّجتُكِ أقدم أمتي سِلمًا، وأعظمهم حِلمًا، وأكثرهم عِلمًا»، وإسناده ضعيف، وأخرج ابن عساكر عن أبي سعيد التيمي قال: «كنا نبيع الثياب على عواتقنا ونحن غلمان في السوق، فإذا رأينا عليًا قد أقبل قلنا: بودشكم (وفي رواية الطبقات: بوذا شكنب أمذ وهي لفظة فارسية)، فقال علي: ما تقولون؟ قيل له يقولون: عظيم البطن، قال: أجل؛ أعلاه علم وأسفله طعام»، وفي رواية «إن أسفله شحم، وإن أعلاه علم». ومنهم معاوية بن أبي سفيان، وعبدالله بن عمرو، وكعب بن عمرو الأنصاري المقداد بن الأسود، وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين.
وقد راعى الفقهاء هذا النوع من الأبدان، فنقل عن الإمام مالك رحمه الله قوله: «لا بأس أن يأتزر الرجل تحت سرته ويبدي سرته إن كان عظيم البطن».
والذي ذكرته أولًا في تقدير ضخامة الجسد إبان العصر الأوروبي الوسيط ليس حكمًا شاملًا، أي لم يكن ينظر إلى السِمَن دومًا بعين الرضا والغبطة، بل امتزجت هذه النظرة بمواعظ رجال الدين الذين كانوا يمقتون البدانة، ويجعلون الشره قرينًا للشر والفساد والانحرافات الجنسية، وبتحذيرات الأطباء والحكماء منذ زمن أستاذهم القديم جالينوس (ت 216م) من كثرة الأكل والإفراط في الشرب.
وكذلك الحال في زمن العرب القدامى كما نقل عن طبيب العرب الحارث بن كلدة، وبعد شروق الإسلام جاءت الشريعة بالاقتصاد في المطعم وأنكرت الإسراف في آيات وأحاديث كثيرة لا تخفى عليك، وقد نقل عن جماعة من الأكابر الأكل الكثير، ولعله لم يخرج بهم عن حد الإباحة، يقول الإمام الخطابي (ت٣٨٨هـ) رحمه الله: «قد ذُكِرَ عن غير واحد من أفاضل السلف الأكل الكثير، فلم يكن ذلك نقصًا في إيمانهم»، وممن نقل عنه ذلك من المتقدمين المحدث أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الهروي رحمه الله، قال عنه الإمام إبراهيم بن إسحاق الحربي (ت ٢٨٥هـ) رحمه الله: «كان إبراهيم الهروي حافظًا متقنًا تقيًا، ما كان ههنا أحد مثله»، وقال عنه أيضًا وهو الشاهد: «كان يديم الصيام إلا أن يأتيه أحد يدعوه إلى طعامه فيفطر، وكان أكولًا، وكان يأكل حَمَلًا وحده!»، وذكر الطبري عن شيخ النقاد يحيى بن معين (ت٢٣٣هـ) أنه كان أكولًا، وحكى في سبب وفاته رحمه الله أنه أكل فَالُوْذَجًا لم ينضج، وهو كما قيل «لون من الحَلْوَاء يصنع مِن لُبِّ الحنطة، مخلوط بسمن، وعسل، وفستق، ونحو ذلك من الأشربة الحلوة».
وممن ووصف بكثرة الأكل عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، قيل في ترجمته «كان يأكل في اليوم تسع مراتٍ، وينتبه من السحر، فيدعو بالطعام، فيأكل أكل من لم يطعم طعامًا منذ أيام!»، ومنهم الشيخ الفقيه محمد بن عثمان الثقفي (ت302هـ) رحمه الله، وهو الذي أدخل مذهب الشافعي دمشق بعد أن كان الغالب عليها مذهب الأوزاعي، فقد كان يهب لمن يحفظ مختصر المزني مائة دينار وهو مال ضخم، قالوا: «كان يأكل سلة مشمش، وسلة تين!».
وأما من وصف من المتأخرين بالشراهة في الأكل فكثير، لا سيما من الرؤساء والخلفاء والأكابر، ومن أشهرهم الخليفة سليمان بن عبدالملك، قيل إنه يؤتى له في كل يوم من صلاة الغداة بخروفين عظميين، ودجاجتين سمينتين، فيأكلها. وقيل إن الخليفة الواثق، كان مفتونًا بحب الباذنجان، وكان يأكل في أكلة واحدة أربعين باذنجانة!
وكذلك عبيد اللَّه بن زياد (ت67هـ)، كان «يأكل في اليوم خمس أكلات آخرها جبنة بعسل توضع بين يديه بعد فراغه من الطعام، وكان يأكل جدْيًا أو عَنَاقًا يُتخيّر له في كل يوم فيأتي عليه»، ونقل عن الحسن البصري أنه قال: «قَدِم علينا عبيد اللَّه بْن زياد فقدم شابًا مترفًا فاسقًا، يأكل في اليوم خمس أكلات، وإن فاتته أكلة ظل لها صريعًا يتكئ على شماله ويأكل غير ماله، حتى إذا غلبت عليه الكظة [امتلاء البطن بالطعام] قال: أبغوني هاضومًا، وَهل تهضم إِلَّا دينك!».
ولذلك احتاج أهل الترف والغنى إلى مهضمات تخفف عنهم آثار الأكل الكثير، وقد ينال الطبيب العارف بالمهضّمات الحظوة والثراء، كما هو حال الطبيب أحمد بن يونس الحراني، فقد ذهب إِلى الأندلس زمن المستنصر باللَّه سنة 351هـ فأسكنه المستنصر في قصره بمدينة الزهراء وأكرمه؛ «لأن المستنصر كان نهمًا في الأكل، وكان يحدث له في أكله تخمة، لكثرة ما كان يتناول من الْأكل، وكان الحراني يصنع له الجوارشنات الحادة العجيبة وكان وَافقه في ذلك مُوَافقَة، وأفاد مالًا عظيمًا»، والجوارشنات أو الجوارش «نوع من الأدوية المركبة يقوي المعدة ويهضم الطعام» كما يقول ابن الأثير.
ومن أعجب ما قرأت في هذا الباب ما ذكروا في ترجمة سيف الدين أبو بكر بن نجم الدِّين أيوب (ت615هـ) وهو أخ لصلاح الدين الأيوبي وأصغر منه بعامين، فقد كان «نَهِمًا يحبّ الطعام واختلاف ألوانه، وكان أكثر أكله في الليل، كالخيل»، وهذا تشبيه لطيف، ومحل العجب أنه مع توسعه في المآكل والحلوى كان «قليل الأمراض»، ولم يحتج إلى الطبّ إلا في النادر، ونقلوا عن طبيبه أنه قال: «إني آكل خبز هذا السلطان سنين كثيرة، ولم يحتج إليَّ سوى يوم واحد؛ أُحضر إليه من البطّيخ أربعون حملًا، فكسر الجميع بيده، وبالغ في الأكل منه ومن الفواكه والأطعمة، فعرض له تخمة، فأصبح، فأشرت عليه بشرب الماء الحار، وأن يركب طويلًا، ففعل، وآخر النهار تعشَّى، وعاد إلى صحتّه!».
على أنه يرد في كتب التراجم والتواريخ من حكايات النهم والتوسع في الأكل أشياء هائلة يتعذّر وقوعها بحكم العادة وطبائع الأشياء، فيدخل في هذه الحكايات كثيرًا من المبالغات والزيادات المستحيلة، وقد أعرضتُ عن نقلها عامدًا، ولذا علّق المؤرخ زين الدين عبد الباسط بن خليل بن شاهين (ت ٩٢٠هـ) في بعض تراجمه بقوله: «يُحكى عنه في الأكل ما يشبه الخرافات».
والإشارة إلى المرض في سياق الشره في الأكل ليست غريبة، فقد عُلِم منذ زمن بعيد ارتباط الأكل الكثير والسِمَن بالعلل، بل كانوا يرون أن الاعتدال في المطعم يعين على صحة الذهن وقوة الحواسّ وسلامة الأعضاء، فقد نقل الجاحظ عن بعضهم قوله: «لِمَ صفت أذهان العرب، ولِمَ صدقت أَحْسَاس الأعراب، ولم صحّت أبدان الرهبان، مع طول الإقامة في الصوامع، وحتى لم تعرف النقّرس ولا وجع المفاصل ولا الأورام؛ إلا لقلة الرزء من الطعام، وخفة الزاد والتّبلغ باليسير».
