محراب الاعتراف

«إن وصف المرء الصادققدر الإمكانلحياته الخاصة؛ له قيمة كبيرة بغض النظر عن الإنسان الذي يؤديه، ولابد أن يكون فيه نفع عظيم للبشر»

ليف تولستوي (ت1910م)

(1)

«تذكّرت بقوة أني أدرك نفسي الآن في عامي الواحد والثمانين تمامًا كما أدركتها في عامي الخامس أو السادس» هكذا كتب الروائي الروسي الشهير ليف تولستوي في دفتره يومياته ليلة 15 يناير من عام 1910م، أي قبل وفاته بأشهر، حيث توفي في نوفمبر من العام نفسه. وهذه الشذرة العابرة لا تعدو أن تكون سطرًا ضمن آلاف الأوراق من تلك “اليوميات” التي شغف بكتابتها قبل أن يبلغ العشرين، وحتى وفاته في مطلع الثمانين من عمره، وقد ترجمت إلى العربية مؤخرًا وصدرت في ستة أجزاء، يقارب عدد صفحاتها 3300 صفحة. وقد اخترتُ الاستفتاح بهذه الشذرة لما فيها من دلالة على طبيعة الانشغال المسيطر على كاتبها “إدراك الذات”، حيث استمرّ محدّقًا في دواخل نفسه على مدى عقود.

عن “اليوميات” كأسلوب لإدراك الذات، وعن يوميات تولستوي؛ تتحدث الفقرات الآتية.

(2)

لماذا اليوميات؟ ما الباعث الذي يوعز إلى الفرد بأن يكتب يوميًا عن شؤونه الخاصة؟ هل الانهماك في كتابة يوميات منتظمة يشير إلى ذات مضطربة عاجزة عن مواجهة العالم؟ كما يرى البعض. لا، يرفض المنظّر الفرنسي فيليب لوجون (و1938م) هذا التجنّي، وهو يصدر –عادةً- عن أناس ينفرون من النظر في ذواتهم، ويرى أن كتابة اليوميات هي «من قبيل الوقاية لا العلاج، هي مثل ممارسة الرياضة؛ فهي تحافظ على لياقة المرء وصحته، وتمكّنه من تمرين الذاكرة وقدرات التفكير، والدربة على الكتابة، فهو نشاط محبّب، مهدّئ وبنّاء، ولكن مع ذلك ففي الحياة أساليب أخرى للحصول على نتائج مماثلة»، إلا أنها علاج أيضًا، ربما.

ولهذا وذاك لاتزال اليوميات تحظى برواج واهتمام حتى الآن، فتشير بعض التقديرات –مثلًا- إلى أن 8% من الفرنسيين البالغين يكتبون يوميات لأنفسهم، وإن كان بصورة غير منتظمة في الغالب، كما أن اليوميات التي يكتبها الأدباء لا تزال تنشر وتقرأ، ففي فرنسا –أيضًا- ينشر سنويًا قرابة 80 كتابًا هي في الأصل يوميات، وغالبها من تأليف أدباء رجال. وقد رأى البعض في الشبكات الافتراضية الأحدث مكانًا ملائمًا لتوثيق يومياته التي يمرّ بها، والأحداث التي يخوضها، والمشاعر التي تنتابه، فهي نسخة مطوّرة بنحوٍ ما من “اليوميات” التقليدية، ولها شروطها ومؤثراتها الخاصة.

