ترويض الكآبة

«إن المعاناة هي نتيجة المسافة بين الأنا والأنا المثالية، والمسافة بين صورتي عن نفسي وما أريد أن أكون»

جوزيف ساندلر (ت1998م)

(1)

ماذا تصنع حين تحزن؟ أعني إذا غرقت في لجّة غمّ سوداء، لا مجرد كدر عابر، بل حين تفقد المتعة تمامًا. حين يضطرب نومك، أو يتزايد أكثر مما ينبغي، حين تشعر بأن طاقتك اليومية تنفد بسرعة، ويستحوذ عليك الشعور بالإحباط، والفشل، والخذلان. حين تطبق على روحك شباك الشعور المضني بالذنب. حين يتشوّش ذهنك، وتحنّ إلى التركيز وذهنك الصافي، وتتباطأ حركتك وكلامك وأحاسيسك وأفكارك الداخلية، وتشعر بتبدّد الواقع وتبعثر الوجود اليومي، وأن لا شيء مما تفعله حقيقي أو جيد، وتستطرد خيالاتك في طريق الخواطر الجنائزية، والميول العدمية، وتستحلي سيناريوهات الرحيل الأخير. يسمون كل ذلك الآن “الكآبة” كما تعرف. ربما تعرف السبب في كل ذلك، وربما لا. هناك غموض ما في تفسير “الكآبة” وملابساتها، لأن هذا المزاج المظلم لا يكتفي بسرقة طمأنينتك وراحة بالك ومتعك الصغيرة، بل يدفعك إلى إيذاء نفسك وزيادة معاناتها، فيبدو المزاج الاكتئابي وكأنه يناقض المفاهيم الراسخة عن الطبيعة البشرية المعهودة.

(2)

إذا كنت كذلك –لا قدر الله- سيقول لك آرون بيك (ت2021م) -وهو معالج نفسي شهير- مستلهمًا الفكرة الرواقية القديمة أن مشكلتك والحدث الذي ولّد كل هذا السواد بداخلك ليس هو السبب، بل فكرتك عنه هي السبب، فالخلل في أفكارك وخيالاتك المحرَّفة؛ “فالطريقة التي تراقب فيها ذاتك، وتوجهها، وتطريها، وتوبّخها، وتفسّر بها الأحداث، وتقوّم التوقعات” هي العلة الجوهرية لمأساتك الصغيرة. عادةً يرافق الكآبة وعي شديد بالذات. لاحظ ذلك، ستجد أنك أصبحت واعيًا وعيًا حادًا بمشاعرك الداخلية، تتأمل بدقة شديدة أفكارك، وإدراكاتك اللحظية (وهذه السمة تجدها أيضًا في حالات القلق، والخوف، وغيرها من الاضطرابات الانفعالية). ثم إن هذا الوعي ينتج هو الآخر نوعًا خاصًا من المعاناة في رأي محللين آخرين، فإن معرفة حقيقة رغباتك، واستيعاب أنها غالبًا تتوقف على الآخرين، وربما تكون محظورة (غالبًا ما تكون كذلك!)، ولابد من تجاوزها؛ تجعلك تندم على هذا الوعي، لأنه يفتح جبهة صراع مكلفة في داخلك، ويثير كوامن التوتّر والانزعاج والخوف من دمامة الباطن، وهو خوف عميق ورئيسي إلى درجة أن آدم فيليبس يزعم أن “الرهاب الوحيد هو رهاب معرفة الذات”. وهناك احتمالية -أيضًا- لإحباط من نوع آخر، فالرقابة الذاتية المفرطة، والتدقيق المكثف على الدواخل، تفضي بك إلى اكتشاف حقيقة مزعجة وهي أن الأمر أشبه بتقشير البصلة، فمع نزع طبقة تلو أخرى، لا تصل إلى شيء، لا وجود لذات ثابتة متمركزة هناك في جوف أعماقك، لا وجود لمرتكز يحدد جوهرك يمكنك الاعتماد عليه. ربما.