وربما تسبب السِمَن للمرأة بأدواء خاصة، ينقل الطبيب أبو بكر محمد بن زكريا الرازي (ت٣١٣هـ) عن بعض أهل المعرفة أن «السمينة لا تكاد تَعْلق [تحمل]، فإن علقت أَسقطت، أو عَسُر ولادها»، وذكرابن عبد ربه الأندلسي (ت ٣٢٨هـ) تبعًا لكلام عموم الحكماء والأطباء أن «أكثر العلل كلها إنما تتولد من فضول الطعام»، بل اعتبر الوزير ابن هبيرة (ت٥٦٠هـ) رحمه الله أن بعض أنواع السِمَن قد يؤدي إلى الموت: «السِّمَن عن الراحة يكون عن قلة تحلل الفضول، واحتقان الأبخرة، وهو إلى قتل صاحبه قريب»، و«كان لعبد الرحمن بن أبي بكرة ابن أكول؛ فقال له معاوية : ما فعل ابنك التّلقامة؟ قال: اعتلّ؛ قال: مثله لا يعدم علّة»، والتلقامة أي عظيم اللقم في الأكل لنهمه، وقال بعض الأوائل: «إذا كنت بطينًا، فاعدد نفسك زَمِنًا [أي مريضًا] حتى تخمص!».
فالسِّمَن المفرط كان مبغوضًا وسببًا للأمراض، بل أخرج البخاري عن عمران بن الحصين رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم ينذرون ولا يفون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السِّمَنُ»، وفي رواية عند مسلم: «يحبون السَّمَانَة»، ومعنى السمن: كثرة اللحم، ولا يراد بالحديث الذم على السمن المحض، فالمذموم هنا كما يذكر النووي «من يَسْتَكْسِبُ السِّمَن، وأما من هو فيه خِلْقَةً فلا يدخل في الحديث»، والمراد أنه صلى الله عليه وسلم «كنّى بذلك عن ميلهم إلى الدعة والتنعّم والشَرَه على الطعام، والإعراض عن الرياضة وتكميل النفس» كما ذكر البيضاوي (ت ٦٨٥هـ) رحمه الله، ولا تظنن أن معنى (الرياضة) في قول البيضاوي هو ما تعارف عليه الناس في زماننا، بل المراد ترويض النفس على ترك التوسع في المباحات والمكروهات، والتنزّه عن الإسراف في المشارب والمطاعم.
وقد قرر أهل العلم والمعرفة بأحوال القلوب الصلة الوثيقة بين تواتر الشبع والامتلاء وقسوة القلب ومخالطة السيئات، لأن «فضول الطعام داعٍ إلى أنواع كثيرة من الشرّ، فإنه يحرك الجوارح إلى المعاصي، ويثقلها عن الطاعات… والشيطان أعظم ما يتحكّم من الإنسان إذا ملأ بطنه من الطعام… فالنفس إذا شبعت تحرّكت وجالت وطافت على أبواب الشهوات، وإذا جاعت سكنت وخشعت وذلّت»، فامتلاء البدن يرخي العزيمة ويضعف النشاط بحكم تركيب الطبع ومزاج الأعضاء، ولذلك «كانت العرب تقول: ما بات رجل بطينًا فتمّ عزمه».
وأخرج ابن أبي الدنيا رحمه الله في كتاب “الجوع” عن عائشة رضوان الله عليها قالت: «أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها الشبع، فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم، فضعفت قلوبهم، وجمحت شهواتهم»، ولذا استنكر بعض الزهاد والصلحاء أن يكون المسلم بطينًا، أي عظيم البطن كناية عن النهم والاتساع في المآكل، فقد روي عن الحسن أنه قال: «لقد كان المسلم يعار أن يقال له إنك لبطين»، وقال سلمة بن سعيد: «إن كان الرجل ليعيّر بالبطنة كما يعيّر بالذنب يعمله».
وأشار بعض العارفين إلى أن في قهر النفس على الأكل بقدر الضرورة لا للتلذذ والفضول معنىً دقيق، فهو يفضي إلى تحوّل سائر التصرفات إلى أن تكون بقدر الضرورة، فتسْلم النفس من مضارّ الفضول في القول والفعل؛ لأن «النفس من طبعها أنها إذا أقهرت لله تعالى في شيء واحد على الضرورة تأدّى ذلك إلى سائر أحوالها، فيصير الأكل ضرورة، والنوم ضرورة، والقول والفعل ضرورة، وهذا باب كبير من أبواب الخير لأهل الله تعالى يجب رعايته وافتقاده» كما يذكر الشهاب السهروردي (ت632هـ) رحمه الله، ووراء ذلك أسرار تذكر في مظانها.
إذًا، لم يكن النظر إلى السِمن محمودًا أو مستحبًا لا سيما عند أهل الصلاح والمعرفة بالله تعالى، بل اعتبر دلالة على الجهل وركاكة العقل، واشتهر عند الخاصة والعامة قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله قوله: «ما أفلح سمين قطّ إلا أن يكون محمد بن الحسن»، ولكن الذي قلّ أن ينقل هو تمام الحكاية كما رواها ابن عبدالبر في الانتقاء وغيره، فقد قيل له: ولمَ؟ قال: «لأنه لا يعدو العاقل إحدى خصلتين: إما أن يهتم لآخرته ومعاده، أو يغتمّ لدنياه ومعاشه، والشحم مع الهمّ لا يتفق، فإذا خلا من المعنيين صار في حدّ البهائم، وحمل الشحم!»، ولذا كثرت أشعار العرب في نحول العاشق وذهبوا في تصوير ذلك مذاهب بعيدة، تحتمل الإفراد في مصنف مستقل.
وأورد ابن خلكان بعد كلام الشافعي هذا تتمة يذكر فيها حكاية معروفة عن مَلِكٍ كان مثقلاً كثير الشحم لا ينتفع بنفسه، فجمع الأطباء وطالبهم بإيجاد علاج لسمنه، فادّعى أحدهم أنه منجّم، وأنه نظر فعلم أن الملك يموت بعد شهر، فاغتم الملك لذلك غمًا شديدًا، وذهب كثيرًا من ثقله وهزل بدنه، ثم اعترف الطبيب بعد ذهاب المدة أنه إنما احتال، لأنه لم يكن لديه دواء إلا الغمّ، فأحسن الملك مثوبته.
(3)
في الضفة الأخرى يرصد المؤرخ الفرنسي جورج فيجاريلو بدايات القطيعة مع تصور العصر الوسيط للسمن، وبروز نبز البدناء والسخرية من الطفل السمين، وظهور خوف نساء الطبقات العليا من السمن، حيث تحوّل تدريجيًا النظر إلى السمين من كونه قويًا يتمتّع باحتياطات تقيه شرّ المجاعة كما كانوا يتخيّلون، ونادرًا ما كان موضوعًا للإهانة؛ ليعتبر إنسانًا كسولًا فاقدًا للإرادة ومحلًا للسخرية، فالاستعارة الأساسية للذم انتقلت من تشويه البدانة أو شجب الشره إلى الوصم بالعجز أو ضعف السيطرة على النفس، أي أن «الذم أصبح أكثر سيكولوجية»، فقد كانت الإدانة تتوجه إلى «النهم والرغبة الزائدة أكثر من المظهر الجسدي، ثم تحوّلت إلى التركيز على الوزن نفسه» كما يرى فيجاريلو.
وقد ظهر الاهتمام بإنقاص الوزن في وقت قديم نسبيًا، فقد كتب بعض الوجهاء الإيطاليين عام 1537م إنه كان يريد إنقاص وزنه باتباع «نصف حمية غذائية half-diet»، وتحدث عن إحباطه في هذا الشأن، «لأن الحياة في روما تمنع من ممارسة الكثير من التمارين الرياضية»، ويلاحظ فيجاريلو بعين المؤرخ أن الإحباط حينها لا يتعلق بمقاومة جسده للحمية مثلًا، حيث لم يصبح هذا التصوّر ممكنًا إلا في زمن لاحق.
وعند الاطلاع على الأنظمة والنصائح الغذائية المقترحة في القرنين السادس عشر والسابع عشر ستلاحظ أنها تعتمد غالبًا على التقليل من أكل اللحوم، وأشار بعضها إلى ضرورة «التخلص من عادة العشاء المتأخر»، ثم ظهرت فكرة جديدة كليًا في أنظمة الحمية وهي التدقيق في الأوزان، ليس وزن الجسد بل وزن الطعام المستهلك، ويذكر هنا أن جاكوبو دا بونتورمو (ت 1557م) وهو تلميذ ليوناردو دافنشي من أوائل من قاس كل طعام يتناوله بالأوقية، وكان الطبيب الخاص لمن سيصبح لاحقًا لويس الثالث عشر (ت1643م) يسجّل بدقة الوزن الدقيق لكل طعام يتناوله الأمير يوميًا. وفي سبعينيات القرن السابع عشر أوصت بعض كتب الصحة باستخدام كرسي للوزن يمكنه قياس وزن المتناول بعد تناول وجبته ويكون بمثابة دليل لتناول الطعام بدقة.
