حظر الحِمَى

من المعاني الدالة على تمام الحكمة وكمال الرحمة والعلم بمقتضى الطبع البشري أنه كلما قويت نوازع النفس لأمر محظور كثر في الشرع الحواجز دونه، من حظر المقدمات ومظان الولوغ في الذنب، وهذا تراه في المحظورات المتعلقة بفتنة النساء، والمال، والسلطة، وما شابه ذلك.فلو أبيح النظر للمستحسنات والمصافحة والخلوة بهن، أو جاز في الشرع تناول قليل … متابعة القراءة حظر الحِمَى

أوهام منعشة

لماذا يصدق الناس بخرافة الأبراج؟ وبأوهام تحليل الخط؟ والتوقيع؟ وبعض برامج تحليل الشخصية؟وما شابه ذلك. الأسباب متنوعة، لكني سأشير لسبب مركزي في نظري، وهو أن الناس يقعون عادة ضحية لما يسمى"تأثير بارنوم"، والمقصود به هو الميل إلى الاعتقاد بدقة العموميات الغامضة. دخلت لصفحة تهتم بتحديد الشخصية من خلال الأبراج، وكانت تحظى بمتابعةكبيرة نسبياً، واقتبست منها نموذجاً تطبيقياً، ووجدتهم يزعمون أن أصحاب برج العقرب يتسمون بـ: 1-الوفاء 2- العاطفة 3-الحيلة 4-دقة الملاحظة 5-الديناميكية وتلاحظ أن كل هذه الصفات شديدة العموم، وأكثر من يقرأ هذه الصفات سيعتقد أنها صفاته الشخصية بدرجة أو أخرى، وهي كذلك غالباً، وفي الإنسان ميول خفية للتصديق بأدنى وهم يكرس من شعوره بالتفوق أو التميز أو الفرادة، فإذا صادف وأن كانت ولادته في برج العقرب فسيزداد قناعة بمصداقية هذه الخرافة، وأحياناً يتمادى به الوهم لتقمّص بعض هذه الصفات. وذهبت لموقع آخر يزعم صاحبه أنه يحلّل الخطوط، ويستدل بها على شخصية صاحب الخط والتوقيع، ووجدته يحلل توقيع لاعب معروف، ويذكر أن توقيعه يدل على أن لديه خوف من المستقبل، لكبر الهامش الأيسر في التوقيع كما يقول . لاحظ فكرة "الخوف من المستقبل" فهي تصدق على 99%من البشر حول العالم. والغالب أن ذلك اللاعب لديه فعلاً خوف ما من المستقبل، كأغلبنا.  فالتعميم الشديد في مثل هذا التحليل يشعر بمصداقية زائفة، وهذا بالضبط هو"تأثير بارنوم". وأما ذكر المحلل لكون … متابعة القراءة أوهام منعشة

الأفكار تموت؟

(الأفكار لا تموت، ومنع الفكرة لا يمحوها، وقتل صاحبها وملاحقة أتباعها يمنحها طاقة وجود متجددة). هذه الجمل تلخص ثيمة أساسية عند كل الحركات النضالية المعاصرة، وتمثل عزاء حارا لكل مقموع أو محارب. كما يتبناها بعض الحقوقيون المعتنقين للحقوق ضمن المنظور الليبرالي في مسعاهم للدفاع عن بعض أشكال الحريات.  هذا التصور اختزالي، ويحكي جزءا من الصورة. الفكرة تموت -في كثير من الأحيان- بفعل الإبادة المادية والمعنوية، كما أن تشديد الرقابة عليها وملاحقة أتباعها يقلص كثيراً من فاعليتها، ويخرجها من دائرة التأثير، بل ومن التاريخ، فالأفكار لاوجود لها ولافاعلية بدون ذوات تتبناها. تعرضت الأفكار القومية والشيوعية/الماركسية لمقاومة شرسة وملاحقة واعتقالات وتنكيل وتنديد إعلامي ضخم من بعض الحكومات (دول أوروبا الغربية، الولايات المتحدة في الحقبة المكارثية، دول الخليج،…الخ) إبان الستينات والسبعينات، ونجحت هذه الملاحقة والتنكيل في تقليص الوجود الفاعل لتلك الأفكار، حتى لميزد عدد كوادر بعض اللجان القومية في بعض الدول عن أصابع اليدين! أيضا: أتاتورك استطاع هدم الهوية الاسلامية من تركيا في عدة عقود، وذلك بالقمع، ولم يستطع الاسلاميون أن يصلوا للحكم إلا بعد تقديم تنازلات ضخمة كاعترافهم بالمشروع العلماني. وهذا ينطبق بصورة جزئية على إيران ما قبل الخميني وعلى تونس. وانظر في المذاهب الباطنية وأفكار الحلول والاتحاد، وغيرها من الأفكار في طول التاريخ الإسلامي كان قمعها وقتل أصحابها سببا رئيسيا في محدودية انتشارها وتأثيرها، مع ملاحظة عدم امتلاك الدولة القديمة لوسائل القمع والتعذيب والمحاصرة المعاصرة، وهذا يعني مزيداً من فاعلية المنع. كما أن تلك الجمل السابقة تتجاهل حقيقة أن أكثر الناس يخضعون لغرائز الخوف والجبن والهلع، والرعب من الاعتقال أو الملاحقة، فضلاً عن القتل وهذا يؤثر جوهرياً في سلوكهم الفردي، ثم سلوك الأفراد يؤثر شعورياً ولا شعورياً في اتجاه المجموع، فتكون المحصّلة حدوث منافرة جماعية للفكرة والرمز المضطهدرسمياً. ومع ذلك لايمكن إنكار دور كاريزما القائد واستشهاد الرمز في جذب المزيد من الأتباع، ولكن ذلك لايمثل قاعدة في السلوك الجماعي البشري، هي جزء من الصورة، فالظروف التاريخية تساعد فيإعطاء الفكرة الملاحقة أو الرمز المضطهد زخم خاص، يسمح بتمدد قاعدة المنتمين. ويمثل الإسلام كديانة خاتمة استثناء من هذا السياق، لكونه محفوظ بحفظ الله، وبرعايته تعالى، فلا يفلح المنع ولا الملاحقة في تحجيمه ومنعه من الظهور والتمدد. إذاً، الفكرة قد تموت، والمنع والملاحقة يساهم عادة في تحجيمها وبكفاءة.

