ممسوس بالنار

(1)

كنتُ في مجلس مع بعض أصحابي إبان يفاعتي فجرى الحديث عن العبقرية، فقلت في معرض الكلام العبارة المشتهرة “ليس بين العبقرية والجنون سوى شعرة”، ولم أكن على وعيٍ كافٍ بمعنى هذه المقولة وسياقها، فاعترض أستاذي بنوع انفعال مستهجنًا هذا المعنى، وقال انظر إلى تاريخ علماء الإسلام، من الأئمة الأربعة، والثوري والغزالي وابن عبدالبر وابن حزم وابن دقيق العيد والرازي وابن تيمية وغيرهم كثير؛ هل ترى فيهم مختلًا أو مجنونًا؟. ثم تركنا هذا الموضوع إلى غيره، لكني منذ ذلك الحين كلما مرّ بي حديث عن “العبقرية” أتذكر تلك المحادثة.

وقد عرفتُ مؤخرًا أن العبارة التي ذكرتها آنفًا هي من قول الروائية الفرنسية أمانتين دوبين (ت1876م) الشهيرة باسمها المستعار “جورج ساند”، وأن العبقرية كمفهوم يشار به إلى الفرد صاحب الموهبة النادرة والفائقة حديث النشأة، وأن الربط بين العبقرية والجنون برز مع عصر التنوير في القرن السادس عشر الميلادي.

ثم إني نظرت في الأيام الماضية في كتاب الطبيبة النفسية كاي جايمسون “ممسوس بالنار- الهوس الاكتئابي والأمزجة الفنية” الصادر مؤخرًا عن دار جداول 2022م، وفيه تناقش المؤلفة هذه العلاقة الشائكة بين الاضطراب النفسي والإبداع الفني، وتقرر «أن الهوس الاكتئابي، والاكتئاب، والانتحار تتوافر بنسبة أعلى من المتوقع بين الكّتاب والفنانين، وهي النسبة المتفاوتة والمثيرة للاهتمام التي يتطلب شرحها»، وهذه النتيجة تواردت عليها دراسات غزيرة في العقود الماضية، منها دراسة بارزة قادها السويدي كاياجا سيمون (Kayga Simon 2011)، والتي امتدت مدة 30 سنة وشملت 300 ألف مصاب باضطراب ثنائي القطب أو أقارب سليمين من الدرجة الأولى لمرضى بالفصام، وخلصت إلى أن “مرضى اضطراب المزاج ثنائي القطب -وكذلك أقارب مرضى الفصام ممن لم يصابوا به- يتمتّعون بذكاء وإنتاجية ومستوى وظيفي أعلى من المجموعة «السويّة» أو المعدل الوطني“.

(2)

وأصحاب هذا الاتجاه حاولوا تفسير هذه العلاقة بين الاكتئاب والهوس والإبداع الفني، فذهب بعضهم إلى أن التأملات والملاحظات التي تتولد في نوبات الاكتئاب الخفيف أقرب «للواقع» من حالات المزاج العادية، لأن الإنسان العادي يعيش في حالات إنكار وتوهمات غزيرة في حياته اليومية، لأن «البشر لا يستطيعون تحمّل الواقعية الصرفة» كما يقول توماس إليوت (ت 1965م)، فالاكتئاب كما تشير جايمسون “مرض يجبر الإنسان على التوقف وتأمل حياته، والنظر إلى أعماقه نظرة وجودية مليئة بالتساؤلات عن ماهية الحياة والهدف من الوجود”، وهذه النظرة تساعد الفنان على تقديم رؤى عميقة، وتمنحه إمكانيات وتبصرات مدهشة، وربما تدفعه إلى العمل الفني للهروب من تعاسة الكآبة، أو انفعالًا بموجة الهوس، ويعبّر عن ذلك الشاعر أنطونيو أرتود بقوله: «لا يوجد مبدع كتب أو رسم أو نحت أو اكتشف أي شيء إلا بدافع الخروج من تجربة مؤلمة!».

فالآلام والكآبة تتدخل في تغيير رؤية الفرد لذاته وللعالم، كتب الروائي الأمريكي هرمان ملفيل (ت1891م): «تضيء نار الحزن المشتعلة أعماقنا لنتمكن من رؤية الأشياء على حقيقتها، وحتى إن شفينا وانطفأت نار الحزن، فإننا لا يمكن أن ننخدع مجددًا بظاهر الأمور لأننا لمسنا جوهرها من قبل»، وهذا المزاج السوداوي كان يحظى بمكانة خاصة لدى الرومانتيكيين، ومن تأثر بهم من التيارات الفنية والأدبية الأحدث في القرن العشرين، حتى قالت الشاعرة الأمريكية آني سكستون (ت1974م) أنه لا بد للفنان من «أن يعيش الألم، لا أن يتجنّبه»، في نوع من المازوخية الفنية، التي تتوسل بالمعاناة لأجل بلوغ المزاج الإبداعي.