وكانت هذه محاولات بدائية لفهم الطريقة التي يتحوّل من خلالها الطعام إلى وزن في الجسد، ومن أشهر المحاولات المبكرة في هذا الصدد ما قام به الطبيب الإيطالي سانتوريو سانكتوريوس (ت1636م) كما يظهر في هذا الرسم:
فقد أمضى حوالي 30 عامًا في الأكل والعمل والنوم على مقعد الميزان، حيث كان يزن بدقة ما يتناوله من طعام وما يفرزه جسمه أيضًا، فكان هدفه قياس ما سيعرف لاحقًا بعملية «الأيض» أو التمثيل الغذائي، وخلص إلى أن جزءًا كبيرًا من طعامه كان يُفقد عبر “تعرّق غير محسوس”، ولذا اعتبره البعض «الأب المؤسس لدراسات التوازن الأيضي metabolic balance studies».
وفي سياق النصائح والأنظمة الغذائية ظهر نوع من الاهتمام بالتمارين أو الحركة البدنية، وقد ظهر أهمية ذلك في وقت أقدم من ذلك بكثير، لكن ليس بصورة منهجية وإنما برزت كبرنامج مصغّر يتعلق بوقت الأكل، وهذا ما نرصده في بعض الكتب العربية المبكرة، فقد عقد أبو محمد المظفر بن نصر بن سيار الوراق (عاش في القرن الرابع الهجري) في مصنفه المعنون «كتاب الطبيخ وإصلاح الأغذية والمأكولات وطيبات الأطعمة المصنوعات مما استخرج من كتب الطب وألفاظ الطهاة وأهل اللب» بابًا عنوانه: «في الحركة قبل الطعام، والرياضة للأجسام» يقول فيه: «ينبغي أن يتحرّك كلُّ إنسانٍ قبل الطعام على قدر عادته وقوته، إما بالركوب، وإما بالمشي. ولا ينبغي أن يبلغ من ذلك ما يحسّ منه بإعياء واستثقال. ومن شأن الحركة إذا استعملت قبل الطعام أنْ تُذكي الحرارة الغريزية؛ فتلقى المَعِدَةُ الغذاء وهي حامية، ويكسب البدن خصباً وشدّة. وليتجنّب الحركة إن كان مثقل البطن»، والتعليل غامض كما ترى لا تستسيغه الذهنية الطبية المعاصرة.
وقد وردت إشارات مقتضبة أوسع من ذلك في التاريخ الأوروبي الوسيط كما نطالع كتابات أنطوان دي باندول التي بعثها إلى هنري الرابع عام 1609م، ومما جاء فيها التنبيه إلى أن العمل البدني يساعد النحافة، لأنه «نادرًا ما يكون العمّال بدناء»، وقد ورد عن مدام دي كايلوس حوالي عام 1680م التي ستصبح دوقة لاحقًا، فقد كانت بدينة أو تميل إلى البدانة في صغرها، مما استوجب حثها على تكرار تحريك الجسم.
ولذلك علينا الانتظار حتى أواخر القرن التاسع عشر لتندلع ظاهرة التمارين الرياضية وأنظمة اللياقة، فقد أصبحت التمارين في الأماكن المغلقة شائعة جدًا في هذا الوقت حتى أن كتابًا دنماركيًا عن هذا الموضوع نُشر عام 1904م بعنوان «15 دقيقة من التمارين الرياضية كل يوم من أجل الصحة» بيع منه عشرات آلاف النسخ في الكثير من البلدان الأوروبية، وأصبح مؤلفه ج. ب. مولر من أوائل المختصين في اللياقة البدنية في العالم.
وإلى جوار تحديد التغذية ووزن الطعام والحركة اهتم بعضهم بأثر الهواء وطقس البيئة المحيطة في البدانة والنحافة، ومن أولئك الطبيب الإيطالي بروسبير ألبينو (ت 1617م)، وحين زار مصر عام 1580م رأى أن البيئة المصرية الجافة يفترض أن تجعل المصرين على درجة من الاعتدال والنحافة، بينما الواقع أنهم يغلب عليهم السِمَن، وقال إن سبب ذلك إسرافهم في المآكل والمشارب، والمأكولات البحرية، وكثرة الاستحمام، وغير ذلك.
(4)
لا يخفى ما في السمن من ضيق وصعوبة في الحركة وتقارب في النفس، ولذا سعى بعض القدماء إلى محاولة علاج ذلك، فمن ذلك ما نقل عن المقداد بن الأسود الكندي (ت33هـ) رضي الله عنه، قالوا: «كان المقداد عظيم البطن، وكان له غلام روميّ، فقال له: أشقّ بطنك فأُخرجُ من شحمه حتى تَلْطُفَ [أي تنحف]، فشقّ بطنه ثم خاطه، فمات المقداد، وهرب الغلام»، وهذا أول تدخل جراحي لإنقاص الوزن وإزالة الدهون في تاريخ الإسلام فيما نعلم.
ويبدو أن هذه الممارسة الجراحية تحسنت مع مرور الوقت، فقد قالوا عن الأمير الحسن بن زيد (ت٢٧٠هـ) أنه «كان في آخر عمره يُشقّ بطنه ويخرج منها الشحم ثم تُخاط»، ويبدو من ظاهر العبارة أنها وقعت مرارًا ونجحت، والحسن هذا كان بدينًا ضخمًا «مهيبًا عظيم الخَلْق؛ عَطَسَ يومًا ففزع رجل في المنارة وهو يؤذن فوقع منها فمات!، وكان أقوى البغال لا يحمله أكثر من فرسخين».
وكثيرًا ما تذكر الحميَة في كتب التراث في سياق حمية المريض، كما بوّب ابن أبي شيبة في كتاب الطب «في الحمية للمريض»، وكذلك أبو داود عقد «باب الحمية» في كتاب الطب، وأورد فيه حديث أم المنذر بنت قيس الأنصارية، وفيه أن عليًا رضي الله كان مريضًا فقام ليأكل، فقال صلى الله عليه وسلم: «مهْ إنك ناقِه» وهو من خفّ مرضه ولمّا يستتم تشافيه، وبوّب مثله الترمذي وابن ماجه في سننهما.
وتذكر الحميَة بالمعنى الذي تعرف به الآن، فأورد الجاحظ شذرات من ذمّ بعض العرب للحمية، كقول بعضهم: «من احتمى فهو على يقين من تعجيل المكروه، وفي شك مما يأمل من دوام الصحة»، وذكر ابن عبد ربه الأندلسي (ت ٣٢٨هـ) أن هذا الذم لا يلتفت له، لأن «الأَكَلَة كلهم يعيبون الحميَة»، وأورد القاضي عياض رحمه الله في ترجمة الفقيه أبو العباس عبد الله بن أحمد الإبياني (ت352هـ) أنه «كان متحفظًا في طعامه كثير الحمية».
ومن عجيب التصرفات في هذا الشأن، ما ورد في ترجمة الشيخ أبي نصر إلياس بن أحمد البَامَنجِيُّ (ت٥٤٢هـ) رحمه الله، ويبدو أنه كان ينزعج من نهمه للأكل، فكان من صنيعه أنه «كان إذا فَرغَ من الأكل، وقام من السُّفْرَةِ ترك عدة من الحَصَى فِي فِيهِ، وكان يُحَرِّكُها، فسُئل عن ذلك؟ فقال: أنا لا أشبَعُ من الطَّعام، فإذا أَكَلْتُ القَدْرَ الذي تَيَسَّر تركت الحصى في فيّ لأشتغل بتحريكها كأني أمضُعُ شيئًا!»، وهذا أسلوب مبتكر لتفادي الإكثار من الأكل كما ترى. (زعمت دراسة حديثة أن مضغ العلك يؤثر في تقليل الشهية للأكل ويساعد من ثمّ على خفض الوزن، ولكن تبين أن هذا زائف وغير دقيق).
