العرنجية – أحمد الغامدي

كنت أسرّ لبعض خاصتي بانزعاجي من طغيان أساليب اللغات الأجنبية وأولها الانقليزية على ما أكتبه أو أقوله، وقد ألزمت نفسي بأن لا أنقطع من مداومة النظر كل يوم في بعض كتب المتقدمين في أي فن كان، لأستبقي شيئًا من روح البلاغة ونفس العربية النقية، ولأجل ذلك فرحت بنشر هذا الكتاب الجميل، وغاية مؤلفه بيان فساد ما يسمى بـ(الفصحى المعاصرة)، وشدة تباعدها عن أساليب العربية وبيانها، وسماها (عرنجية) لأنها عربية الظاهر أفرنجية الباطن، وقد كان مبدأ فسادها -كما يقدّر- منذ عام 1250هـ على التقريب.

وقد افتتح الكتاب بتمهيدات تبين معنى العربية الفصيحة، وتظهر ثباتها مع تطاول الزمان، ثم يفنّد فساد الذوق والاستئناس بالعجمة، وقول من زعم أن هذه (العرنجية) مناسبة لأحوال العصر، وأنها من تجديد اللغة وإحيائها. ثم شرع في بيان مواطن التفرنج الشاسعة في ثلاثة أبواب:

الأول في النحو والصرف: ومن أمثلته إقحام حرف الجر على ظرف الزمان (لمدة يومين)، وكذا عجمة التعبير عن حروف المعاني، كقولهم (إلى درجة كذا) بدلا من حتى، أو (بالرغم من) بدلا من على، و(ففي حال كذا) بدلا عن إذا وإن، وكثرة استعمال تجاه أو نحو، كقولهم (يظهر الرحمة نحو كذا)، واستعمال (من خلال وعبر) محل الباء، و(ضد) محل على…الخ.

ثم أورد فصلًا جيدًا عن أثر الترجمات في إماتة بعض الأساليب أو إشهارها أو تغليبها، كخمول استعمال النعت السببي مثل (الطهور ماؤه) لندرته في لغة الفرنجة، والإسراف في استعمال السين وسوف للاستقبال، لكثرته عند القوم، وكذا وفرة استعمال (فقط) في الحصر ومجافاة صوغ الجملة بـ(إلا أو إنما).

وفي الصرف كثر العدول عن الفعل كمثل (قسا قلبه) إلى خبر كان وأخواتها (أصبح قلبه قاسيا)، ومثلها أفعال الأمر، وكذلك صيغ التفضيل، فيتركون الأعلم والأجمل إلى (الأكثر جمالا والأكثر علما)، ومثله صيغ التعدية كنوّم وبكّى، فلا نظير لها في الانقليزية، فتراهم يقولون: جعله ينام، جعله يبكي.

الثاني: الألفاظ أو متن اللغة: وهذا باب واسع، كقولهم التعليمات، والايجابيات، والسلبيات، والمراهق، والجنس، والحميمية، والاستثنائي، وتنعكس، ومستوى العيش، والموقف، والمحافظ، والتيارات، ونقطة تحول، والنشاط الأدبي، والانطباع الأول، والقيم، وبالتالي، ويتبنى كذا، ودراسة حول كذا، والسيدة، وجهود، وفقد السيطرة، وفقد الاهتمام، وتحديات، ووفقا لكذا، والسلام الداخلي..الخ.

الثالث: الأساليب: وهذا باب كبير لا يمكن اختصاره هنا، ولا بد لمن أراد أن يطالعه في موضعه من الكتاب، وقد سرد المؤلف قطعا لبعض الكتاب المعاصرين ثم ترجمها إلى الانقليزية وأظهر أنها كالترجمة الحرفية، أي أن جملة من الكتاب يتصورون المعاني بالانقليزية ثم يكتبون هذه المعاني بأساليبها وتراكيبها الأجنبية بمفردات عربية، وكنت أجزم بذلك كما يجزم به كثيرون لكن لم أجد من دلل عليه وكشف النقاب عنه بإسهاب إلا عند مطالعتي لهذا الكتاب.

ثم ختم المؤلف بنصيحة لتقويم اللسان لعامة الكتبة، وأخرى للمترجمين، واقترح لهم طريقة فذة لتحسين ترجماتهم، وذلك بأن ينظروا في الترجمات عن العربية ثم يقارنوا بالاصل، ويحسنوا عملهم حتى تتحصّل لهم المَلَكَة، ومثاله أن يقرأ في ترجمة روزنتال مثلًا لمقدمة ابن خلدون، ثم ينظر في قطعة منه ويتصور ألفاظها وتركيبها بالعربية، ثم يعود فينظر لكلام ابن خلدون الأصل، فيصحح ما تصوره ويهذبه، وهكذا.

وقد صنع المؤلف مع بعض أصحابه موقعا رائقًا على الشبكة اسمه (الرصائف) وهو يسهل على المترجم إيجاد المرادفات بنفس الطريقة المذكورة فيدله على نظائر المفردات الإنجليزية في الكتب التي ترجمت، وهو عمل بديع، ليته يجد من يعتني به وينميه، بل ويحول مادته ويدرجها في مناهج الترجمة وقاعات تدريسها في الأكاديميات العربية.

ووددت لو كتب على غرار هذا الكتاب بارع في الفرنسية، وكتاب ثالث من متمكن في الألمانية، ورابع في الأسبانية، وكل منهم يجعل همته النظر إلى المادة الأعجمية التي يبرع فيها ويبحث في كيفيات دخولها واستعمالها وآثارها في اللغة العربية المعاصرة.

رأيان حول “العرنجية – أحمد الغامدي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s