هل يستهوي هذا النوع من الكتابة الجميع؟ لا، ذكر الأديب المعروف عباس العقاد (ت1964م) مرةً أنه كتب يومياته مدة أشهر، ثم توقف ومزّق ما كتبه وأحرقه، ولم يعد إلى كتابتها مرة أخرى، مع أنه «من أرغب الناس في قراءة اليوميات»، بل هي «أنفع القراءات للمؤرخ، والمستطلع لأحوال الأمم وسرائر النفوس» كما يقول، ثم برّر عدم كتابته لليوميات بأن الدافع إلى كتابتها الرغبة بـ”الاعتراف”، في حين أنه يدّخر خفايا نفسه لنفسه، ولا يبوح بها لأحد إلا القليل، ثم يستطرد في تحليل تعامله الشخصي مع المؤرّقات الجوّانية:

«فالمسألة التي تلعج خاطري وتثير شعوري وتتسرب إلى أعماق ضميري ليس مصرفها عندي أن أسجّلها كما هي، أو أفضي بها إلى أذن سامع قريب، وإنما مصرفها أن أعبّر عنها في الشعر والكتابة… وربّ كارثة نفسية من المقيمات المقعدات تسكن كما يسكن البحر الهائج في لحظة واحدة ساعة انتهائي إلى مقطع الرأي فيها، أو ساعة علمي بما ينبغي أن أقابلها به من عمل، وهذا الذي ينوب في طبيعتي مناب الإفضاء والبوح، وما أسميه التوجّه إلى محراب الاعتراف».

ربما هذا يناسب عقلانية العقاد المفرطة، وهيمنة نشاطه الفكري على ذاته، إلا أنه لا يناسب آخرين كُثُر. انظر الحال الآن، لا تنفك ترى الشكوى الدائمة من تفّلت الوجود اليومي، وسيولته، وارتباكات الهوية، وصراعات النفس، وهذا بالضبط دافع أساس ومؤثر لكتابة اليوميات، حين يشعر الفرد بتشتت الأنا وتبدّدها، وصعوبة الإحساس بالذات كوحدة كليّة، وبنية متماسكة، فـ”كتابة الذات” يوميًا توفّر استمرارية داخلية، واتصالًا شعوريًا؛ يمنح الفرد نوعًا من الأمان.

فهذا العالم الذي نخوض لججه الآن يفوق قدرة الفرد على مجاراته، وهو بحاجة ماسّة إلى كوابح جادة، وإلى لحظات تأمل هادئة، ومحادثات ذاتية من فترة لأخرى، وإلا سيكون معرضًا لفقدان اتصاله العميق بذاته، وستهيمن على شعوره التدفقات الدائمة للإثارة الكثيفة القادمة من الحواس الخارجية. كتب الكاتب الفرنسي كارل دو بوس (ت1939م) في دفتر يومياته في يوم 7 يناير 1922م: «سبب إعادتي للصلة باليوميات؛ هو شعوري بالبلبلة والانزلاق الحتمي الذي أتعرّض له حين أتوقف عن محادثتي لنفسي، ولو ليوم واحد. لا قيمة لي إلا في هذا النطاق، ففي خارجه تنحلّ عراي أنا».

وهكذا تعمّق اليوميات من واقعية الفعل اليومي، وتنظّم الوعي، وتقلّص من مخاطر تفكّك الزمن واضمحلال الشعور بمروره. وقد يعتاد الإنسان على هذا التواصل الحميمي مع الذات في التدوين اليومي، إلى درجة عبّر عنها كارل بوس بجملة بليغة: «الغريب في أمري هو فقداني الشعور بما أعيشه عندما لا تحتضن اليوميات رواسبه!». فتصبح الكتابة لدى البعض قرينة للعيش نفسه، كما اشتكى تولستوي من ذلك، وكتب متذمرًا من هوسه الشديد بالكتابة: «يا لغباء تفكيري في أن الكتابة هي حياتي! … يمكن أن تزداد كمالًا وعظمة من دون كتابة. عليّ تعلّم أن أحيا دون كتابة». بل إن من الملاحظات المعهودة شكوى أغلب كتّاب اليوميات من انقطاعهم عن الكتابة في بعض الأيام، وهي ظاهرة ملحوظة ومتكررة بإفراط لدى تولستوي؛ كتب مرةً بعد انقطاع: «يرعبني التفكير في طول المدة التي لم أدوّن فيها يومياتي».