أما في الضفة الأخرى من العالم فقد تطور أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر استعمال مفردة «diet» من معناها الأولي الذي يعني تحديد أطعمة معينة لعلاج المرض، ليصبح المعنى متعلقًا بخفض الوزن، وطرحت منذ وقت طويل نسبيًا أنظمة حمية غذائية مقترحة، كما فعل الطبيب الفرنسي بريلات سافارين (ت1826) الذي اقترح نظامًا منخفض الكربوهيدرات ويعتمد على مجافاة الدهون anti-fat diet كما تنقل لويز فوكسكروفت، وأكد أن «الامتناع الصارم عن جميع النشويات من شأنه أن يقلل من السمن».
وتدريجيًا تكاثرت أنظمة الحمية كما يرصد فيجاريلو، فيذكر لويس ورثينجتون أربعة أنظمة في أطروحته عن السمن عام 1877، ويعدد بول لو جيندر ثمانية أنظمة في مقالته “السمن” عام 1891، ويقدم أدريان بروست ورفيقه ثلاثة عشر في كتاب منشور عام 1897، ولكن نظام الحمية الأشهر في ذلك الوقت هو نظام ويليام بانتينج، فقد نشر كتيبًا مختصرًا -كما سبق- شرح فيه كيف عمل على خفض وزنه، وفقًا لبرنامج غذائي صارم، وربما سبب اشتهاره أسلوبه المختصر والواضح وكونه اعتمد على تجربة مباشرة وعملية، ومن الطريف أنه تأسف في آخر كتابه على عدم التوثيق المرئي: «يؤسفني أنني لم أتمكن من الحصول على صورة فوتوغرافية لشخصي عام 1862 لأضعها في موضعها مع صورة لشكل جسمي الحالي؛ فربما يكون ذلك مسليًا للبعض، ولكنه بالتأكيد سيكون مقنعًا جدًا للبعض الآخر، ومدهشًا للجميع، كيف أن هذا التأثير نتج بسهولة وسرعة عن سبب طبيعي بسيط هو استبدال غذاء هزيل بغذاء متين وفقًا لمشورة حكيمة»، ثم طلب ممن جربّ نظامه ونجح أن يرسل إليه بذلك. ربما كانت هذه التجربة الحديثة الأولى في إظهار (قبل) و(بعد) التي تنتشر في حسابات التخسيس واللياقة في شبكات التواصل!
(5)
أضحى ميزان الجسم في الوقت الراهن أحد الأجهزة التي لا تلفت انتباه أحد لشيوعها في كل مكان، فلا يكاد يخلو منها منزل أو فندق، وقد تطور استعمال الوزن فقد كان كما أشرت يختص بوزن الطعام، ثم مع تطور التصنيع أصبح بالإمكان وزن الجسد، فقد طلب أحد الأشخاص عام 1725م من أحد أقسام الشرطة في باريس الإذن بتركيب أداة من اختراعه في موقع عام تتيح بوزن جميع الناس، وهو عبارة عن كرسي معلّق ومزود بذراع موازنة وأوزان، فرفضت الشرطة الطلب لانعدام فائدته، ولكونه قد يكون مكانًا للتجمع غير المرغوب.
ولكن لم يبدأ انتشار أجهزة الوزن الشخصية إلا في وقت متأخر، وتحديدًا في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، وفي بعض قصص الأديب الفرنسي موباسان (ت 1893م) تحدث عن أحد رواد المنتجع الصحي الذي «يزن نفسه بعناية»، وفي قصة أخرى نشرها عام 1886م أشار إلى «امرأة مغناج تبدأ يومها بوزن نفسها وهي عارية تقريبًا»، ونُشرت إعلانات لبيع ميزان للمنزل في بدايات القرن العشرين، واُقترح للبدين أن يضع ميزانًا في غرفته، وما إن حلت عشرينات القرن الماضي حتى شاع حساب السعرات الحرارية والتحكم الدقيق بالوزن كما يقول هيليل شوارتز.
ثم تحسّن شكل الميزان وحجمه وأضيف له عدسة مكبرة أفقية تكبر الإبرة التي تشير إلى الرقم في قرص الأرقام، وكانت الإعلانات في السوق الأمريكية في عشرينيات القرن العشرين تروّج الميزان «للراغبين في إنقاص الوزن بطريقة علمية»، وفي نهاية العشرينيات رأت مجلة Fémina أن وجود الميزان ضروري في كل حمام، ونصحت باستخدامه يوميًا، «فهو جزء لا يتجزأ من روتين الحمام الصباحي»، وهكذا -كما يعبّر فيجاريلو- «أصبح الوزن “الزائد” بمثابة الأفق للتأمل اليومي، حيث يتوجب على المرء “الإصغاء” الحاد إلى جسده، وهذه سمة أضحت أساسية في ثقافة مجتمعاتنا الفردية».
إن هذا الاهتمام الصاعد بالوزن والهوس الجماعي بشؤون السمن انخرطت فيه جهات لا تعنيها الصحة العامة، وإنما تحركها الغرائز الرأسمالية، فتحكي لويز فوكسكروفت عن شركة نيويورك للتأمين على الحياة التي نشرت في عام 1901 أن معدل وفيات حاملي وثائق التأمين على الحياة الأسمن كان أكبر من أولئك الذين يتمتعون بوزن معتدل، وفي عام 1908 طرح لويس دبلن جدولًا معياريًا للأطوال والأوزان يستند إلى بيانات حاملي وثائق التأمين المذكورة، وأصبح المرجع الموثوق لمتوسط الوزن، وهنا تؤكد فوكسكروفت أن تدخل شركات التأمين في استنباط علاقة العمر المتوقع بالوزن وإجراء الحسابات على أساسها يلفت الانتباه إلى دور الاقتصاد في الموقف من السِمَن.
(6)
في نوفمبر 1973 نشرت الناشطة البدينة جودي فريسبيريت وصاحبتها ألديبران نصًا ثوريًا بعنوان «بيان تحرير البدناء Fat Liberation Manifesto» للمناداة بـ«حق البدناء الكامل في الاحترام والتقدير الإنساني»، والمطالبة بـ«المساواة في الحصول على السلع والخدمات في المجال العام، وإنهاء التمييز ضد البدناء في مجالات التوظيف والتعليم والمرافق العامة والخدمات الصحية»، ثم في صياغة هجومية تحاول استلهام البيان الشيوعي الشهير يتحدث البيان بقسوة ضد “الأعداء”، وهم «ما يسمى بصناعات “التخسيس”، وتشمل نوادي التخسيس، وأطباء الحمية، وكتب الحمية، وأطعمة الحمية، والمكملات الغذائية، والعمليات الجراحية، ومثبطات الشهية، وآلات التخسيس»، يقول البيان: «نحن نطالبهم بتحمّل المسؤولية عن مزاعمهم الكاذبة، والاعتراف بأن منتجاتهم ضارّة بالصحة العامة، ونطالبهم بنشر دراسات طويلة الأجل تثبت أي فعالية إحصائية لمنتجاتهم، إننا نطالب بذلك ونحن نعلم أن أكثر من 99% من برامج التخسيس كافة، عند تقييمها على مدى خمس سنوات، تفشل تمامًا، ونعلم أيضًا الضرر الشديد المثبت للتغييرات الكبيرة المتكررة في الوزن»، ثم ختم البيان بطريقة درامية مستنسخة عن البيان الشيوعي: «يا بدناء العالم، اتحدوا! ليس لديكم ما تخسرونه!».
على الأرجح أنك لم تسمع بهذا البيان قطّ، وهذا كاف لتعرف أن «حركة تقبّل البدناء Fat acceptance movement» أو تحرير البدناء (تأسست مثلًا الجمعية الوطنية لتقبّل البدناء NAAFA عام 1969)، أو الموجات اللاحقة المشابهة مثل «حركة body positivity movement»؛ لا تزال هامشية وغير مؤثرة، وقد تداخلت منذ ظهورها في الستينيات مع الحركات النسوية وتقاطعت مع حركات الشواذ المنظّمة وتنظيمات السود الحقوقية وأضرابها، ولم تستطع -كما ترى جريتا رينسنبرينك– تبديد التحيز الشائع ولا تأكيد هوية بدينة جميلة وإيجابية!