الأديان الجديدة

منذ أن خرج الانسان القديم عن سنن الوحي فعبد الاصنام ومجسمات الصالحين وسائر المبصرات العظيمة، وحتى التاريخ المعاصر، حيث توهم الإنسان الحديث أنه فارق الدين بصورة نهائية، وهو في حقيقة الأمر لم يفارق الدين كبنية ذهنية، ورؤية كلية، وإطار عمل، فالبنية التصورية عن العالم، والأشياء، والآليات الداخلية لاشتغال الأنظمة العقائدية وعموم الآيديولوجيات الأرضية، تحمل جذور … متابعة القراءة الأديان الجديدة

الرحلة من الذات إلى الموضوع

من المعتاد أنك إذا ذكرت لمحة من السلوك الشخصي لفيلسوف ما، أو مفكر أو عالم في أي علم، بغرض تدعيم نقض أقواله وأفكاره، أن يواجهك اعتراض: وما علاقة أفكاره وآراؤه بحياته الشخصية التي لا تهمنا؟ وقد تتهم بإرادة التشويه والإسفاف. هذا الاعتراض لابد من إخضاعه للتحليل والتفكيك، وهو ينطوي على افتراض رئيسي بوجود انفصال موضوعي … متابعة القراءة الرحلة من الذات إلى الموضوع