على المستوى الوجودي الأعمق؛ ربما تبدو الكتابة من العلامات الخفيّة على القلق المضمر من الموت، كما يزعم موريس بلانشو (ت2003م)، فالرغبة الماسّة بالخلود -والتي اعترف بها أمثال تولستوي مرارًا- تجد طريقها عبر إبقاء “الأثر” في صيغة نصية.

ومن جهة أخرى تسهم الكتابة الدورية المنظّمة عن الذات في فهم تحولات السلوك والمزاج والشعور على المدى القصير والمتوسط، وهذا قد لا يعني شيئًا بالنسبة لك، إلا أنه يهمّ من يعاني من اضطرابات المزاج، وتقلبات الشعور، ويساعده في ترتيب حياته الجوانية، والسيطرة على تفجّراتها الوجدانية المزعجة. وكذلك الحال بالنسبة لمن يمرّ بحالة معينة أثارت في نفسه الاضطراب؛ كوفاة قريب، أو غربة قسرية، فالتدوين اليومي حينها يوّلد شعورًا لطيفًا –أحيانًا- بالتماسك والسيطرة، ويكرّس إعادة قراءة وتأمل اليوميات السابقة نوعًا من الروتين والتتابع المتسق والمطمئن.

وإذا ارتقيت فوق ذلك إلى غاية أعلى، فإن الكتابة اليومية –أو شبه اليومية فعليًا- تكون عملًا أكثر سموًا وأهمية؛ حين يكون باعثها رعاية الذات وتقويمها؛ فاليوميات تجعل الذات الداخلية أمام مرآة ليلية، يتفقد فيها المرء روحه.. شحوبها، نضارتها، ندوبها، وترهلاتها؛ كمقابل لمرآة الوجه الصباحية. وهي فرصة ممتازة لتذكير الذات الدوري بنعم الله وآلائه، وتنبيهها لواجبات الوقت، وتسجيل الإنجازات الصغيرة والمباهج المعتادة، وكل ما من شأنه إيقاظ الامتنان للربّ، وإسناد الإرادة على فعل الصواب، وتشجيع النفس ومواساتها.

(3)

ربما ينطوي هذا الانشغال اليومي بتدوين الأحداث والمشاعر الشخصية على نوع من “النرجسية”؛ في إحدى يومياته لاحظ ذلك سورين كيركغارد (ت1855م) وكتب: «هل من خطر، وجمود أكثر تعاسة من أن ينزوي الواحد بنفسه مثبتًا بلا نهاية أنظاره على أناه، فمن هنا يتلاشى كل شيء إجمالًا، تاريخ العالم، وحياة الناس، والمجتمع». إلا أن هذه الصفة لازمة بالضرورة، مع ضرورة الإقرار بأن الأهمية التي تحظى بها اليوميات تنسجم مع سياق الهوس الحداثي البرجوازي للحفاظ على الأنا كمركز للوجود اليومي.

تتسم كثير من اليوميات بالـ”سطحية”، وفي يوميات تولستوي صفحات كثيرة جدًا عديمة الفائدة، وهو أمر متوقع، وتفسير ذلك –جزئيًا- يرتبط بفهم موقع الزمان من السرد، وملاحظة طبيعة المسافة الضرورية بين زمن الفعل وزمن الحكاية، فحركيّة الفعل اليومي، ولا سيما بهجته الغامرة، أو صخبه المفاجئ؛ تصعّب المسؤولية الملقاة على عاتق اللغة الواصفة والمستوعبة، فالأمر أشبه بإعادة المشهد قبل إتمامه، أو كتابته قبل اكتماله، تصف الأمر المنظرّة الفرنسية بياتريس ديدياي (و1935م) بالقول أنه «بقدر ما يتعمّق الشعور الحميمي يتضاءل الحدث، إلى أن يبلغ مبلغ العجز التام عن إنتاج عناصر مكوّنة لبنية المحكيّ، ولكي يكون من الممكن سرد قصة حياة ما؛ لابد من المسافة التاريخية، وهي المسافة بين زمن المحكي وزمن الحدث، فهي التي تمكّن المؤلف لاحقًا من ابتكار وحدة تشدّ مغامرته، أما اليوم بيوم فلا يمكنه أن يتشكّل في بنية»، وهذا يفسّر ليس فقط افتقار كثير من اليوميات للعمق؛ بل تفكّك واستقلال المقطعات الشذرية في كتب اليوميات، وغموضها، وأحيانًا عبثيَّتها.