ولأجل ذلك حين قيل للفنان النرويجي إدوارد مونش (ت1944م) المشهور بلوحته “الصرخة” أن يسعى للعلاج بسبب اضطراباته النفسية قال: «إنها جزء من فني، ولا يمكن تمييزها عني، وقد يدمّر [العلاج] فنّي.. أفضّل الاحتفاظ بتلك المصاعب»، وهذا اعتقاد شائع –كما تشير جايمسون- لدى الكتاب والفنانين، وتفاقمت هذه النزعة ضد العلاج بسبب الآثار الجانبية لأدوية الاكتئاب والفصام ونحوها كالليثيوم وغيره، ودورها في التثبيط الذهني والتباطؤ الإدراكي، وتخفيف الانفعالات والاستثارة.

(3)

هذا التصوّر قاد البعض للحديث عن “ثمن العبقرية” أو (ثمن العظمة The Price of Greatness: Resolving the Creativity and Madness Controversy) وهو عنوان كتاب هام لأنولد لودفيج، وكأن من شرط الإبداع والموهبة المتفردة الشطح العقلي والاختلال النفسي، وشاع هذا حتى في الكتابات العربية في الصحافة والنقد، وقد اطلعت على بعض الكتّاب وهو يشير إلى ما حكي عن أبي نصر الجوهري الإمام اللغوي المعروف، فقد قالوا في ترجمته أنه “اعترته وسوسة، وانتقل إلى الجامع القديم بنيسابور، فصعد إلى سطحه وقال: أيها الناس، إني قد عملت في الدنيا شيئًا لم يغلب عليّ، فسأعمل في الآخرة أمراً لم أسبق إليه. وضمّ إلى جنبيه مصراعي باب، وشدهما بخيط، وصعد مكانًا عاليًا، وزعم أنه يطير، فوقع فمات”، وكان ذلك عام 393هـ رحمه الله، فيعلّق صاحبنا بالقول أن هذا هو ثمن العبقرية!

(4)

لا يمكن الاستسلام لهذا التصور المتطرف في ظني الذي يربط –بطرق غير مقنعة ومشكوك فيها- الأمراض النفسية بالقدرة الفنية، وهو يغفل الأهمية الكبيرة لـلرغبة الجادة، والتهذيب، والتعقّل المنضبط، والجهد المستمر؛ التي تُعد ضرورية للعمل الإبداعي الحقيقي، وكما قال بعض الباحثين محقًا أنه حتى لو كان الفنان مريضًا أو مختلًا فإن «الجزء المعافى في الشاعر أو الفنان -أيًا كان معنى العافية- هو الجزء الذي يمده بالطاقة للابتكار، والتخطيط، والعمل، وإتمام عمله».

وتشير أبحاث مضادة (انظر هنا نماذج لأبحاث نقدية مفيدة) إلى أن أدلة الربط بين الإبداع والمرض تعاني من ندرة الأدلة التجريبية، والتعويل على البيانات الانتقائية، وعدم التجانس في أنواع الأمراض العقلية، وغير ذلك من المشكلات المنهجية.

ثم إن النوابغ من الموصوفين بالإبداع يتمتعون –كما تشير بعض الدراسات- بمستويات عالية من قوة الأنا والاكتفاء الذاتي، وهذا يساعدهم على ضبط أفكارهم وتنظيم انفعالاتهم، بدرجة أكثر مما سواهم، ولأجل ذلك فإن “الأفراد الذين حققوا سمعة إبداعية في مجالاتهم لم يكونوا يعملون في ذروة مستويات الإنتاجية عندما وصلوا إلى مستوى المرض العقلي الحاد”، ربما باستثناء الرسام الهولندي فان جوخ (ت1890م) ونماذج نادرة مشابهة.

ولذا يصرّح أحد الباحثين برفض هذه “الأسطورة” التي تجمع بين الفن والمرض، ويقول: «بغض النظر عن كيفية تعريفنا للإبداع، ناهيك عن العبقرية… فإن الحقيقة البسيطة للأمر هي أن الغالبية العظمى من المبدعين ليسوا مرضى عقليًا، والأهم من ذلك أن الغالبية العظمى ممن يعانون من المرض النفسي ليسوا عباقرة»، بل يرى أن «الإبداع مرتبط بالصحة العقلية، وأن الخيال الإبداعي والتعبير هو السمة المميزة لشخص منظم جيدًا، ويعمل بكامل طاقته». وهذا أصح رأيًا وأجود مذهبًا، فإننا نرى في الواقع والتاريخ ألوف النوابغ من كل لون وصنف، وليس من بينهم من يوصف بالاختلال أو الجنون إلا القلة أو الندرة.