هذه الحالة تجعلك أكثر حساسية فنية، وإرهافًا أدبيًا، بل إن الإبداع الفني –على الأقل كما تزعم المحللة النفسية البريطانية هانا سيغال (ت2011م)- هو استجابة لخواء الاكتئاب، وهي تقول: «إن الإبداع برمته هو إعادة خلق لما كان محبوبًا وكاملًا، غير أنه أضحى مفقودًا ومحطّمًا الآن بوصفه عالمًا ونفسًا داخليين محطمين. عندما يكون العالم محطمًا وميتًا وبلا حبّ، وعندما يكون أحبابنا أشلاء، ونحن أنفسنا عاجزين ويائسين؛ عندئذٍ لابد من إعادة خلق عالمنا من جديد، وإعادة لملمة النتف، وبعث الحياة في الأشلاء الميتة، وإعادة خلق الحياة». وهذا يصحّ في غير حالات الاكتئاب الحادّ والمطبق، وإلا فحينها يتعذّر فعل أي شيء، فكما يقول الناقد الأمريكي ليون ويسيلتير؛ “إن كان بمقدورك الكتابة عن الحطام، فذلك يعني عدم اكتمال الحطام”.

لكن هذه الحساسية الفنية –للأسف- قد تحجب عنك جوانب رئيسية من خبراتك الجوانية، فهي تقوّي تحريفاتك الذاتية للواقع، وتشويهك غير الحصيف للوقائع. وتتمركز هذه التحريفات في ثلاثة أفكار رئيسية: (أ) مبالغتك في لوم ذاتك وتوبيخها والتقليل من شأنها. (ب) تفسير شديد السلبية لخبراتك الحياتية. (ج) نظرة مأساوية وعدمية لمستقبلك.

من أين تنبع هذه “التحريفات” التي تسيطر على عقلك؟ ربما من الشخصنة (personalization)، فالوعي المفرط بالذات -وربما النرجسية أحيانًا- تدفعك إلى رؤية الأحداث المحيطة وكأنها تخصك شخصيًا، وتعنيك بشكل مباشر، فتبالغ في ربطها بذاتك، كل موقف عابر، كل كلمة ملقاة، كل تصرف أرعن، يمسّك بصورة مباشرة. وتنبع -أيضًا- من نزعتك القوية للتطرف، والحديّة المفرطة، إما كل شيء، أو لا شيء. سيقول لك د.بيك وكثير من المعالجين التحليليين أن نشأتك وسنوات طفولتك المبكرة ربما أثرّت في إكسابك هذه الحساسية الزائدة تجاه الظروف المحيطة. وسيقول لك أيضًا أنك ربما وضعت لنفسك منذ زمن غايات مفرطة الكمال والصرامة، ولذا فإن عالمك الداخلي والخارجي يتقوّض وينهار إذا واجهت أية إحباطات حتمية، فالطموح العالي يجعل السقوط أشقّ. حين تعوّل على قدراتك الذاتية، ذكائك، جاذبيتك الشخصية، قوتك، نشاطك، مواهبك، إنجازاتك، ثم لا تحقق طموحك ولا تصل لأحلامك أو تخيب آمالك العراض؛ فإن شعورًا حارقًا يدفعك بقوة للاعتقاد بأنك معطوب من الداخل، ومع الوقت تصطبغ أحاديثك الداخلية مع نفسك بهذه الفكرة المهينة، وهذا العطب –كما تقنع نفسك- جزء بنيوي في ذاتك، ومن ثمّ فهو دائم وأبدي، فتنتقل خواطرك وأفكارك من صورة بالغة السلبية عن الذات، إلى رؤية سوداوية عن المستقبل، حيث تصحبك فيه ذات معطوبة لا شفاء منها. وهكذا تدخل دائرة مرعبة من البؤس التراجيدي، لأنه “خلال فترات الاكتئاب تصبح الأفكار أكثر آلية، وأقل منطقية”.