ومع ذلك، فإن نقد أنظمة الحمية الوارد في البيان أعلاه جدير بالاهتمام، فأنظمة الحمية بالعموم يتأسس كثير منها على جهالات متنوعة، وهي لا تخلو من أضرار جسدية، وأعطاب نفسانية (يقول بعض الباحثين: «السعي وراء فقدان الوزن من خلال اتباع نظام غذائي ضار جسديًا وعاطفيًا»)، فضلًا عن كونها فاشلة عمليًا، وشيوعها الواسع يرتبط جزئيًا باقتصاد الحمية الضخم الذي يقدّر بالمليارات كل عام. قد تبدو مبالغات صادمة، أليس كذلك؟
حسنًا، في تقديمها للطبعة الثالثة من كتاب جوديث ماتز وإيلين فرانكل النقدي عن الأنظمة الغذائية أشارت الأخصائية في اضطرابات الأكل جينيفر جاودياني إلى أنها كانت ضحية الاعتقاد بأن «كل إنسان يأتي مجهزًا بعملية أيض “طبيعية” لا تتغير، وأن الامتناع عن الطعام أو “حرق المزيد من السعرات الحرارية” يؤدي إلى فقدان الوزن، بينما يؤدي العكس إلى زيادة الوزن»، واعترفت بأنها كانت تسهم من حيث لا تشعر بسبب هذه المعتقدات في إيذاء المرضى، بل اكتشفت أنها افتراضات باطلة علميًا.
وتشرح ماتز وصاحبتها بالقول إن «أجسادنا ليست مرنة كما توهمنا صناعات الحمية الغذائية والإعلانات»، وتنقل عن الأبحاث المختصة أن فقدان الوزن ليس مجرد مسألة “سعرات حرارية تدخل إلى الجسم وتخرج منه”، بل إن هناك شكلاً من أشكال «الحتمية البيولوجية» التي تجعل بعض الناس عرضة لزيادة الوزن، أي بعبارة أوضح: «حتى لو تناول الجميع نفس الأطعمة بالضبط، ومارسوا نفس القدر من النشاط اليومي، سيظل هناك تباين كبير في أحجام الجسم»، بسبب التركيب الجيني الخاص، فبحسب التقديرات فإن «ما بين 40 إلى 70% من حجم أجسامنا: يتحدد عبر الجينات. وعلاوة على ذلك، فإن عملية الأيض كذلك -وهي عنصر رئيس في تنظيم الوزن- يحددها إلى حد كبير تركيبنا الجيني».
ومن جهة أخرى فإن «الجسد يثور ضد فقدان الوزن غير الطبيعي، ومن ثمّ فإن اتباع نظام غذائي [قد يكون] المحفز الرئيس للشراهة في تناول الطعام»، ولذا يقول أحد المختصين في اضطرابات الأكل: «أفضل طريقة لزيادة الوزن هي التخسيس!»، لأن التجويع الطوعي واتباع حمية غذائية صارمة كثيرًا ما تؤدي إلى «نهم في الأكل»، فلا يمكن الاستهانة بآليات الدفاع الفسيولوجي ضد القمع الخارجي، ولا التقليل من عمق الرغبة بالطعام، تقول لويز فوكسكروفت: «عندما يخبرنا العلم أن غريزة أجسامنا الأساسية لتخزين السعرات الحرارية أقوى من غريزتنا الجنسية فعلينا أن ندرك أن اتباع نظام غذائي هو عملية أكثر تعقيدًا مما قد تبدو عليه!».
هذا غير مقنع؟ لابأس، أثبتت تريسي مان وزملاؤها في مراجعة شاملة ودقيقة لنتائج الأبحاث التي أجريت على المدى الطويل بشأن فاعلية اتباع نظام غذائي لعلاج السمن أن الغالبية العظمى من المشاركين استعادوا وزنهم الذي فقدوه مرة أخرى، بل إن نسبة تتراوح ما بين الثلث إلى الثلثين منهم زاد وزنهم عن ما كان عليه قبل اتباع الحمية!، وهذه النتائج تتفق مع دراسة حديثة واسعة النطاق شملت 278,000 شخص ووجدت أن الوزن المفقود عاد خلال 5 سنوات، فقد «تنجح أي خطة لإنقاص الوزن تقريبًا على المدى القصير، إلا أن ما يقرب من 95% من متبعي الحميات الغذائية سيستعيدون الوزن على المدى الطويل».
زد على ذلك ما ثبت من أن فقدان الوزن قد يؤدي في الواقع إلى تفاقم المشاكل الصحية، وأن تذبذب الوزن صعودًا وانخفاضًا (بسبب اتباع الحميات، والفشل الحتمي الناتج عن الصعوبة البالغة التي تقترب من الاستحالة بفقد الوزن على نحو دائم) يرتبط -أجارك الله- بأمراض القلب والأوعية الدموية واحتشاء عضلة القلب والسكتة الدماغية والسكري وارتفاع ضغط الدم وضعف المناعة.
فمن السهل على صاحب الجسم النحيف أو تاجر الحمية أن يقوم واعظًا ومذكرًا “البدناء” بخطورة ضعف الإرادة والكسل، ولكنه سيكون حينها عرضةً للوقوع في فخ تبسيط «الدوافع البيولوجية القوية لاستعادة الوزن التي تحدث بعد فقدانه»، وهذه الدوافع (لاسيما المتعلقة بالهرمونات والمؤثرات المعقّدة في عملية الأيض) تشرحها المصادر باستفاضة تفوق قدرتي على الفهم والتلخيص، بالإضافة إلى تأثير العوامل المتعلقة بنمط المعيشة المعاصرة، وأنماط النوم، ونحو ذلك.
وتشير الأبحاث أيضًا إلى ارتباط اتباع نظام غذائي بظهور الاكتئاب والقلق والصورة السلبية للجسد والانشغال الزائد بالطعام (وسائر اضطرابات الأكل)، ولذلك تقول مايز وصاحبتها أن «العواقب السلبية قد تفوق فوائد تقييد تناول الطعام»، وتشبّه لويز فوكسكروفت الانخراط في نظام للحمية بالوقوع في الحبّ؛ «فهو يثير نفس المشاعر: مزيج معقد لا يرحم من الأحاسيس الجسدية والعذاب النفسي للرغبة، ها أنت ذا، تتبع نظامًا غذائيًا وتتوق إلى شيء ما. الطعام هو الرغبة المباشرة، والنحافة هي الهدف الأبعد؛ فأنت تتوق إلى شيئين بعيدين عن متناول اليد. تسهب في الحديث بهوس عن الشيء الذي تحب، وتفكّر فيه مرارًا وتكرارًا، وتناقشه مع الآخرين بلا نهاية، وتقلق بشأنه وتتخيّله.. إنه إحساس لا يختلف عن الحب الرومانسي!».
وترتكز معظم أهداف الحميات المختلفة على مؤشر كتلة الجسم، وقد ظهر لبعض الباحثين أن المبالغة في التعويل على أهمية الوزن وكتلة الجسم يقلل من تعقيدات الصحة، ويغفل السبل الأخرى الموصلة إلى الصحة والتعافي.
(7)
عليك أن لا تنسى أيضًا أن أزمة السمن ليس مشكلة فردية محضة، بل هي نتاج ظروف اجتماعية واقتصادية معينة، «ولا يمكن للأزمات الاجتماعية المؤسسية والمآزق الكبرى أن تعالج على نحو فردي»، وقد بحث المختص في علم الاجتماع الاقتصادي جيراردو أوتيرو في تأثير السياسات النيوليبرالية على انتشار السمن، فبعد تخلي الدول عن إدارة القطاعات الزراعية وحمايتها، وتحميل الفرد لمسؤولية خياراته الحياتية المحدودة، انتهى الحال إلى سيطرة الشركات الكبرى على قطاعات التغذية التي يعنيها مراكمة الأرباح، وتعقّدت الطرق نحو الغذاء الجيد، «فمعظم الأفراد لا يملكون خيار تناول الأغذية الصحية عالية الجودة، لعدم قدرتهم على تحمل تكاليفها، وعدم توفر الوقت الكافي لإعداد طعام صحي»، وتوصل أوتيرو إلى أن «الديناميكيات القوية التي تشكّل النظام الغذائي النيوليبرالي لا يمكن تغييرها بشكل فردي، وإنما يجب إحداث تغيير هيكلي حقيقي يتطلب جهودًا جماعية».
(8)
تميل الكتابات النسوية إلى اعتبار السِمَن معاناة خاصة بالنساء، تفرض عليهن قيودًا شاقة وتثقل كواهلن بالتزامات اجتماعية مؤرقة، كما روّجت لذلك المحللة النفسية سوزي أورباخ عام 1979م كتابها المعنون «السِمَن قضية نسوية fat is a feminist issue»، وهذا صحيح جزئيًا بالنظر إلى تاريخ تطور الملابس الأوروبية مثلًا، فضلًا عن أزمة الجمال واللياقة في القرن العشرين كما سأشير بعد قليل.