في النهاية كانت الحكاية

يحكي عالم النفس الأمريكي براين ليتل (Brian R. Little) عن تغيّر لحظه في طريقة تدريسه مع تقدمه في السن، يقول: «أنا الآن في مرحلة من مساري المهني الأكاديمي … أسميها مرحلة “سرد النوادر Anecdotage“؛ أحد أعراضها هو الميل الذي لا يمكن كبته إلى سرد القصص، التي تكون أحيانًا وليس طوال الوقت مرتبطة بالسياق القائم، وذلك … متابعة قراءة في النهاية كانت الحكاية

في مديح قوائم الكتب

«إن من سينتخب من فوضى قوائمنا الحديثة “أسوء مئة كتاب” سيسدي لجيل الشباب معروفًا حقيقيًا ودائمًا» أوسكار وايلد (ت1900م)  (1) وُلِد العلّامة موفق الدين عبداللطيف بن يوسف البغدادي (ت629هـ) رحمه الله بدار جدّه في بغداد، واشتغل بحفظ القرآن في صغره ورواية الحديث، ودرس العربية، ثم اتسع طلبه لعلوم الشريعة فنظر في الفقه وعلوم القرآن وغيرها، … متابعة قراءة في مديح قوائم الكتب

الأصابع المبصرة

«لقد اكتشفتُ أن العين -من بين جميع الحواسّ- لها النصيب الأعظم من الضحالة، وأن السمع هو أكثر ما يُفتخر به، وأن الشمّ هو أكثرها شبقًا، والتذوّق أكثرها تطيّرًا وتلوّنًا، أما اللمْس فهي الحاسّة الأعمق والأكثر تفلسفًا» الفيلسوف الفرنسي دنیس دیدرو (ت1784م)  (1) ربما يبدو لك استنتاج ديدرو -في الاقتباس أعلاه- متطرّفًا، ولا بد لفهمه من … متابعة قراءة الأصابع المبصرة

9 رأي حول “ممسوس بالنار

  1. مقال ماتع غني .. جزيت خيرا كثيرا
    لكني ما زلت أعتقد أن للفنانين أو الكتاب أمزجة متفردة غريبة سواء كانت اثناء التحضير للدخول في جو العمل الإبداعي أو أثناءه أو بعده..
    وما زلنا عندما تقبض علينا الدهشة إزاء اكتشاف عمل فني بديع لا نستطيع إلا أن نقول ولو سرا عن صاحب العمل “مجنون” وإن كان ذلك النوع الجميل من الجنون الذي يحتاج إلى التحليق خارج حدود المعقول والطبيعي حتى يكون!

    Liked by 1 person

  2. مقال ممسوس بالنار 👌
    النظرة الموزونة التي ختمت بها وقدمتها كثل الحلو بعد الوجبة الدسمة لا تعطي إلا وجها أكاديميا للحياة ومشكلة الأكاديميا والدراسات الواقعية التجريبية أن العوامل التي تدخل في اختيار الشريحة أو التي يتحقق بها الربط أو الفصل بين العبقرية والجنون لا تتوافر بوضوح..
    أما الانطباع فهو سريع الحكم بغض النظر عن الواقع الحقيقي..

    وأظن أنه فات المقال شيء واحد فقط هو الفارق بين التميز والعبقرية وبين العادي وفوق العادي ما يزال مرهونا بأدوات عادية للأول وآليات غير عادية للثاني.

    دام قلمك وعبقريتك 🌹

    Liked by 1 person

  3. أرى أنَّ الإبداع والعبقرية مرتبطة بالفوضى، وهذا ما هو عليه غالب المرضى العقليين، فوضى داخلية.
    قد يكون منشأ الإبداع فوضاهم الداخلية؛ إذ تعمل اليدين -بشكل ما- على تفنيد هذه الفوضى المعنوية بطريقة حسية.

    إعجاب

    1. لا أتفق مع ذلك، الحقيقة أن جوهر الإبداع الفني مرهون بتحويل بإخضاع التجربة لصلابة النظام اللغوي أو التعبيري عمومًا، ولذا فالاندفاع العاطفي والتعويل على مجرد الانفعالات يضعف المنتج الفني كما أشار أرشيبالد مكليش في كتابه المفيد “الشعر والتجربة”. شكرً لك.

      إعجاب

  4. حينما اعزم على قراءة احد مقالاتكم، بعد النظر للعنوان، أكون مستعد للمغامرة.. كأني سأسافر؛ وهذا السفر فيه من المفاجآت ما قد لا اتصوّره..

    ثم أترك المجال لنفسي بين النصوص والأفكار، اصطدم بها تارة، وأُسرّ بها تارة أخرى، وأقِف موقف الحياد.. وتطير عيني بتتبع ومواصلة لموضع ترجيحكم ونظرتك للموضوع!
    شكرًا لكل هذا الثراء، وشكرًا لله أن ألهمك هذا
    وأوصل لنا هذا النور عن طريقك.

    Liked by 1 person

  5. بارك الله فيكم استاذ عبدالله.. بالنسبة لمقالة ممسوس بالنار.. لعله يدخل في هذا الموضوع إكبار بعض الصوفية للدراويش والمختلين عقليا.. وأن لهم منازل في الولاية والكرامة.. ويخرج من أقوالهم حكم عظيمة.. لاتخرج من العقلاء

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s