وإلى جوار الفوائد والميزات لا تخلو كتابة اليوميات –كمعظم النشاطات الإنسانية- من مضارّ أو آثار جانبية غير محبّذة، يشير لوجون -مثلًا- إلى أنها قد تفضي إلى «تجميد شخصية المرء»، وإضعاف حراك الذات اليومي والدؤوب، فتتابع تقييد الفعل والمشاعر والانطباعات والأفكار اليومية كتابيًا “يقيّد” عفوية المرء، ربما على نحو غير واعٍ، فإن الذات –كما يلمح- أشبه بالنبتة التي يسقيها المزارع ويعتني بنموها، إلا أنه لا يتابعها لحظة بلحظة، بل يغيب عنها بعض الوقت ليتسنى له ملاحظة تطوّرها بعد فترة بوضوح، ولذا من النادر أن ينتظم أي إنسان في تدوين يومياته طوال حياته، مهما كان مهووسًا بالوعي الذاتي (حتى تولستوي تخلو سنوات ليست قليلة من حياته من أية يوميات، وقد كتب مرةً في يومياته –في لحظة نضوب نادرة-: «فوّت يومًا. ليس عندي ما أدوّنه، لا عن عالمي الخارجي ولا الداخلي»)، وإنما تتركّز الكتابة –في الأغلب- في حقب زمانية معينة، في مطالع الشباب مثلًا، أو في فترات الضغوط والتقلّبات والاضطراب والآلام (يوميات الحداد لرولان بارت نموذجًا)، بل يستدل كثير من المنظّرين والمؤرخين على خلو فترةٍ ما من اليوميات في حياة كاتب أو أديب -إذا كان ممن يعتني بالتدوين في العادة- على أنها فترة سعيدة ومستقرّة بالنسبة لصاحبها!

(4)

لاحظ تولستوي مرةً أن زوجته صوفيا تكتب خطابًا، ثم اكتشف أنه خطاب موجه إليه، فقد قرأت يومياته وكانت تتضمن قدحًا وهجاء لها، وطلبت من زوجها إزالة المواضع التي تسيء إليها، فشعر تولستوي بالخجل والذنب، وراجع يومياته طوال بضعة سنوات، وحذف 45 مقطعًا وفاء بوعده لها. لقد بدأت علاقته بزوجته بغرام عارم، وكتب عنها سطورًا غزلية متدفقة، ثم بعد سنوات قليلة تدهورت صلته بها، وتحوّلت مع الوقت إلى أن أصبحت من مصادر تعاسته الأساسية، وفي يومٍ ما شرح أسباب حالته المريعة كما يصفها، وكتب: «السبب الوحيد هو افتقادي لزوجة أحبّها وتحبّني».

تعدّ اليوميات بداهة ممارسة ذاتية مغلقة، إلا أن للآخرين -غالبًا- حضورًا مضمرًا في أثناء تدوينها، على هيئة مراقبين سريّين، أو محتملين، أو كما يقول المؤرخ الثقافي الأمريكي والتر أونج (ت2003م): «يومياتي المدوّنة الموجّهة مني إليّ لا بد أن أتخيل فيها المخاطب، فاليوميات تتطلّب –بشكلٍ ما- الحد الأقصى من عملية تخيّل السارد والمخاطب، فالكتابة هي دائمًا نوع من الحديث المحاكى، ولهذا يلزمني في المذكرات الشخصية أن أتظاهر بأنني أتحدث إلى نفسي، وإن كنت –في الحقيقة- لا أتحدث أبدًا إلى نفسي بهذه الطريقة».

