الشعور بالذنب

يلاحظ بعض المحللين شيوع شكوى الأفراد من ألم “الشعور بالذنب” في الزمن المعاصر، ومظاهر ذلك متعددة، فتظهر مثلًا في انتشار خطاب مسامحة الذات، وفي الاهتمام الذي تبديه المعالجات النفسية بهذا اللون من الشعور الممضّ والممرض، وكما يلاحظ المعالج النفسي إيرفن يالوم -على لسان إحدى شخصياته الروائية- فقد أصبح لدى “كل معالج متمرّس ترسانة من أساليب نسيان الماضي والمسامحة”، وهو يرى بأن “صناعة (المغفرة) البسيطة والحذرة تضخمت كثيرًا، وسوّقت هذا الجانب من العلاج إلى كل شيء، وقدمتها على أنها شيء جديد ومبتكر، وحظيت باحترام ضمني ممزوج بمناخ المغفرة الاجتماعي والسياسي الحالي، الذي يتناول طائفة من الجرائم، كالإبادة الجماعية، والاستعباد، والاستغلال الاستعماري، حتى إن البابا طالب –مؤخرًا- بالمسامحة لقيام الصليبيين بنهب القسطنطينية، وطرد سكانها في القرن الثالث عشر”.

ويرصد الناقد الفرنسي جان تادييه الحضور الكثيف لهذه الظاهرة في الرواية الحديثة وروايات القرن العشرين، عند دوستويفسكي وفرانز كافكا ومارسيل بروست (يشير إلى أن الرواي في “البحث عن الزمن المفقود” يقدم نفسه بصفته واحدًا من أكبر المذنبين في القرن العشرين)، وجوزيف كونراد وكامو، وآخرين.

وعند التأمل والفحص تبرز أمامنا جملة تفسيرات جزئية تكشف عن دوافع هذا الشعور ومسبباته: التفسير الأول يرى أن الشعور “الطبيعي” العميق بالذنب ينجم ضمن عملية تفرّد الإنسان في الحداثة، وهذه العملية الضرورية للتطور والنمو تستوجب على الفرد أن يضع نفسه في مواجهة الطبيعة أو الكون، وهذه الوضعية تشعر الفرد بالضعة الهائلة أمام الكون، وتملؤه بإحساس الضآلة والصغر والهامشية وانعدام القيمة، ومن ثمّ يتولّد الشعور بالذنب. 

والتفسير الثاني يُرجع الشعور بالذنب إلى إدراك الإنسان لمحدودية وضعه الوجودي، فالفرد حين “يشعر بملكاته، ومواهبه وقدراته، وبأن حياته هي الفرصة الوحيدة المعطاة له، وأنه إذا فقد هذه الفرصة فقد كل شيء، وهو يعيش في رغد مريح ومع ذلك يشعر بأن الحياة تمرق من بين أصابعه، ولا يسعه إلا الإحساس بالذنب من أجل التبديد، ومن أجل الفرصة الضائعة” كما يرى إيريك فروم (ت1980م). وهذا ما يسميه بعض النفسانيين بالذنب الوجودي (ontological guilt) ويقصدون به الشعور الذي “ينشأ –جزئيًا على الأقل- من إضاعة وتبديد إمكانات الفرد الكامنة”.

وإذا نظرنا من منظار آخر سنتبين مصدر مهم وجوهري –في ظني- للشعور المعاصر بالذنب، وهو تجاهل الفطرة والأسس الاخلاقية ذات المنبع الديني، وهذا هو التفسير الثالث فالرغبة الجامحة بالسيطرة التامة على الذات بغرض تحريرها، وإخضاع كل مسببات الألم النفسي للتشخيص والمعالجة، مع الحفاظ –في الوقت نفسه- على إقصاء الأبعاد الروحية والغيبيات الدينية، والحرص على ضبط وتنظيم -وحتى كبت- الدوافع الغامضة و”غير العقلانية” المؤثرة على السلوك الفردي المراد تحريره من تعاساته المؤرقة؛ كل ذلك يكرس من انفصال الفرد عن فطرته الأصلية، وفقدانه الاتساق مع طبيعته الوجودية وتطلعات ذاته الدفينة للمعنى، وكما يقول تشارلز تايلور: “يوجد أصل الذنب، والاغتراب، والانقسام الداخلي ولو جزئيًا على الأقل؛ في الطموح إلى شيء متعالٍ“. ويمكن التعبير عن ذلك بعبارة أخرى؛ فيقال إن الشعور بالذنب هو شكل من أشكال الاحتجاج الباطني على إعراض الفرد عن مقتضيات العبودية، وكبته لأشواق الصلات الإلهية، وقمعه الواعي أو اللاواعي لهذه النداءات الفطرية.