اشتهر ارتداء المُخَصِّرأو مشدّ الخصر (Corset) وتضييق الملابس للنساء في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وكان الهدف منه الحد من زيادة الوزن والسِمَن، والاعتقاد بأن التقييد القسري الخارجي يؤثر إيجابًا على تنحيف محيط البدن، وقد استعمل المشد الرجال البدناء أيضًا. ومن أشهر من ارتدين المشد الملكة مارغريت، فبعد أن «أصبحت سمينة بشكل مروع»، اضطرت إلى وضع إطار فولاذ أبيض على جانبي جسدها، ويشير فيجاريلو إلى أن هذه الممارسة انتشرت في العقود الأخيرة من القرن السادس عشر بين نساء الطبقة العليا اللاتي كن يسعين للحصول على «خصر مشدود»، وهذا ما دوّنه بعض الكتّاب الذي زاروا فرنسا عام 1577م حيث كتب في ملاحظاته أن لدى النساء «مشد أو قميص قصير يسمونه “كورس بيكيه” يجعل خصورهن خفيفة ورشيقة». لاحقًا وبسبب عوامل متعددة انتشر رفض هذه الممارسة المؤلمة أحيانًا، فمنذ سبعينيات القرن التاسع عشر فصاعدًا كما يقدّر بيتر ستيرنز ظهرت موضة جديدة تقترح التخلّص من المشدات والإبقاء على مظهر الجسد الطبيعي. ومع ذلك لا تزال العديد من المشدات بأنواعها شائعة حتى الآن.
وهذا الاهتمام الأنثوي الشديد بالنحافة ارتبط بظاهرة حديثة بالكاد يشير إليها الباحثين، مع أهميتها الكبيرة، وهي تزايد تعرية البدن، وقد لاحظ المؤرخ فيجاريلو أن التعري الذي بدأ بالبروز «في نهاية القرن التاسع عشر يحرض على الانتباه إلى السمن»، وينبّه جيل ليبوفيتسكي إلى الدور المهم لظهور أنشطة الشاطئ (خلال صيف عام 2015 ظهر إعلان في إحدى محطات مترو أنفاق لندن تظهر فيه امرأة شابة نحيفة ترتدي البيكيني، وقد كتب فوقها: “هل أنتِ مستعدة للجسد الشاطئي beach body؟”)، ويضيف ليبوفيتسكي صيحة الرياضات التي كانت البوابة الأولى لتعري الرجال والنساء في الفضاءات العامة بدعوى الضرورة الرياضية.
ومما يؤكد تأثير التعري في تنامي الشعور الهوسي إزاء صورة الجسد ما توصلت إلى بعض الدراسات التي رصدت ما تسميه «صورة الجسم الموسمية»، حيث تبين أن عدم الرضا عن الجسد يكون في أقوى حالاته خلال فصل الصيف، ويتراجع هذا الشعور بوضوح خلال فصل الشتاء، والسبب يعود كما لا يخفى إلى مستوى التعري الذي يكون عادةً في الصيف.
(9)
هل هناك بالفعل تحيزًا اجتماعيًا ضد البدناء؟ نعم، بحسب إريك سميث فإن الرجال والنساء “البدناء” يمنحون أجورًا أقل مقارنة بنظرائهم «ذوي الوزن الطبيعي»، بل إن نسبة أجور البدينات أقل من 14.6% من نظرائهن «ذوات الوزن الطبيعي»، وفي المملكة المتحدة أقرّ 45% من 1000 صاحب عمل شملهم الاستطلاع أنهم كانوا أقل ميلًا للتوظيف في مرحلة المقابلة الشخصية إذا كان المتقدم للوظيفة «بدينًا»!
وهذا التحيز يندرج ضمن ما يسمى التحيز على أساس المظهر lookism، أو التحيز إلى الجمال beauty prejudice كما تشير نانسي اتكو في كتابها «البقاء للأجمل»، وتقول إن هذا التحيز «من أكثر التحيزات انتشارًا وأغزرها إنكارًا، لأن الناس يحبون الاعتقاد بأن المظهر لا يهم، لكن كل مدير في مجال التسويق يعلم أن التغليف والصورة لا يقل أهمية عن المنتج، إن لم يكن أكثر أهمية!»، فالجمال الظاهر ميزة في جميع مجالات الحياة، وبرغم المزاعم الشائعة عن “الجمال في عين الناظر” إلا أن «معظم العيون تنظر إلى الجمال بنحو متشابه، فبعض الأشخاص يُنظر إليهم دومًا على أنهم فوق المتوسط أو حتى جميلون، بينما يُنظر إلى البعض الآخر دومًا على أنهم عاديون أو متواضعون» كما يذكر دانييل هامرميش، بل تقرر عالمة النفس جوديث لانغلوا Judith Langlois أننا «نولد مع تفضيلاتنا الجمالية، فحتى الطفل يعرف الجمال عندما يراه، وحين جمعت لانغلوا مئات الشرائح لوجوه الناس وطلبت من البالغين تقييمها من حيث الجاذبية، ثم عرضت هذه الوجوه على الأطفال الرضّع الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاثة وستة أشهر، حدّقوا لفترة أطول بشكل ملحوظ في الوجوه التي قرر الكبار أنها جذابة!».
وفي معظم الدراسات يتمتع الجذابون بميزة إضافية صغيرة إلى متوسطة، كما تتحدث الدراسات عن مساوئ أن تكون أقل من المتوسط في المظهر؛ و«تشير الأدلة إلى أن عقوبة القبح قد تكون أكبر من مكافأة الجمال!»، وتذكر اتكو أن الجميل من المرجح -وفقًا للأبحاث- أن يفلت من العقاب على السرقة من المتاجر أو الغش في الامتحانات أو حتى عند ارتكابه جرائم خطيرة، وهو أقل عرضة للإبلاغ عنه، فلا ينظر إليه عادةً بعين الريبة، وحين يبلغ عنه، فمن غير المرجح أن يتهم أو يعاقب!
ويتحدث دانييل هامرميش (المختص في اقتصاد الجمال) عن نجاح الجميل وسعادته بالمقارنة مع غيره طبقًا لدراسات وإحصاءات كثيرة، وفيما يخص الدخل والثروة فتظهر البيانات في الولايات المتحدة أن الجميل من الرجال والنساء يكسب أكثر من ذوي المظهر فوق المتوسط (يشير البعض إلى أن “علاوة الجمال beauty premium” الإجمالية للنساء الجميلات 12%، بينما تبلغ هذه العلاوة 17% للرجال الجميلين)، وأن الدميم يكسب أقل من ذوي المظهر العادي، وأشارت الأبحاث التي أجريت في أستراليا؛ وكندا؛ وشنغهاي، الصين؛ وكوريا؛ والمملكة المتحدة إلى نتائج مقاربة، يكتب هامرميش: «في معظم هذه البلدان، يكافأ الجميل، ويعاقب الدميم، حتى بعد حساب مجموعة كبيرة ومتنوعة من العوامل الأخرى التي تؤثر على الدخل».
وإذا عرفت ذلك أمكنك التعاطف مع حديث تولستوي في بعض رواياته المشوب بسيرته وتجربته الذاتية، حيث كتب على لسان بعض الشخصيات: «كثيرًا ما كانت تنتابني لحظات من اليأس؛ كنت أتخيّل عدم وجود سعادة لإنسان على وجه الأرض له مثل هذا الأنف الواسع والشفتين الغليظتين، ومثل هاتين العينين الرماديتين، وكنت أتوسل الى الله أن يصنع معجزة ليحيلني جميلًا، على أن أقدم كل ما أملكه في حاضري، وما يمكن أن أملكه في المستقبل في مقابل وجه جميل!».
ثم بعد ذلك كله، فقد ظهر أن «وزن» المرأة يؤثر كثيرًا في مساراتها الحياتية، فمقارنة بنظيراتها الأكثر وزنًا؛ فإن النساء النحيفات أكثر عرضة للزواج والارتباط بشركاء أثرى، وأعلى تعليمًا وأطول قامة.
(10)
والذي يبدو أن هذا التحيز ضد السمن بدعة جديدة ففي دراسة الباحث بيتر براون التي استند فيها إلى مجموعة كبيرة من البيانات الأنثروبولوجية والمعلومات الإثنوغرافية المتوفرة عن أكثر من 300 مجتمع توصل إلى أن «الرغبة في السِمَن أو “الامتلاء” موجودة في 81 % من المجتمعات البشرية» التي نمتلك معلومات بشأن تفضيلاتها، وهذه نسبة ساحقة كما ترى (أقدم المنحوتات البشرية المكتشفة تمثال Hohle Fels Venus، وهو تمثال أنثوي صغير منحوت من عاج الماموث أكتشف في ألمانيا عام 2008، ويقدّر عمره 35,000 سنة على الأقل، وهو يصوّر امرأة بدينة)، واقترح براون بعض التعميمات أيضًا منها أن المعايير الثقافية للجمال تقع غالبًا في الحيز المتوسط، فلا يوجد مجتمع -في حدود البيانات المتوفرة- يعتبر السمن المفرط نموذجًا مثاليًا للجمال.