وهذا يثير سؤالًا معروفًا، وهو: من المخاطب في اليوميات؟ وما تأثيره؟؛ «لأي نفس أكتب؟ ألنفسي اليوم؟ أم لنفسي كما أتصورني بعد عشر سنوات من الآن؟ ألنفسي كما أتخيلها؟ أو ربما على نحو ما آمل أن يتخيّلني الآخرون؟». لا تبدو الإجابات واضحة دائمًا، بل إن «أسئلة كهذه تملأ كتّاب اليوميات بالقلق، وتكون في الغالب سببًا كافيًا يقود إلى عدم الاستمرار في كتابة المذكرات. وهنا لا يعود كاتب اليوميات قادرًا على معايشة خياله» كما يرى أونج.

في البداية كان تولستوي يكتب لنفسه، ولذا تتسم يومياته المبكرة بالصراحة والحيوية والذاتية الشديدة، وتدريجيًا -ربما بسبب شهرته وتحوله لشخصية عامة وظهور أتباع ومريدين وأيضًا بسبب الجمود الذهني- تحوّلت يومياته في الشيخوخة في الأغلب لتصبح مجرد توثيق جاف لأحداث ونشاطات روتينية، وتجارب كتابة ثانوية، ومسودات ركيكة، أو صياغة أولية للأفكار، فتجده كثيرًا ما يكتب بضعة أسطر، ثم يقف ويكتب: لا، صياغة سيئة، ثم تدهورت أكثر، فأضحت يوميات معظم سنواته الأخيرة مجرد تكرار مملّ ومتعجرف لخطب وعظات موجّهة إلى جمهور ما، وهي لا تخلو من خزعبلات غنوصيّة عن الروح والزمن والإله وما شابه ذلك، بلغة متخشّبة تليق بعجوز يبالغ في ثقته بقدراته العقلية والروحية، حتى أني أحسد المترجم على صبره اللافت على ترجمة هذا الكمّ من الأفكار الركيكة، والتأملات الغثّة.

على أن التكرار -بحدّ ذاته- في اليوميات ليس سمة تخصّ تولستوي وحده، بل هي سمة شائعة في اليوميات، كما تشير بياتريس فـ«كتّاب اليوميات يكررون أنفسهم، فمع تتابع الأشهر والسنوات المتوالية؛ تظلّ المشاكل هي هي، وكذلك الطباع، وردود الفعل، والأفكار»، هل لليوميات دور في هذا “الانسجام”، أو إن شئت “الرتابة” الملحوظة في كتب اليوميات؟ لا أظن، ولكن التكرار يعكس سمة بشرية ذائعة، فالتجديد والابتكار دومًا هو الاستثناء لا القاعدة. وإن كانت اليوميات قد تساعد -بالفعل- على تملّك الروتين وتمثّله، وتكريسه ذاتيًا، بمعاودة الأفكار وتكرار التعليقات نفسها، لا سيما إذا كان الفرد يواجه خلخلة واضطراب هوياتي أو تقلبات شعورية طبيعية أو غير سوية. ومع ذلك؛ أظن أن تأكيد الروتين الذهني بتدوين منتظم وصياغات مكرورة يبدو هدفًا مشروعًا، وجديرًا بالعناء.

المهم أن تولستوي فيما بعد مرحلة الشباب أصبح واعيًا ومراعيًا لقارئ محتمل ليومياته، بل اعتبر أن هذه المراعاة قد كدّرت صدق وصفاء الكتابة، واعترف: «لم يعد لديّ ذلك الشعور الديني الذي حظيت به عندما بدأت كتابة هذه اليوميات لنفسي وحسب»، وحاول أن يعاود الكتابة كما كان، لكن يبدو أن ذلك لم يتم. في سنوات الكهولة كان يوعز لأحدهم بنسخ ما كتبه في أوراقه إلى دفتر اليوميات، ومرةً انتقد أولاده، ثم قال: «إن حدث وقرأ أي منكم هذا يومًا ما فاصفحا عني»، وقال في موضع آخر بصراحة: «أكتب واضعًا نصب عيني احتمال أن تقرأ هذه اليوميات إحدى الشخصيات الواردة فيها».