لماذا يتراخى البعض عن نصرة المظلوم؟

أحد النماذج التفسيرية المهمة التي تفسّر سلوك الناس المتواطئ حيال مظالم وانتهاكات السلطة، (أي سلطة، السياسية، أو الأكاديمية، أو الاجتماعية) هو "الإيمان العميق بعدالة الواقع". وهذا يعني أن معظم الناس حين يواجهون أو يسمعون حادثة قمع أو انتهاك من نوع ما لشخص، (مثل اعتقال شرس لجهة أمنية، أو حادثة تعذيب لمتهم، أو قرار أكاديمي يضر بطالب أو دكتور ما، أو فصل موظف من عمله، أو سلوك أب يضرب ابنه أو ابنته بقسوة في مكان عام) لدى معظم الناس شعور واضح حيال ذلك، وهو شعور باستحقاق الضحية لما تتعرض له، ولابد وأنه ارتكب جرماً ما، يخول عقوبته، أو تأديبه. هذا إيمان ما ورائي/ميتافيزيقي بعدالة الواقع، مع الجهل المطبق بالمعطيات اللازمة للحكم الأخلاقي -على الأقل-. وهذه القناعة ناتجة عن ضرورة إنسانية دفينة، ضرورة لعقلنة الظواهر، وجعلها مفهومة، وإرساء نظام ثابت من المعاني، يتيح إنتاج الروابط المنطقية، والمباشرة، إزاء الظواهر. هل يمكن أن تعذب الشرطة أو تعتقل رجلاً بريئاً تماماً؟ هذا الإيمان يرفض هذه الإمكانية بانتهاك حق الحرية لبريء، لأن القبول بها يعنيإفساد النسق الدلالي للأشياء. الشرطة تعتقل المجرمين، هذا ثابت دلالي لا يحتاج لبرهنة، وإذا أفسدت هذا الثابت، وقلت بأن الشرطة تعتقل الأبرياء، ستحتاج مصفوفة براهين، ودلائل قاطعة، وهذا في أكثر الأحوال غير متوفر، وربما يعتمد الناشط الحقوقي على معرفته العمومية، ليوجه للشرطة الاتهام بالاعتقال لغايات سياسية، ولتصفية حسابات شخصية، ولمجرد زرع الرعب. ولكن لا تنجح هذا الاتهامات دائماً، لشح معلوماتي معتاد بفعل سيطرة السلطات على مصادر المعلومات. وهذا الاعتقاد بعدالة المجريات يولّد شعوراً بالطمأنينة والأمان لدى الجمهور، فما دام أحدهم لم يذنب فهو متأكد بأنه لن يكون ضحية يوماً ما لقهر السلطة. وأيضاً مما يساهم في تكريس تلك القناعة، أن السماح بتمدد هذه الإمكانية (إمكانية تعسف السلطة/المعتدي) سيضاعف الحمل والمشاق المعنوية على الضمير، وستنبعث الإرادة الخيرة لمهمة الدفاع، وهذا دفاع أو احتجاج شائك، وخطر. إذاً فلتتمسك بالإيمان الكفيف بعدالة الواقع، وأن من يعاقب، هو بالتأكيد مجرم، بصورةما، لتتخلى عن متاعب تمحيص الحقائق، والفهم النافذ للظواهر المعقدة. وقد أشارت د.بسمة عبدالعزيز في كتابها الرائع (ذاكرة القهر) لجوهر هذا الفكرة، وأنا هنا أعدت صياغتها، وشرحها. وبينما كنت أقرأ كتاب (هروبي إلى الحرية) لعلي عزت بيجوفيتش وجدته قد دوّن ملاحظات مهمة … متابعة القراءة لماذا يتراخى البعض عن نصرة المظلوم؟