وقد ثبت أن أخطاء التفكير (كالتفكير الحدي، والقفز للاستنتاجات، وإهمال الأدلة، والمبالغة في التعميم) تتضاعف عند المكتئب ثلاثة أضعاف بالمقارنة مع حاله إذا لم يكن مكتئبًا. إذًا تتضخم أخطاؤك وخطاياك حين تكون مكتئبًا مع أنك حينها لا تشعر بهذا التضخم، بل تتوهم أن أفكارك واقعية صارمة، وليست أوهامًا مزيفة كما كانت. هناك مصطلح لافت يلخّص هذه الحال وهو (Catastrophizing) ترجمه بعضهم بـ”الكورثة”، وهو يصف حالة المكتئب في اندفاعه العنيف لتضخيم مأساته، وشعوره العنيف بأن حياته تسير وكأن “كارثة” ما على وشك الوقوع، إن لم تكن وقعت بالفعل.

أجرى د.بيك وغيره تجارب أثبتت أن بعض النجاحات الصغيرة -كفوز المكتئب في إنجاز مهمة أو مسابقة صغيرة- تخفف من نظرته القاتمة تجاه ذاته، وتحسّن من مزاجه، ومن قدرته على التواصل. يرى بيك –وخلفه مدرسة كبيرة مؤثرة في المعالجة النفسية- أن المبادئ الأساسية للعلاج تستند لضرورة قناعة المكتئب بأن “إدراكه للواقع ليس هو الواقع نفسه”، وأن تأويلاته للأحداث والظروف والسياقات عرضة دائمًا للخطأ والتحريف. لابد لك من إعادة فحص “الحديث الذاتي”، أي تلك الأشياء والأفكار التي تقولها لنفسك (أتمنى لو كنت إنسانًا أفضل، لا أحد يفهمني، أشعر وكأني في صراع مع العالم، أكره نفسي، أنا تافه، حياتي فوضى،..الخ)، ودور المعالجة تفكيك وتصحيح هذه الأفكار المطلقة والشمولية وغير العقلانية، وتقليم حدّتها، وتهذيب تمركزها المفرط على الذات.

(3)

في وقت مبكر نسبيًا كتب الطبيب إسحاق بن عمران (ت294هـ) مقالة عن “المالنخوليا”، وهي الكآبة في لغة الطب القديم، وهي مقالة مهمة وصفها الطبيب والمؤرخ الأندلسي البارز ابن جلجل (ت377هـ تقريبًا) بأنه “لم يسبق إليها”، وأشار فيها ابن عمران إلى بعض أعراض المرض فذكر “دوام الكآبة والفزع مما لا يفزع ولا يدعو، وحديث النفس والتفكير الدائم في غير سبب يوجب التفكير، وإخطار أشياء بالفكر مما تردع وتهول ليست لها معان أصلًا“، وقال بأن “كثرة الترفّه، ودوام السكون والنوم؛ يسهّل الوقوع في هذا المرض”، وحاليًا أثبتت دراسات متعددة أن “مزاولة التمارين الرياضية ثلاث مرات في الأسبوع له مفعول مشابه لمفعول مضادات الاكتئاب”. لاحقًا سيكتب ابن سينا (ت٤٢٨هـ) في كتابه “القانون” أنه لا أضرّ على المصاب بالمالنخوليا (الكآبة) “من الفراغ والخلوة”؛ ربما لأن الفراغ والخلوة تزيد من سيطرة الأفكار السوداوية على الذات، فالذهن لا يتوقف عن الحركة وإدارة الخواطر، وخلوته بها تسمح بتضخّمها وتوطّنها، فالانشغال البدني والانغماس في نشاطات جماعية تقلل من هوس “الوعي الذاتي”، فالذهن حينها ينصرف إلى التفكير بالخارج، وبكلام الآخرين وأفعالهم، وهذا يفيد المكتئب؛ حتى وإن كره ذلك.

يواصل بن عمران بالقول إن من وسائل معالجة الأزمة الاكتئابية تصحيح الخطل النظري في ذهن المكتئب، فيجب –كما يقول- “أن تقابل الأعراض النفسانية بإزالة تلك الظنون الكاذبة، والتخيّلات الفاسدة، والخطرات الرديئة”. لست معنيًا هنا بإثبات تشابهات وتتبّع خلفيات أو اختراع جذور للعلاجات المعرفية المعاصرة، إلا أن هذه التقاربات تستفزّ الذهن للمقارنة، ولكن في سياق مغاير.

