الأفكار تموت؟

(الأفكار لا تموت، ومنع الفكرة لا يمحوها، وقتل صاحبها وملاحقة أتباعها يمنحها طاقة وجود متجددة). هذه الجمل تلخص ثيمة أساسية عند كل الحركات النضالية المعاصرة، وتمثل عزاء حارا لكل مقموع أو محارب. كما يتبناها بعض الحقوقيون المعتنقين للحقوق ضمن المنظور الليبرالي في مسعاهم للدفاع عن بعض أشكال الحريات.  هذا التصور اختزالي، ويحكي جزءا من الصورة. الفكرة تموت -في كثير من الأحيان- بفعل الإبادة المادية والمعنوية، كما أن تشديد الرقابة عليها وملاحقة أتباعها يقلص كثيراً من فاعليتها، ويخرجها من دائرة التأثير، بل ومن التاريخ، فالأفكار لاوجود لها ولافاعلية بدون ذوات تتبناها.

تعرضت الأفكار القومية والشيوعية/الماركسية لمقاومة شرسة وملاحقة واعتقالات وتنكيل وتنديد إعلامي ضخم من بعض الحكومات (دول أوروبا الغربية، الولايات المتحدة في الحقبة المكارثية، دول الخليج،…الخ) إبان الستينات والسبعينات، ونجحت هذه الملاحقة والتنكيل في تقليص الوجود الفاعل لتلك الأفكار، حتى لميزد عدد كوادر بعض اللجان القومية في بعض الدول عن أصابع اليدين!
أيضا: أتاتورك استطاع هدم الهوية الاسلامية من تركيا في عدة عقود، وذلك بالقمع، ولم يستطع الاسلاميون أن يصلوا للحكم إلا بعد تقديم تنازلات ضخمة كاعترافهم بالمشروع العلماني. وهذا ينطبق بصورة جزئية على إيران ما قبل الخميني وعلى تونس.
وانظر في المذاهب الباطنية وأفكار الحلول والاتحاد، وغيرها من الأفكار في طول التاريخ الإسلامي كان قمعها وقتل أصحابها سببا رئيسيا في محدودية انتشارها وتأثيرها، مع ملاحظة عدم امتلاك الدولة القديمة لوسائل القمع والتعذيب والمحاصرة المعاصرة، وهذا يعني مزيداً من فاعلية المنع.

كما أن تلك الجمل السابقة تتجاهل حقيقة أن أكثر الناس يخضعون لغرائز الخوف والجبن والهلع، والرعب من الاعتقال أو الملاحقة، فضلاً عن القتل وهذا يؤثر جوهرياً في سلوكهم الفردي، ثم سلوك الأفراد يؤثر شعورياً ولا شعورياً في اتجاه المجموع، فتكون المحصّلة حدوث منافرة جماعية للفكرة والرمز المضطهدرسمياً.
ومع ذلك لايمكن إنكار دور كاريزما القائد واستشهاد الرمز في جذب المزيد من الأتباع، ولكن ذلك لايمثل قاعدة في السلوك الجماعي البشري، هي جزء من الصورة، فالظروف التاريخية تساعد فيإعطاء الفكرة الملاحقة أو الرمز المضطهد زخم خاص، يسمح بتمدد قاعدة المنتمين. ويمثل الإسلام كديانة خاتمة استثناء من هذا السياق، لكونه محفوظ بحفظ الله، وبرعايته تعالى، فلا يفلح المنع ولا الملاحقة في تحجيمه ومنعه من الظهور والتمدد.

إذاً، الفكرة قد تموت، والمنع والملاحقة يساهم عادة في تحجيمها وبكفاءة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s