والعرب من جملة تلك المجتمعات، فكانوا -في الجملة- يفضّلون النساء السمينات، فنقل عن ابن شبرمة (ت١٤٤هـ) قوله: «ما لبس الرّجال لباسا أحسن من العربيّة، ولا لبس النّساء لباسًا أحسن من الشّحم»، وعن الأصمعي قال: «العرب تقول: جمال الرّجل الفصاحة، وجمال المرأة الشّحم»، ويقول بعضهم: «السمنة نصف الحسن، وهو يستر كل عيب في المرأة ويبدي محاسنها»، ولذلك قال ابن القيم أن «بعضهم يبالغ حتى يفضل المهازيل على السمان»، ومن طريف ما يذكر هنا المقامة التي صنفها الوزير عبد المهيمن الحضرمي (ت٧٤٩هـ) وسماها «مقامة الافتخار بين العشر الجوار»، ومنهن مناظرة بين سمينة ونحيفة أو رقيقة كما يعبّر، ومما جاء فيها على لسان السمينة مخاطبة صاحبتها: «أين هذه المسفولة الصوت، الواقفة بين ميدان الحياة وميدان الموت، المنفوضة اللحم، التي حُرّم عليها كما حُرّم على بني إسرائيل الشحم، المنغصة العيش، الكثيرة الطيش، النحيلة من غير علّة، الهزيلة من غير قلّة، كفي يا مسقومة عني هذه الغرارة، واعلمي أن على جسمي من الزينة نضارة، أقتنص بها القلوب من غير حيلة ولا إدارة…الخ»، فأجابت الرقيقة: «يا من حضر في مجلسنا، ولاذ بأنسنا، أسمعت مقالة هذه العاهة، وما ظهر منها من قلة النزاهة، هذه التي تفتح فمها مثل التمساح، وتبلع القرع وتخرجها صحاح، قلبها بالعلف هائم، كما تفعل البهائم»، ثم قالت: «وما حيلتُك أيتها العاهة إذا جاوزتِ الأربعين، وأتتك العلل بجيش ظاهر غير كمين، وقد تدلَّت منكِ الحواصل، وهجرك الصديق المواصل، وتكمَّشت منك الحلاقم، وتفرقت على أعضائك البلاغم، وتعطَّلت منك القوائم، فلا تتحركين إلا بعجلة ودعائم!». وتأمّل ما ورد فيها يقرّب لك شيئًا من تصورات المخيال الجماعي للمجتمع الإسلامي إبان القرن الثامن الهجري.
ومما ورد في بعض نسخ ألف ليلة وليلة، مناظرة جرت سمينة وهزيلة، لا تخلو من سخف ماجن وسفول ركيك، وفيها تقول الهزيلة: «الحمد لله الذي خلقني فأحسنني، وجعل وصلي غاية المطلوب، وشبَّهني بالغصن الذي تميل إليه القلوب، فإن قمتُ قمتُ خفيفةً، وإن جلستُ جلستُ ظريفة؛ فأنا خفيفة الروح عند المزاح، طيبة النفس من الارتياح، وما رأيت أحدًا وصف حبيبه فقال: حبيبي قدر الفيل، ولا مثل الجبل العريض الطويل… إنْ مازَحَكِ أحدٌ غضبتِ، وإن لاعَبَكِ حزنتِ، فإنْ غنجتِ شخرتِ، وإنْ مشيتِ لهثتِ!».
ومن ألطف ما يشير إلى أن السمن من علامات الحسن عند الأوائل أنهم يسمون حسن المظهر: (جميلًا)، وأصله من الجَمِيل وهو الشحم المذاب كما يقول ابن دريد في الاشتقاق وابن قتيبة، وقال ابن فارس: «يراد أن ماء السمن يجري في وجهه».
وقد تفاقم الولع بالسمن في القرون المتأخرة، كما نقلت في مقالة سابقة، ولأجل ذلك نصّ فقهاء الحنفية رحمه الله أن من «رأى نصرانية سمينة، فتمنى أن يكون هو نصرانيًا حتى يتزوجها فإنه يكفر بذلك» والعياذ بالله.
واستمر الأمر على هذه الحال في بعض بلاد العرب حتى زمن قريب، فكتب عباس العقاد مرةً ساخطًا: «أصبح جمل المحمل و(التختروان) مثال الحسن المطلوب في النساء: تعلو المرأة السمينة وتهبط في مشيتها وما تنتقل شبراً في أقل من خطوتين، والمقرظون من حولها يهللون ويكبرون، ويباركون الخلاق العظيم، ويعوذون هذا الجِرْم الذي لا تمضي فيه السيوف من لحظات العيون، ومن حسد الحاسدين!».
والأهم ملاحظة أن معظم المديح للسمن للنساء وحتى للرجال في القديم في الشرق والغرب لا يراد به البدانة المفرطة كما يصف العقاد، وإنما المراد غالبًا السمن والامتلاء المضاد للنحول والهزال، وليس الضخامة الزائدة، وممن أشار إلى ذلك بالنسبة للتاريخ الغربي جورج فيجاريلو.
ويفسّر بيتر براون هذا التباين بين الثقافات القديمة والحديثة في شأن السمن تفسيرًا بارعًا بالنظر إلى البيئة المحيطة وسياقاتها، فـ«المُثُل الأمريكية للنحافة تظهر في بيئة يسهل فيها السمن، ويقع تفضيل الامتلاء في البيئات التي يسهل فيها الحفاظ على النحافة [كالبيئة العربية القديمة]، ويتطلب الأمر في كل السياقين جهدًا فرديًا وموارد اقتصادية؛ وعلاوة على ذلك، ينطوي كل منهما -في سياقه- على عرض للثروة».
ويبقى الآن تفسير ظهور النسخ المتطرفة إما في السمنة كما مضى، أو النحافة كما هو الحال الآن، فإذا أخذنا مقاييس عارضات الأزياء والمرشحات للقب ملكة جمال أمريكا كمثال، سنجد أنه في العشرينيات كان متوسط طول ملكات الجمال ۱٫۷۳ متر بوزن ٦٣ كيلو، وفى عام ١٩٥٤م كان متوسط طول المتسابقات يبلغ ۱٫۷۱ متر ووزنهن 50 كيلو تقريبًا، ثم بين عامي ۱۹۸۰ و۱۹۸۳م بلغ وزن إحدى المتسابقات التي طولها ١٧٦: ٥٣ كيلو فقط، وفي دراسة روبنشتاين وكاباليرو (2000م) التي رصدت أطوال الفائزات في مسابقة ملكة جمال أمريكا وأوزانهن من عام 1922 إلى 1999م، تبيّن أن مؤشر كتلة الجسم (BMI هو ناتج قسمة الوزن على مربع الطول بالمتر: كجم/متر2) كان في العشرينيات يقع ضمن النطاق الذي يعتبر طبيعيًا (بين 20 و25)، ثم انخفض تدريجيًا حتى وصل في الثمانينيات عند بعضهن إلى 16.9 (وفقًا لمنظمة الصحة العالمية: 18.5 أو أقل تعتبر نقصًا في التغذية)، وفي حين زاد طول الفائزات في المسابقة بنسبة أقل من 2% طوال هذه العقود، انخفض وزن أجساد الفائزات بنسبة 12%؛ أي بعبارة أسهل: تعتبر الفائزات في العشرينيات بمعايير اليوم «سمينات» بعض الشيء! (عندما سألت مؤخرًا سارة ترينر طالبات الجامعة في الإمارات اتفقن تقريبًا على أن الجسد الجميل هو «thin but curvy» أي النحيل ولكن مع نوع امتلاء في الوسط، وهو ما يعرف بـ«الجسم الكيرفي Curvy body» الذي يشبه الساعة الرملية!).
