يوميات بافيزي وكراهية الأنثى

سيجيئ الموت وستكون له عيناكِ” كان هذا مطلع القصيدة الأخيرة التي كتبها الشاعر والروائي الإيطالي تشيزاري بافيزي بعد أن هجرته صديقته الممثلة الأمريكية، لينتحر بعدها في أحد فنادق روما الرخيصة. ترك بافيزي خلفه بضعة روايات وقصائد، وأكوام كآبة، وحفنة أوراق جميلة كان يدوّن فيها يومياته. وطوال اليوميات كنت ألاحظ بوضوح ارتباك شعوره وعواطفه ومزاجه أمام الأنثى، وغيرته المتفجرة. ووقع في وهمي أنه انتحر بأسباب عاطفية ولشدة وطأة الغيرة على قلبه. لست هنا بصدد تحليل شخصيته، بقدر ما لفت نظري عمق طريقته في التعبير عن مزاجه وخواطره، فهو نموذج فريد في الشفافية النفسية، والاعتراف الكاشف، لإنسان رصد بصورة ذاتية تقلباته العاطفية وارتباكاته الروحية إزاء العالم والناس. كتب مرةً:”لا يمكن للمرء أن يفلت من شخصيته: كار للنساء، كنتُ، وما زلتُ، من يصدق ذلك؟“. أنا أصدق إلى حدٍ ما. يمكن فهم مبررات هذه الكراهية للأنثى، فمع عمق الارتباط الوجودي في البنية الإنسانية بين الجنسين، إلا أن هذه الرابطة الوجودية تواجه مآزق نفسية عند نمط من البشر، لاسيما النمط المثالي الانعزالي، عند بعض كبار الفلاسفة، وعظماء الشعراء، وبعض المتدينين لا سيما المسيحيين كما سأشير.للغريزة وطأة شديدة القسوة على بعض النفوس أو أكثرها، كما للدافع الفطري الدفين بالتواصل والحديث مع الآخرين، وإنشاء العلاقة لاسيما مع الجنس الآخر. وتأتي هذه الرغبة الممضة في سياق مناقض جذرياً لرغبات التحرر، والاستقلالية، و”الاكتفاء الذاتي” كما يعبّر بافيزي، فيشتعل صراع عارم بين الدوافع الغريزية والمثالية الأخلاقية أو المزاجية أو التوق للانعتاق الوجودي، فيود الرجل أن يعيش في صيغة مثالية، منفرداً لا يجامل، ولا يضطر للتودد لأي أحد، ولا يذل بالاحتياج. كتب بافيزي بوضوح:”قاعدة العيش البطولية الوحيدة هي أن تكون وحيداً، وحيداً، وحيداً. متى استطعت أن تقضي يوماً واحداً دون أن تفترض أو تشمل في واحد من أفعالك أو أفكارك حضور آخرين فستكون قادراً على وصف نفسك بالبطولي“. بل يشعر بفرح غامر أو خارق بالوحدة، كرر ذلك مراراً في يومياته، يقول مثلاً:”كل مساء، بعد أن ينتهي عملك في المكتب، وتقوم بزيارتك للبار المحلي، ويذهب كل أصحابك إلى منازلهم، يجيء ذلك الفرح الهائج المنعش بكونك وحيداً ثانية. هذا هو الشيء الجيد الحقيقي اليوم“. ومع ذلك فهو لايستطيع عملياً مفارقة كيانه الإنساني ففي داخله الرغبة بأنثى، كتب يعبّر عن ذلك ببلاغة:”بالضبط عكس ما تعلمناه، حين كنا شباباً نحزن على امرأة واحدة، حين نكبر نحزن على النساء عموماً“. ولكنه يريد أنثىً يملكها كما يملك جسده، الموت فقط هو الذي يفرق بينه وبين جسده. يتوق لأن يعتزل بها الوجود كما يعتزل بجسده. يريد أن يشعر بالتحكم الكامل، بالإرادة الناصعة كما يحاولها مع ذاته. ولا يطيق أن يفكر أن هذه الفتاة يمكن يوماً ما أن تتركه لغيره، هذه الفكرة لا تمثل له نزعة غَيْرة عابرة، بل رعب وجودي من نمط الحياة نفسها. كتب في يومياته:”من ليس غيوراً حتى من بنطال عشيقته فهو ليس مغرماً بحق”. بل كانت تلك كوابيس المراهقة بالنسبة له:”الشيء الذي نخافه في السر هو الذي يحدث في الغالب. حين كنت فتى صغيراً كنت أرتعد من التفكير في أنني كنت أحبّ فتاة وأرى آخراً يتزوجها. مرّنت ذهني على هذا التفكير، وها أنت ترى!”. وهذا الفشل المرير في التوفيق بين مثاليات التصورات الخاصة عن شكل العلاقة المفترضة وإكراهات الواقع وقيود الطبيعة -مع فقدان الإطار الميتافيزيقي الذي ينظم السلوك والمعتقدات الذاتية- يؤدي إلى كراهية الحالة الإنسانية برمتها، وكراهية الأنثى باعتبارها الطرف المستحيل، والتي تمثل الإغراء الشرير واللعين الذي يحول دون النقاء والصفاء أو الاستقلال أو التحليق الوجودي. فالموقف من المرأة في هذه الحالة المعقدة يبدو كانتفاضة ضد الاحتياج ذاته، ضد بنية الحياة نفسها، ضد الضعف الكامن في الذات الحسّاسة، ضد النقص الذي يتخلل العالم. في أيامه الأخيرة كتب بافيزي في اليوميات:”لا يقتل المرء نفسه من أجل حبّ امرأة، بل لأن الحبّ -أي حب- يكشف له بعري تام بؤسه، ضعفه، عدميته“.  

تاريخياً رصد بعض الباحثين ملاحظة حيال مواقف القديسين المسيحيين بالذات تجاه الأنثى، فكثير منهم تأثر بالرؤية الفلسفية اليونانية عن تحقير الجسد (والأنثى تمثل الجسد في هذا السياق) في مقابل تعظيم اللذات العقلية والمجردات. كما لاحظ أن كثيراً منهم كان يحمل ماضياً ملوثاً بالعلاقات المحظورة (أوغسطينوس نموذجاً)، فهو ينظر للمرأة باعتبارها سبب الخطيئة والبعد عن الله، ينتقم من ماضيه في رمزية الشر الأصلية التي تمثلها حواء في الأسطورة التاريخية. لا يمكن أن نتجاهل أثر الآلية النفسية المعهودة والتي تفسّر الكراهية الشديدة بأنها في معظم الأحيان نتيجة للولع الشديد الذي لم يشبع، والرغبة العنيفة المحبطة. إذاً فالانتقام الذاتي من الهزيمة الساحقة أمام الأنثى ينقلب كرهاً لها، إما لأسباب دينية تتعلق بتحريم العلاقة إلا في سياق محدد (كما في حالة القديسين)، أو لأسباب فلسفية طوباوية، أو لأسباب وجودية (كما في حالة بافيزي)، وقد تتداخل هذه المبررات في معظم الأحوال. 

رأي واحد حول “يوميات بافيزي وكراهية الأنثى

  1. حين يرى طرف من العلاقة عمق لهذه العلاقة يتنافى مع مبادئة و معتقادتة تسيطر عليه حاله من الهلع و تبادئ المساومة او الموازنة و المرونة. دمت بخير استاذي الفاضل.

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s