إن هذه الأعين المتوقّعة تمنعه من كتابة بعض خواطره، ويتعذّر مع وجودها الدائم تحقيق رغباته بـ”الاعتراف” والإفصاح التام، وهو الهدف الذي يسعى له دومًا، بإخضاع محتوى ذهنه ومضامين شعوره للرصد والتعبير والمحاسبة، ولذا كتب مرةً عبارة صادقة: «لا يمكن للمرء أن يتحدث بصراحة تامة إلا مع الله؛ فهو الوحيد الذي يمكننا أن نقول له كل شيء».

ثم إن يومياته الأخيرة تحولت فعليًا إلى خطاب عمومي غير مباشر أو كادت، كتب في أعوامه الأخيرة: «أكتب الآن وأسأل نفسي: ألا أكتب ذلك لأجل أولئك الذين سيقرؤون اليوميات؟ ربما جزئيًا؛ نعم».

(5)

أبرز سمة يمكن أن تلخّص مهمة كتابة اليوميات لدى تولستوي هي أنها تقوم بدور «نوبة الحراسة تجاه الحياة الخاصة» كما يعبّر، ففيها يتابع بصرامة ملحوظة انضباطه الذاتي، ويوبّخ نفسه باستمرار على زلاته، بل إنه أحيانًا يعدّدها بالأرقام، لا سيما في أجزاء اليوميات الأولى، حتى أنه تردّد وكاد أن يطلب عدم نشر يومياته التي كتبها زمن العزوبة، ليس –كما يقول- لرغبته بطمس الجوانب “الشريرة” في حياته، بل «لأن هذه اليوميات التي لم أدوّن فيها سوى ما عذّبني من وعيي بخطاياي؛ ستصنع انطباعًا خاطئًا أحادي النظرة»، ثم تراجع عن ذلك، ونشرت.

وهذه الرقابة الصرامة استمرت –بتفاوتٍ ما- طوال ستين عامًا، فمنذ شبابه المبكر دون العشرين وحتى أوائل الثمانين «ما زال يستحضر لنفسه السوط، وبالدقّة ذاتها ينهال على نفسه في مذكرات الشيخوخة بالشتائم “جبان، فاسد، خامل …الخ”، حين لا يمتثل الجسد المرهق امتثالًا كاملًا لنظام الإرادة الاسبارطي»؛ كما يصفه الكاتب النمساوي البارع ستيفان تسفايج (ت1942م).

وكما يراجع التاجر دفتر حساباته، يراجع تولستوي يومياته ليرصد حساباته “الروحية”، وقد عبّر مرةً عن بهجته المستقبلية المتوقعة عند قراءة يومياته القديمة، وعن دورها في تسهيل فحص الأفكار والأهداف، «إنها وسيلة مناسبة تمامًا كي يحكم المرء على نفسه» كما كتب في مطلع شبابه. وفي يومياته المبكرة كتب نصائح ذاتية للتخلص من بعض الخطايا، وبعد مدة أعاد مطالعتها، وشعر بالتحسّن، كما صرّح بذلك.

ومن وقت لآخر يراجع ويكتب مثلًا: «تصفحتُ يومياتي، كم يبدو انحداري شديد الوضوح!»، وفي موضع آخر يكتب: «أعدت الآن قراءة يوميات شهر يوليو، كم كنت أقرب إلى الله». وأحيانًا يبحث في يومياته عن مسببات إخفاقاته الأخلاقية: «أعدت قراءة يومياتي في هذه الفترة، باحثًا عن مصدر غواياتي… السبب الوحيد هو نقص العمل البدني المكثّف»، ويتذكّر كتاباته القديمة، ويلوم نفسه على المواربة: «فكرتُ في يومياتي القديمة؛ كيف أبدو دنيئًا فيها، وكيف لا أريد أن يعرف الناس هذا عني».