وهنا أستحضر ثلاثة أطروحات تراثية عالجت أزمة “الكآبة” واقترحت تقنيات نظرية لمدافعة الأحزان، الأولى تعود للفيلسوف يعقوب بن إسحاق الكندي (ت252هـ)، والثانية كتبها العلامة أحمد بن سهل البلخي (ت322هـ)، والثالثة من تصنيف العارف المتصوف شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي (ت632هـ).

أما الكندي فقد صنّف رسالة لطيفة بعنوان “في الحيلة لدفع الأحزان”، وبناها على اعتبار أن بنية العالم منقوصة في أصل تكوينها، وأن ألم الفقد وفوات المحبوبات إنما هو لأجل الاعتياد لا بسبب طبع ثابت في تكوين الإنسان، وعلى المرء -من ثمّ- رياضة نفسه على اعتياد المكروه وفقد المرغوب، وعليه تأمل حال السلوْ عن المفقودات القديمة، وأن ذلك حال الخلق كلهم. ثم أشار إلى أن الذات وتوابعها المحبوبة ومقتنياتها المفضلة إنما هي “عاريّة”، وسأعود لذلك بعد قليل. ثم قصد إلى تفنيد الجزع من فراق العالم، والرعب من الموت، وأنه ليس بمكروه لما فيه من فضيلة انعدام الآلام؛ فما دون موت الذات أولى بعدم الجزع.

وأما البلخي فقد ذكرت طرفًا من أفكاره في مقالة سابقة، والذي يهمني هنا الإشارة إلى أنه افتتح حديثه عن الكآبة والحزن بالتفريق بين أنواع الأحزان، فهو يعالج الحزن الذي “يقلق ويعدم الإنسان الصبر” لا مطلق الحزن، لأن نفي الحزن من الدنيا تمامًا مستحيل، “ولا إلى دفعه سبيل”، ومع ذلك فهو يستخدم مفهوم “النقص البنيوي للعالم الدنيوي” نفسه في تطوير إدراك المكتئب، ويتابع الكندي فيذكر أن نوائب الدنيا مشتركة بين الخلق كلهم، إلى آخر ما ذكره.

وأما السهروردي فقال بأن الغمّ أو الكآبة “ألم نفساني يعرض لفقد محبوب، أو لفوت مطلوب”، ثم ما لبث أن شرع في نفس المفهوم الكلاسيكي وعرض إلى النقص الذي يسم “العالم الدنيّ التالف” كما يقول، وأخذ بالوعظ بالقناعة، وأن ذلك هو الطريق لكي “يستمتع الإنسان بالمدة اليسيرة من عمره”، وكرّر الأطروحة الفلسفية القائلة بأن الجزع من فقد المحبوبات عارض ليس من أصل الطبع، وأن بالإمكان “تعويد النفس السلوة، والرياضة، وإن أُتعبت”، والذي يظهر هنا أنه ينقل أحيانًا بالمعنى من رسالة الكندي لتقارب السياق والمعاني.

(4)

وبالعموم فإن بين هذه الأطروحات الثلاث تباينًا كبيرًا، فنظر الطبيب غير نظر المتصوف، فالطبيب يهتم بدقة التشخيص (كما نرى ذلك بوضوح عند ابن عمران)، كما أن مفهوم الحزن أو الغمّ الطبيعي وعلاجه يختلف -بلا ريب- عن الكآبة المرضيّة المقيمة، إلا أن الذي يهم هنا هو الرؤية الكامنة خلف كل هذه التباينات، فهناك رؤية للعالم تتحكم في تصور المنتمين لأهل القبلة، رؤية مميزة تتداخل في كل أطروحاتهم النظرية والعملية، قبل أن تتلوث الأذهان بأوضار الحداثة، وتتيه الأرواح في ظلمة العلمنة. وهنا ينقدح في خاطري بعض الملاحظات الكاشفة التي تلوح عند فحص الرؤية الكلية الحاكمة على المعالجة النظرية لأزمة الكآبة في التصور الديني، وذلك على سبيل الخاطر العابر لا الدراسة المتقصية، ولا الفحص الأكاديمي المدقّق.