وهذا “الاحتجاج” اللاإرادي ليس غريبًا، فحتى الجسد يحتجّ -أحيانًا- على الانحراف الأخلاقي، فقد درس الأنثروبولوجي البريطاني هيو غسترسون مواقف علماء الفيزياء النووية، ونقل عن أحدهم أنه رفض العمل على تطوير أسلحة نووية، وشرح سبب ذلك بقوله: “إن رأسي يفهم الأسباب التي تدعو إلى العمل على الأسلحة، للردع وما إلى ذلك، ولكن حين أفكر في القيام بهذا العمل أشعر بذلك الشيء في معدتي”. 

وهناك تفسير رابع يمسّ الجوانب العملية في حياة الفرد اليومية؛ ومفاده أن الشعور بالذنب ينبع من التضارب الدائم والحادّ بين المعرفة والإرادة، أو تناقض دوافع إشباع الرغبات والغرائز والمشتهيات مع المعرفة والوعي بمخاطر تلك الإشباعات وأضرارها، وهذه وضعية ليست جديدة على الإنسان، بل هي جزء من تكوينه منذ البداية، إلا أن الجديد في الزمن المعاصر يكمن في تضخّم الدعاية وآليات التسويق الرأسمالية من جهة، وتراخي القيود الدينية والحدود الأخلاقية من جهة أخرى، واتساع المعرفة المفّصلة بالآثار السلبية للاندفاع وراء تلك الرغبات من جهة ثالثة؛ فعروض وإعلانات الأطعمة الضارة -مثلًا- تقابل الفرد بصورة شبه يومية، وتتفنّن في إغوائه واستمالته، وفي الوقت نفسه يواجه الفرد توعيةً صحية مكثّفة، من خلال البرامج والشبكات ووسائط المعرفة المختلفة، وضغوطًا قوية للانضباط الغذائي، وترويجًا مستمرًا لأساليب التخلص من الوزن الزائد…الخ، فبين هذا وذاك ينشأ الشعور العميق بالذنب، ليس فقط بسبب ضعف الالتزام بالغذاء الصحي، بل إنه في ظل الاقتصاد الاستهلاكي، وتسويق الإشباع الكثيف للرغبات وإدمانها، ذكر بعض الأطباء والمحللين النفسيين أن مرضاهم يشعرون بالذنب؛ “لأنهم لا يمتلكون الرغبة في الانغماس بالملذات، والاستزادة منها”. كما يقول سلافوي جيجيك. وقسْ هذه الحالة التناقضية على بقية الشهوات والرغبات الإنسانية.

وأخيرًا ربما ساهمت عقيدة الفداء والخطيئة الأصلية المتغلغلة في المخيال الثقافي الغربي في تضخّم مشاعر الذنب أيضًا.

6 آراء حول “الشعور بالذنب

  1. “إن الشعور بالذنب هو شكل من أشكال الاحتجاج الباطني على إعراض الفرد عن مقتضيات العبودية، وكبته لأشواق الصلات الإلهية، وقمعه الواعي أو اللاواعي لهذه النداءات الفطرية”
    جميل كعادتك

    Liked by 1 person

  2. وهو تجاهل الفطرة والأسس الاخلاقية ذات المنبع الديني، وهذا هو التفسير الثالث فالرغبة الجامحة بالسيطرة التامة على الذات بغرض تحريرها،
    ….. الى نهاية الفقرة
    لما فيها من تأصيل جميل للمشكلة وهدايا لحلها فقرة موفقه وجميلة جدا جدا بارك الله فيك و بمجهودك

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s