تعقيد الظاهرة الانسانية

يولد الطفل وتولد معه الأسئلة. السؤال والفضول لمعرفة الأشياء غريزة إنسانية دفينة. في البدء تتكفل الأم بالجواب على أسئلة الطفل، ثم الأب، ولا يراعي الأبوان في الغالب الدقة في الجواب، بقدر مراعاتهم لتقديم فكرة تبسيطية عن الجواب، يعتقدون أنها تناسب وعي الطفل، هذا في أفضل الحالات، بينما يواجه الطفلعند آخرين بالإخراس الجبري، أو الإعراض، لاسيما حين تكون الأسئلة ذات طابع غيبي أو جنسي.  نتجاوز مرحلة الطفولة، ونظفر بجوابات متنوعة، عن أسئلتنا، وتأتي المدرسة لتعطينا مصفوفة طويلة من الإجابات عن ما نود معرفته، وما لانود. نكبر أكثر، وتهطل أسئلة جديدة، ولا نكتفي بإجابات ساذجة، ونغوص أكثر. وهنا تبدأ حاجتنا للاكتشاف الذاتي، للمكابدة/للمغامرة الشخصية من أجل الوقوف على حقائق الحياة، ومحكمات الشريعة، وظواهر الطبيعة، وحقيقة الجوهر الإنساني، وماهية النفس، والروح، وما إلى ذلك، بحسب ما يستهوينا من جوانب الحياة الواسعة. بعضنا يستمر محافظاً على روح الفضول اللذيذ، والبحث الدائم، والتنقيب المستمر عن دهشة التعرف على الأشياء، بينما آخرين اكتفوا بقوالب الثقافة الشفهية، وخبرات المجالس، وعناوين الصحفالالكترونية. أود أن أتوقف الآن، لأذهب لتأمل مسارين من مسارات الأجوبة، والأفكار التفسيرية للظاهرة الإنسانية في كافة تجلياتها. وهذان المساران قد لا تجد لهما تمثّل محض في ما تقرأه أو تسمعه، وهذه القسمة لمجرد إيضاح الفكرة عبر الانقسام الثنائي. الأول: التفسيرات والتحليلات الساذجة أو الاختزالية، وهي تفسيرات تعتمد على الإحالة إلى عامل واحد لتفسير ظاهرة ما، أو عوامل محدودة، وتسير أطروحاتها في سياق تأويلي مغلق، وتفقد القدرة على الانغماس والحفر في الطبقات والأغوار الداخلية. إجابات وتحليلات مصمتة، أحادية، معلبة. (تآمر الماسونية أسقطالدولة العثمانية/العنف نتيجة اضطراب نفسي/داعش عملاء/تفشي الاستبداد بسبب ثقافة تاريخية/تزايد الطلاق لفشل الجيل الجديد في تحمل المسؤولية/المال لا يجلب السعادة/انتشار الإلحاد بسبب مشاكل نفسية/الرسوب نتيجة الغباء/النظام الصارم هو طريق النجاح/فشل التعليم لفشل المعلم/التحرش سببه سفور الفتاة/الحب الحقيقي معدوم/سقوط الأندلس سببه الترف/…الخ)، والخلل الأساسي في مثل هذه المعالجات تعود لفشلها في إدراك الصيغ المعقدة والمركبة للظواهر الإنسانية، واغترارها بأهمية عامل ما. المسار الثاني في تناول الظاهرة الإنسانية: التفسيرات والتحليلات التي تضع في الاعتبار شدة تركيب وتعقيد الظواهر الإنسانية، وأود قبل المضي في توضيح ذلك أن أذكر مثالاً طريفاً لما نحن بصدده: في لعبة كرة القدم الشهيرة في البلاي ستيشن، حصلت تحولات كبيرة منذ صدور أوائل الإصدارات في 98م وقبلها، وحتى الإصدار الجديد، وتتسم الإصدارات الحديثة بشدة المقاربة للعبة في الواقع. وإذا تجاوزنا جودة الإخراج، ودقة صور اللاعبين…الخ من مظاهر الإتقان الفني والشكلي، نجد أن الإبداع الحقيقي حصل في بنية اللعبة من الداخ، بحيث انفتحت أمام اللاعب إمكانيات تمريرات وتحركات وتسجيل أهداف وتكتيكات هجومية تكاد تكون غير نهائية تقريباً، إذاً الجاذبية التي تحققها اللعبة باستمرار عبر"محاكاة الواقع" تقع في مقاربة أولية لحرية الإرادة البشرية لتتفادى مشكلة الإصدارات القديمة التي لم يكن فيها أمام اللاعب إلا بضعة تكتيكات قليلة يضمن بها الفوز، بحيث تفقد اللعبة تشويقها بعد مدة من استنفاد هذه التكتيكات. وقل مثل هذا عن كثير من الألعاب الالكترونية المشابه. حتى في تفسير جاذبية لعبة الشطرنج يقول بعض مؤرخيها أنه منذ اختراعها لم تتطابق لعبتا شطرنج بنسبة100% أبداً، لكونها تحتمل تنقلات شبه لا نهائية. والمراد من كل ما سبق بيان أهمية اعتبار حرية الإرادة البشرية، وأن الإنسان كظاهرة لا يمكن حشره في قوالب نظرية جامدة، بدافع كسل نظري، أو ظاهرية ثقافية، فعند تناول ظاهرة كالتحرش مثلاً، أو الطلاق، أو العنف، أو حوادث الطرق، أو انخفاض سعر البترول، تأكد أنك أمام "شبكة" واسعة من المسببات المشاركة في بروز الظاهرة، صحيح أن بعض المسببات أكثر تأثيراً من بعض، لكن لا يستقل أحد منها بإبراز الظاهرة. شبكة مترابطة، ومتواشجة، بصورة غامضة أحياناً، وتفكيكها وإعادتها للعوامل الأولية، ثم رصد تحركات العوامل في السياق التاريخي، تحتاج صبر وجلد جازم. وقناعتك بتعقيد الظاهرة الإنسانية سيجعل صمتك يطول في وسط ضجيج المجالس، لأنك ستدرك صعوبة الأمر، كما سيدفعك ذلك لإطالة التأمل والتفكير، وتقليب النظر. فالإنسان يعيش في ظرف تاريخي، ويتخلله سياق زماني، ويحكمه إطار مكاني، وتأثر في سلوكه ذاكرة ثقافية جمعية، وتراث نفسي خاص وعام،وتاريخ عقلي، وخيالات وأوهام ومخاوف، ونوازع خفية، وشهوات باطنة وظاهرة، وميكانيزمات بيولوجية محضة، وفوق كل ذلك فالإنسان يتحرك بتأثير مباشر من إرادة مفتوحة الاحتمالات، لا يمكن التنبؤ بها بصورة صارمة. وهذا لا يعني شجب الاهتمام ببعض الأسباب، … متابعة القراءة تعقيد الظاهرة الانسانية

كرة القدم بوصفها ديانة جديدة !

مرة كل أسبوع يهرع المشجع إلى الاستاد الرياضي.. ترفرف الرايات، تدوي الألعاب النارية والطبول.. وتهطل أمطار من الشرائط وقصاصات الورق الملونة.. المدينة تختفي، الروتين ينسى.. ولا يبقى سوى المعبد.. وفي هذا الحيز المقدس.. تعرض الديانة ألوهيتها.. وهي الوحيدة التي لا وجود لملحدين بين معتنقيها ! إدواردو غاليانو (1) في عقود الستينات والسبعينات تزايدت سلطة الرياضة، … متابعة القراءة كرة القدم بوصفها ديانة جديدة !