الملاحظة الأولى: بدا لي أن رؤية العالم الكامنة التي تتفق عليها الأطروحات التراثية في معالجة الكآبة تتضمن مفهوم “النقص” الذي يسم الوجود في هذا العالم، فالدنيا ناقصة جوهريًا، لا يمكن فيها دوام السلامة، ولا بد من فقد لمحبوب، وفوات لمطلوب، وإن رأس المحبوبات التي يحامي الإنسان عنها ويسعى في حفظها من الآفات هي النفس، ولا بد لها من الزوال يومًا ما. ومن المفاهيم المندرجة ضمن “النقص” مفهوم “العبور”؛ فإن الإقامة البشرية شديدة القصر في هذا العالم، بل هي كلا شيء في منظور الخلود الأخروي، ويتأسس هذا المفهوم على النص القرآني، “وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ”، والذي لا يترك مجالًا للمقارنة بين العالمَيْن، “وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ”.

والملاحظة الثانية: أن الأطروحة التراثية لا تتردد في تكريس الوعي بالنقص الدنيوي الفادح من غير خوف من الانزلاق للعدمية، ويبدو أن هذا التكريس –كما أظن- يرهب كثير من المعاصرين ويفزعهم، ويتفاداه الإنسان الحداثي، لأنه لا يريد -أو لا يمكنه- التعامل مع كون ناقص بنيويًا، ويحب التعامي عن هذه الحقيقة وتناسيها إن لم يستطع تفنيدها، وحين يؤمن بها تتحول في خيالاته الطينية إلى رؤية شديدة العدمية والسوداوية، وهذه نتيجة طبيعة لإغفال الزمان الأخروي، فالدنيا مليئة بالمشاق، ولا يسهل العيش إلا إدراك حقيقة “العبور”، وأن زمن مكث الإنسان ضئيل، فهو “كراكبٍ استظلَّ تحت شجرةٍ ثم راحَ وتركها”، وصغر ظل الشجرة أو كثرة هوامّها مما يحتمله المسافر الغريب والعابر فقط دون غيره.

الملاحظة الثالثة: في المعالجات التراثية حضور واضح للبشر الآخرين، فأنت تعيش في عالم ناقص كغيرك، والناس يبتلون، فكونك لست الوحيد المبتلى مما يسلي، لا بل إن الابتلاء إنما يقع على الأكابر، فهو علامة فضيلة، فـ”أشدُّ الناس بلاءً؛ الأنبياءُ ثمَّ الأمثلُ فالأمثلُ، يُبتلَى الرَّجلُ على حسْبِ دِينِه، فإن كان دِينُه صُلبًا اشتدَّ بلاؤُه، وإن كان في دِينِه رِقَّةٌ ابتلاه اللهُ على حسْبِ دِينِه”، كما يقول صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك سلوى عظيمة.

الملاحظة الرابعة: تستحضر الأطروحات الإسلامية باستمرار موقع الإنسان من الفعل الإلهي، من خلال كونه مخلوقًا، فهو عبد محض لله، وما يجري عليه يفهم في سياق “الابتلاء”، وإن سائر ما يفقده من موت عزيز أو حبيب، أو عطب عضو، أو خسارة مال، أو زوال جاه، لابد أن ينظر إليه العبد من خلال مفهوم “العاريّة”، وهو مفهوم شديد التأثير، وعميق الجذور الأخلاقية، فكل ما في هذا العالم لله تعالى، وليس للعبد منه شيء، وإن كل ما وهبه الله له إنما هو كالعاريّة، وأي عاقل يتعجّب -فضلًا أن يغضب- إذا استعاد المعير عاريّته، بل له الفضل أولًا وآخرًا، وإنما يستعيد ما هو من حقه، وليس للمرء إلا شكر المعير سبحانه أولًا على العطاء، والرضا ثانيًا بالأخذ، فإنما هو يتصرف في ملكه كيف شاء سبحانه وتعالى، وهذا المفهوم شديد الغرابة بالنسبة للتصورات الحداثية، والتي تتأسس على أوهام امتلاك الذات، والسيادة التامّة عليها، والأحقية المطلقة في التصرف بالممتلكات الشخصية، فالتسخّط والجزع بل الكآبة العميقة ردّة فعل متوقعة -بل حتمية ربما- على الفقد وفوت المحبوبات ضمن هذه المنظومة.