وتقترح الإناسية ريبيكا بوبينو أن الميول المتطرفة في النحول أو السمن تظهر نتيجة المنافسة وملاحقة التميز الاجتماعي، «فإذا كانت النحافة تحظى بالتقدير الاجتماعي، فإن كونكِ أنحف قليلًا من المرأة الأخرى سيمنحك ميزة، وكذلك الحال في السمن، فإذا بات المظهر الممتلئ جذابًا، فإن زيادة الامتلاء أكثر من امتلاء المرأة في الخيمة المجاورة سيمنحك ميزة»، وتدريجيًا تتصاعد هذه الظواهر إلى حدود قصوى، لأنه «عندما تصبح الأجسام النحيفة جدًا أو السمينة جدًا رموزًا للمكانة، نتجاوز غرائزنا الجمالية الطبيعية لرؤية الجمال المعتدل»، ومع ذلك ترى بوبينو في دراستها المهمة عن تفضيلات سمن النساء لدى بعض القبائل العربية في الصحراء الكبرى ودلالاتها الاجتماعية والثقافية، أنه «لا يمكن لأي ظرف بيئي أو نمط اقتصادي أو بنية سياسية أن تفسّر بشكل كامل ما يجده الناس جميلًا، ومع أن السياق الاجتماعي لا يحدد مُثُل الجمال، إلا أنه يحدد مسبقًا ما الذي يجعل الناس ينزعون إلى بعض الميول الجمالية دون غيرها، ويحدد الإطار الذي يوضع بداخله المثل الأعلى للجمال».
(11)
هذا، وقد طال الحديث وتشعّب، وأرجو أن لا يكون تشعّث أيضًا، وأود أن أختم بالاعتراف أني في أثناء بحثي في التاريخ الثقافي والاجتماعي للسمن كنت ألاحظ مرارًا تجليات متعددة للحتمية البيولوجية، التي تفسد محاولات الاستمتاع الشبق بالحياة في مخيلة المرء المعاصر، أو تكدّرها، وأجد في ذلك نوعًا من العزاء أو السلوى، لا فرحًا ببطلان ملاذّ الغير، وإنما لما في ذلك من عون على التزهّد والتبصّر بحال العالَم.
إن التلذذ بالمطاعم والمشارب المستحسنة من متع الدنيا ولا ريب، وإن الأوفر حظًا فيها هم الأقدر على دفع ثمنها، ولكنها ككل الملاذّ الدنيوية لا تنفك عن آلام سابقة أو لاحقة، كالتخمة وسائر العلل المتولدة عنها مما تعلم، ومن المفارقات أن تجد الغني والفقير على حال واحدة من ترك المشتهيات، ولكن لأسباب مختلفة؛ أما الفقير فيتركها لعدم قدرته على ثمنها، وأما الغني فيتركها إما قسرًا لاتباع توصيات طبيبه، أو طوعًا لاتباع حمية يقي بها بدنه من الآفات، فتأمل مدى الاحتكام والاضطرار القهري الذي يواجهه الإنسان في حياته مهما كان، فإنه -ولا بد- مقهور بحكم القدر البيولوجي، خاضع لمقتضياته، فلا يمكنه التلذذ بلا قيد، فالمطاعم والمشارب والمناكح مهما توفرت للآدمي كمًا وكيفًا فلا يقدر على انتهاك الحد الطبعي فيها، إلا بضررٍ بالغ، ولو كان ذلك المطعوم أو المشروب مباحًا له في أصله، فما بالك بالمحظور شرعًا وطبعًا؟ بل إن من جملة ما يتفاوت به الناس في الثراء هو قدرتهم على تلافي الأضرار الناجمة عن الإفراط في المباهج، فالثري قد يكون بمقدوره التقليل من بعض مخاطر ذلك الإفراط بعقاقير أو غيرها من المعالجات باهظة الثمن، وإن كانت هذه العقاقير لا تخلو -هي الأخرى- من مخاطر، فآل الأمر في النهاية -كما ترى- إلى التفاوت في ضبط المخاطر، بعد أن كان القصد هو اللذة الخالصة! فتأمل هذا الوجه من النقص الإنساني المؤذي الذي لا حيلة لأحد فيه، الداعي أن لا يطمئن العاقل لملاذّ هذه الحياة مهما تجمّلت.
ثم إني أعتذر عن انشغالي بهذه الأبواب التي ليست هي الأَوْلى، وكان الاشتغال بغيرها أحرى وأجدى، ولكني أقول كما قال أسامة بن منقذ (ت584هـ) في بعض تصانيفه:
«أنا أستغفرُ الله عزَّ وجلَّ من اشتغالي عن ذكره بما لا أجتني ثمرة أجره، وأستخلفه أوقاتاً أضعتُها في تصانيف وضعتُها، مع تحققي أنّ الاشتغال بأمور الطاعات أحمد في العاقبة، وأولى بذوي [التقى] والمراقبة؛ غير أن الهوى دعاني فسَمِعتُ، واقتادَني فتَبِعتُ، والله عز وجل المؤمل في مغفرة تُكفّر خطيئتي، وتُجزِل مِن رَحمتهِ عَطِيّتي؛ فَإِنَّهُ غَفُورٌ تَوَابٌ، كَرِيمٌ وَهَّابٌ».
زاد وزني بعد الحجر الصحي أيام وباء كوفيد-١٩ وبعدها قرأت في البيان والتبيين قول أحدهم وقد سجنه الحجاج ثم رآه قد سمن فسأله عن ذلك فقال: القيد والرتعة، فكانوا يلقبون السمين بضيف الأمير لذلك، لعلنا كنا ضيوف كورونا حينها!
بداية أظن انه لا بأس في الاشتغال في أمور الدنيا مما يفيد الناس. و الفائدة في هذا البحث أظهر من أن اصفها. اتمنى رؤية تدويناتك في مواقع لعله يكون لها وصول أكثر و نفع أكثر. مثل هذا المجهود في البحث في تاريخ الظواهر الحديثة مشكور و خصوصا أنه باعتقادي مما يثري مجال البحث و يمنع التكرار لما هو موجود بدون فائدة و تحقيق. شكراً جزيلا على هذا المقال الماتع.
هذا غير صحيح بالمرة! السمنة تضر الجسم و تسبب الكثير من اﻷمراض، أن تأكل فقط ما تريد و عدم التفكير في العواقب يدل على عدم وجود الحكمة! صحيح أن السمنة كانت علامة على القوة و التمكن، و لكنا اﻵن في عصر مختلف… عصر السرعة و الرشاقة.في النهاية، السمنة علامة على الخمول و الكسل و الجهل و التهور و كثرة اﻷكل.
رائع 👏
إعجابLiked by 1 person
من أشمل وأجمل ما قرأت في هذا الباب، مجهود رائع يمتلئ حُسنًا 🙂
والخاتمة معبرة وفيها ذكرى نافعة..
بعد الغوص في هذا المقالة تلح عليّ نفسي بسؤال: ثم ماذا؟!
بوركت جهودكم شيخنا
إعجابLiked by 1 person
سلمك الله💐
إعجابإعجاب
دراسة أكثر من رائعة.. و عظيمة الفائدة.
جزاكم الله خيرا.
إعجابLiked by 1 person
وإياكم
إعجابإعجاب
مبدع أستاذ عبدالله.
إعجابLiked by 1 person
زاد وزني بعد الحجر الصحي أيام وباء كوفيد-١٩ وبعدها قرأت في البيان والتبيين قول أحدهم وقد سجنه الحجاج ثم رآه قد سمن فسأله عن ذلك فقال: القيد والرتعة، فكانوا يلقبون السمين بضيف الأمير لذلك، لعلنا كنا ضيوف كورونا حينها!
إعجابLiked by 1 person
بداية أظن انه لا بأس في الاشتغال في أمور الدنيا مما يفيد الناس. و الفائدة في هذا البحث أظهر من أن اصفها. اتمنى رؤية تدويناتك في مواقع لعله يكون لها وصول أكثر و نفع أكثر. مثل هذا المجهود في البحث في تاريخ الظواهر الحديثة مشكور و خصوصا أنه باعتقادي مما يثري مجال البحث و يمنع التكرار لما هو موجود بدون فائدة و تحقيق. شكراً جزيلا على هذا المقال الماتع.
إعجابLiked by 1 person
سلمت
إعجابإعجاب
سلمت يمناك
إعجابLiked by 1 person
هذا غير صحيح بالمرة! السمنة تضر الجسم و تسبب الكثير من اﻷمراض، أن تأكل فقط ما تريد و عدم التفكير في العواقب يدل على عدم وجود الحكمة! صحيح أن السمنة كانت علامة على القوة و التمكن، و لكنا اﻵن في عصر مختلف… عصر السرعة و الرشاقة.في النهاية، السمنة علامة على الخمول و الكسل و الجهل و التهور و كثرة اﻷكل.
إعجابإعجاب
جزاك الله يا أستاذ عبد الله، أنا أستفيد جدا وأستمتع بما تكتب. أخوك من كردستان.
إعجابLiked by 1 person