معاناة تولستوي الكبرى كانت تتعلق برغباته الجسدية الجامحة، والتي استمرت حتى سنّ متأخرة نسبيًا، وهذه “الأزمة” أورثته ألوانًا من التطرّفات، فقد بات يؤيد الامتناع التام عن النكاح، ويعبّر باستمرار عن نفوره من المرأة، ويصف النساء بصفات تحقيرية متنوعة: «منذ سبعين عامًا ورأيي يزداد انحدارًا في النساء، ولا يزال في حاجة لمزيد من الانحدار… الأمر لا يتعلق بأن النساء قد بدأن السيطرة على حياتنا، بل كل ما عليهن فعله هو أن يتوقفن عن تدميرها». يفسّر بعض النقّاد هذا النفور غير السويّ بأنه عائد إلى حساسيّة تولستوي المفرطة، وقابليته الشديدة للإثارة، وخوفه الدائم من هيمنة النزعات الجبّارة لنزوات الجسد، وعودته لغراميات بدايات الشباب وخلاعات الماضي، ورغبته الصارمة بالتحكّم والسيطرة على الذات. وهذا النزوع التبتّلي والانقلاب العنيف ضد الجسد بعد حياة حافلة بالعهر؛ ليس مستغربًا في التراث الثقافي المسيحي (انظر هنا لرؤية ومعالجة أخرى). وهذا المكوّن النفسي (القابلية للإثارة/التوق للانضباط) يفسّر أيضًا نفور تولستوي الواضح من الموسيقى، فـ«الموسيقى غير أخلاقية» كما يرى، وقد كتب وهو في مطلع الثمانين: «تثير الموسيقى اضطرابي جسديًا بشدّة!».

لاحظ تولستوي مرارًا ما يسميه بـ”خيرات الشيخوخة”، وذكر منها «الخبرة الطويلة، التحرر من الشهوة الجنسية (وهذا خير ضخم)، النسيان، اللامبالاة، الهدوء»، وأشار إلى أن الرغبات الجسدية تضعف مع التقدّم في السن، في حين أن ارتكاب الشرور بسبب «إغواء نيل مديح الناس يزداد قوة وصلابة بمرور الأعوام!»، بل الحقيقة أن «وهْم مديح الناس لن يفارق الإنسان، حتى في لحظات الموت، بل على العكس؛ في هذه اللحظات تحديدًا تشتدّ وطأته، كما نرى في كافة المآثر البطولية المشبعة بالكبرياء!»، ولذا غلب على يومياته في سنواته الأخيرة توبيخ ذاته باستمرار على بحثه وحرصه على مدح الآخرين، والاستمتاع بذلك. ومع استمرار مكابداته الذاتية ضد هذه الرغبة الدفينة إلا أنه اعترف بأن «الخلاص الكامل من الرغبة في نيل مديح الناس أمر غير ممكن»، وقد كرر مرارًا بالشرح والتحليل الآثار الناجمة عن نقطتي الضعف التي يعانيها: النزوات الجسدية، والبحث عن المديح، في محاولات مستميتة لتقوية الإرادة، ومعالجة ثغرات الذات وعيوبها.

وهذه المكابدة الدائمة أكسبت تولستوي خبرة نفسية وافرة في دواخل الشعور ودقائق النفوس بلا ريب، وقد كان واعيًا بذلك، فقد كتب: «في شخصي كافة العيوب، وعلى نحو أسوء مما في غالبية الناس، ولكن خلاصي الوحيد هو أني أعرف ذلك جيدًا وأناضله.. طوال حياتي أناضل، ولهذا يدعونني “عالِم نفسي”». وفي السنة التي توفي فيها كتب مفتخرًا بتاريخ نضاله ضد عيوبه الشخصية، وجعل هذه المناضلة سببًا في نجاحه، يقول في جملة معبّرة:

«نادرًا ما ألتقي بإنسان لديه عيوب أكثر من عيوبي: شهوانية-شره-بغض-كبرياء-، والأسوء من كل ذلك: حبّ الذات. لقد رأيتُ -ولا أزال-في نفسي كافة دناءتي، وأنا أناضلها طوال الوقت. هذا ما يفسّر نجاح كتاباتي».