إذًا جوهر الأطروحة الإسلامية في معالجة الحزن والكآبة تتركب من مفاهيم ” النقص البنيوي للعالم الدنيوي”، و”الطابع العابر للوجود الآني”، و”التسلّي بعموم البلوى”، و”الابتلاء”، و”العاريّة”. وربما يظهر التقصّي مفاهيم أخرى، إلا أني أكتفي بهذه الملاحظات.

والله المسؤول أن ينقذ أرواحنا من أسر ارتكاسها في هذا العالم، وأن يتغمدها بواسع ألطافه، وعظيم رحمته وغفرانه، وأن يختم لنا بخير حال.

46 رأيا حول “ترويض الكآبة

  1. “يؤرّقني..اكتئابُ أبي نميرٍ
    فقلبي من كآبته كئيبُ
    فقلتُ هداك الله مهلا
    وخيرُ القول ذو اللب المصيبُ
    عسى الكرب الذي أمسيت فيه
    يكون وراءه فرجٌ قريبُ
    ألا ليت الرياح مسخرات
    بحاجتنا تباكر أو تؤوبُ
    فتخبرنا الشمال إذا أتتنا
    وتخبرُ أهلَنا عنا الجنوبُ”
    هدبة بن الخشرم
    .
    .
    الاكتئاب القديم الشجي الذي لا يتضح معه أنه بسبب فوت مطلوب ولا فقد محبوب.. تجمع هذه المقالة رحيق الرحيق من الدواء والسلوى..
    بورك الفهم والعلم والمداد..

    Liked by 1 person

  2. مولانا ابو انس
    امطرت الليلة السماء بفضل ربها، وامطرتنا انت بفضل ربك ، كتب الله اجرك ، وآجرنا واياك وكل مسلم من كل
    شر وكدر .

    Liked by 1 person

  3. أصبت بما وصفت، وكأنك تتكلم عني تماما في كل سطر قلته، وأصل هذا الشر بالنسبة لي : الترفه مع مافيه من أكل ونوم وسكون.
    تعطلت حياتي عشرة سنوات بسبب الاكتئاب.._ أي لم أفعل فيها شيئا سوى الأكل والنوم_
    ورسالة الدكتوراه ما استطعت أن أكتب حرفا بسبب هذا وضاعت ثلاث سنوات.
    ثم بدأت برحلة علاج من خلفية تراثية فلست مطالعا إلا لتراثنا، فعالجت نفسي بنفسي بالذي ذكرته في خاتمة مقالك، وحاليا أنا أحسن من السابق.

    جزاك الله خيرا من أحسن ماطالعت.

    Liked by 1 person

  4. اعتقد ان من اهم وسائل التغلب على موضوع الاكتئاب لدى المسلم تحديدا هو حصول الاجرعند المصيبة او فوات شيء من ما تتمناه النفس في حال الالتزام بالاوامر الالهيه في التعامل مع هكذا ظروف فهناك شعور بانه مهما كانت الخسارة كبيرة فانك بصبرك وتوكيل امرك الى الله فانك بالمحصلة كاسب (مضاغفة الحسنات مثلا) و التذكر بان عليك ان تتعامل مع الدنيا كانك غريب او عابر سبيل يهون عليك المأسي و الأحزان اما بالنسبة للملحد او الذي يظن ان الانسان ووجودة وملذاته هي مركز العالم و غاية الوجود فمن اين يجد الانس والراحة فهو يجري في سباق خاسر ولابد فهو لوكان غني فهناك الاغنى ولو كان قوي فهناك الاقوى او الأذكى وهكذا فلا يلتفت الى وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها او الى عجبت الى امر المؤمن (اسف على الاخطاء حيث ان لوحة المفاتيح عندي لاتحتوي على الاحرف العربية)