(6)

تتويجًا لحياة صراعية مستمرة؛ قرر تولستوي أن يغادر منزله الفاره إلى مكان لا يعرف فيه، فلم يعد يصبر على شعوره الدائم بالخزي لترف معيشته، ولا للمعارك الطويلة بينه وبين زوجته وأسرته حول حقوق مؤلفاته. وبعد تفكير وتردّد طويل، شرع في تنفيذ قراره. في آخر يوميات بقيت محفوظة كتب تولستوي عبارته الأخيرة: «هذه خطتي: افعل ما يتوجب عليك، وليحدث ما يحدث»، وقد شعرت بأنها خاتمة مناسبة تمامًا لمسيرة المكابدات الدائمة ضد شرور الجسد والنفس والعالم.. افعل ما يتوجب عليك، وليحدث ما يحدث!

آخر المقالات:

أقسام المدونة:

الأرشيف:

14 رأي حول “محراب الاعتراف

  1. “تكون عملًا أكثر سموًا وأهمية؛ حين يكون باعثها رعاية الذات وتقويمها”
    هذا النور الذي غاب عن تولستوي
    تدوينة تلتفت للبذور والجذور لا الأغصان وتتفقد الباطن بكشاف لا يحمله إلا الوهيبي بما وهبه الكريم

    Liked by 1 person

  2. لطالما قلت في نفسي: الكتابة الكثيفة وشاية ماكرة بدواخل النفس، تبقى مرغوبة ومريحة حتى يتمكن الوعي الحاد من الكاتب فيحسب عندئذ لكل معنى ألف حساب ويخشى انكشاف وتعري مشاعره وأفكاره أمام الجميع .. سعيدة أني وجدت هذه الفكرة في مقالك.. وأفكار أخرى مهمة أيضا..
    المقال طويل لكن الركض خلف الخلاصات والمعاني فيه ممتع ولا يمل منه ..
    زادكم الله من فضله

    Liked by 1 person

  3. «إن وصف المرء الصادق –قدر الإمكان– لحياته الخاصة؛ له قيمة كبيرة بغض النظر عن الإنسان الذي يؤديه، ولابد أن يكون فيه نفع عظيم للبشر»
    كم تدفعني للتعري.. وعلى ماذا التخفي

    نتخفّى عندما نخشى سكاكين المراقبين والمقيمين؛ عندما نعطيهم قيمة أعلى من حقيقتنا البشرية. نتخفّى عندما تطغى صورة (حياة الرفاهية واللذات) وأنها الأصل مع تجاهل بحمق تلك الألوان الداكنة من الحياة. نتخفى عندما يكون الخطاب العام، عن أعلى مراتب التهذيب والأخلاق والنجاح، مع إهمال عن الحديث عن الضعف والشهوة والمرض والابتلاءات. نتخفى عندما لانكون صادقين ونصف لوحة الحياة بكاملها.

    شكراً على المقال الوسيم!

    Liked by 1 person

  4. جميل جدا
    كنت قد قرأت بعضه من أسابيع ثم توقفت على أن أكمل لاحقا
    وقد كنت تحمست على أن أدون يومياتى ثم ثارت فى نفسى أسئلة عن ماذا لو قرأت زوجتى أو أولادى بعد زمن تلك اليوميات سأكون خجلا إذا كنت حيا واذا كنت كنت ميتا فقد تتغير نظرتهم عن أبيهم فتركت الأمر باحساسى بعدم جدواه إذا لم أكن صادقا
    عدت اليوم لاعاود تكملة المقال فوجدت نفس الذى ثار فى نفسى حدث لتوستلوى ومع ذلك أكما فشجعت ثانية
    المقال جميل ويثير المشاعر والتساؤلات و الخيالات ونعم المقال.

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s