    Liked by 1 person

  5. جميل أنك أسميتها في العنوان كآبة و ليس اكتئاب، وبذلك خرجت من المعنى المرضي الذي يتطلب علاج دوائي.
    متعبٌ جدًا مجاهدة الكآبة، طبعًا هذا إذا وعينا أصلاً أنه مزاجٍ عابر، لأننا في لحظتها لانرى ولا نسمع ولا نفهم.
    لكن سنكون محظوظين إذا حظينا حينها ب “الذكرى” أي التذكير، ولفت النظر عن المزاج إلى الحقيقة، وأن نستحضر معاني منها:
    حتى الشوكة يشاكها
    و إن من الذنوب مالا يكفره إلا الهم بالأولاد
    و لقد خلقنا الإنسان في كبد
    و لا يخافنّ أحدكم إلا ذنبه ولا يرجونّ إلا ربه
    و ألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا .. وغيرها
    وصف الكآبة لامس الحال بدقة، صرفها عنا وعنكم.
    وجزاكم الله خيرًا

    Liked by 1 person

  6. غالباً هذه الكآبة تكون بسبب= تصورات خاطئة مبالغة ومثالية + عجز عن السعي لها وتحقيقها ، ثم لوم متكرر للنفس ومحاولة المعالجة بنفس العقلية والأفكار التي كانت سبباً في الكآبة، فتكتمل الدائرة (وهذه تحصل أيضاً لمن عنده الرؤية الكونية الشرعية؛ فهو يستدل لنفسه باستدلالات شرعية غير متزنة = عدمية ) لعجزه ، و كتجربة: أظن أن أحد الأسباب ( العقلية المنطقية التجريدية ) للعاطفة ولغيرها ، فتموت النفس والروح إلى حد ما وتتلاشى قيمة ومعاني الحياة وكل شيئ حولنا .. ولعلك أستاذ عبدالله تجد رابطاً بين العقلانية المفرطة وفقدان المعنى أو خفوته في الحياة .. (هذا الشعور ساقني لقراءة كتابك -معنى الحياة-)

    Liked by 1 person

  7. جزاك الله خيراً على الطرح القيم .. أرحت قلبي و ألقيت عنه ثقلاً أرقني الأيام الخالية .. ربما تعمقت في ما كتب المعاصرين عن النفس فأنسيت بما قرأت ان الدنيا زائلة و النعم لا تدوم و أن المستقر الأخرة .. فعشت كآبة سقيمة و ترافقت دقات قلبي مع موسيقا القلق التي جعلتني معاقة عن استشعار معنى وجودنا في هذه الأرض و قطعت بعضاً من حبال الوصل مع خالق هذه النفس .
    جزاك الله خيراً فقد كنت فقط محتاجة لهذه الكلمات و هذا التذكير.
    جزاك الله خيراً و رفع عنك كرب الدنيا و الآخرة.

    Liked by 1 person

  8. سبحان الله لا أعلم كيف وصلت إلى المقال الرائع والكاتب الفاضل … الحقيقة بأن الفتره الحالية التي أمر بها أعلم سبب كآبتي ولكنني لم أتقبل فكرة الكآبه نفسها وهي تسيطر على عقلي وروحي بشكل غير دائم ولكن عندما أمر بذات الظروف وهي الضغوط الشديده وقلة النوم والتفكير المتواصل بالمهام المطلوبه… أشكرك حقاً على جعلي أفهم نفسي أولا ثم أفهم الكآبه بشكلها الواضح بعيداً عن المثاليه وبالكثير من الواقعية في الطرح لامس ماكتبت القلب فلك من القلب صادق الدعاء والتقدير..

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا على راضي النماصي إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s