بين عمل الأبدان وعمل الأذهان

(1)

الأعمال التي تقوم عليها حياة الناس وتستقيم بها مصالحهم تنقسم بحسب حاجات الاجتماع ومتطلبات العمران، إما أعمال ترتكز على جهد البدن، ومهارة اليد، وقوة الجسد، أو أعمال يغلب عليها عمل الذهن، وحركة العقل، والجهد النظري. فالعمل في النجارة والحدادة وأعمال البناء ليس كالعمل في القراءة والبحث والنظر والتدريس والتأليف في العلوم. ثم تغيّرت الأزمنة وتداخلت الأعمال، وقامت سوق الوظائف وتشعّبت، وتضخمت رؤوس الأموال، وهبطت منزلة أعمال البدن أكثر من ذي قبل، وأضحى الطموح منصبًا لأعمال المكاتب، والأماني تركض خلف “الياقات البيضاء”. وهذه الثنائية داخلها ما داخلها من لوثة التحديث، وسوءات اللبرلة الاقتصادية، وأمراض المجتمع المعاصر المزمنة. ومن هنا يتحدث الأنثروبولوجي الراحل ديفيد جرايبر (ت2020م) عن الوظائف الهرائية، ويكتب: «في الحقيقة لم ألتق بمحامي شركة لا يعتقد أن عمله عبارة عن هراء… كيف يمكن لأحدهم أن يتحدث عن الكرامة في العمل بينما يعتقد في سره أن مثل وظيفته لا ينبغي أن توجد. كيف لا يولّد هذا غضبًا واستياءً عميقين؟… في مجتمعنا يوجد قانون عام يقول: كلما قل عدد المستفيدين من عمل شخص ما، كان المبلغ الذي يتقاضاه أقل، ولكن حتى نقترب من الإجابة نطرح هذا السؤال: ماذا لو اختفت هذه الطبقة من الناس بأكملها ببساطة؟ قل ما يعجبك في الممرضات، عمال البلدية، أو الميكانيكيين. من الواضح أنهم لو اختفوا بغمضة عين، فالنتائج ستكون مباشرة وكارثية، ولكن ليس من الواضح تمامًا كيف ستعاني البشرية عندما يتلاشى فجأة جميع الرؤساء التنفيذيين في الأسهم الخاصة، جماعات الضغط، الباحثون في العلاقات العامة، الإكتواريون، المسوقون عبر الهاتف، المستشارون القانونيون»، ويمكنك أن تضيف إلى هذه القائمة أعمالًا “هرائية” ليست قليلة، مثل قائمة الوظائف الحكومية المكتبية في بيئات العمل الموسومة بالبطالة المقنّعة، وبعض الأعمال المهدّدة بتقنيات الأتمتة.. هل أضيف: العمل الثقافي؟! لا أقصد التحقير من العمل الثقافي، ولكن من المشروع التساؤل عن جدوى نشاط معظم الكتّاب والصحفيين في عالم اليوم، لكن هذا ليس من مقصود هذه الأسطر.

(2)

المنخرطون في الأعمال النظرية يشكّلون قطاعًا لا يستهان به في الواقع الحالي، ومن ذلك ما يتعلق بالوظائف أو الأعمال العلمية والثقافية، والمنشغلة بعلوم الدنيا أو علوم الآخرة، ويعتمد هذا العمل العلمي والثقافي على البحث والقراءة والكتابة، مما يتطلب أوقاتًا طويلة للعزلة والبعد عن الآخرين، وقبل ذلك الفراغ الذهني والزمني، مع الركود والجلوس الطويل. وهذه أول مصاعب أو تكاليف العمل الذهني.

كل الوظائف التي تتطلّب منا الحياة القيام بها لا تتم كما يجب إلا إذا عوّدنا أجسادنا على الحركة، وهذا دأب الجسد نفسه في تصرفاته اللاإرادية، فهو يتحرك باستمرار، فالقلب ينبض، والدم يجري، والنفَس في مدر وجزر، والأحشاء تهضم، والغدد تفرز، وهلم جرًا؛ فـ«الإنسان خلق خلقًا متحركًا مشّاءً بالطبع، فإذا عطّل نفسه مما خلق له أداه ذلك إلى الأمراض والأسقام» كما يقول الحكيم أحمد بن سهل البلخي (ت322هـ). ويحلل شوبنهاور (ت1860م) العلاقة المتضاربة بين سكون الجسد الخارجي وحركته الحتمية الداخلية بقوله: «حين يغلب الاستقرار على نمط حياة الناس وتغيب الحركة فيها -وهو شأن الكثيرين منهم- يحدث تباين صارخ ومضرّ بين شيئين: الراحة الخارجية والجلبة الداخلية، فحركة الداخل المتواصلة بحاجة إلى حركة خارجية تؤازرها، والتفاوت بينهما يجعل الإنسان أشبه بمكْرهٍ على كظم انفعالاته الداخلية الفوَّارة كي لا تظهر لغيره». ويعبّر برتراند رسل (ت1970م) عن انزعاجه من طبيعة الأعمال الحديثة المضادة لتركيبة الإنسان العضوية الحركية: «إن تركيبنا العقلي صُمّم لحياة ذات جهد بدني عالٍ، اعتدت في صغري قضاء وقت فراغي في المشي، كنت أسير خمسة وعشرين ميلًا في اليوم، فلا أكون بحاجة إلى شيء يبقيني بعيدًا عن الملل عندما يحل المساء، إذ أن لذة الجلوس تغنيني. لا يمكن للحياة الحديثة أن تسير على هذه المبادئ الجسدية الشاقة. معظم الأعمال خاملة، وغالبية الأعمال المكتبية لا تمرِّن إلا عضلات قليلة محددة».

إن تحليل أثر الحركة على سَوَاء المرء واتزانه وسلامة بدنه لهو من قبيل تقرير البدهيات التي يدركها معظم الناس بالتجربة اليومية المباشرة، ولذا فقبل ما يزيد عن ألف سنة لاحظ أبو زيد البلخي أن «كثيرًا من أهل النعمة والدعة والرفاهية في العيش الذين تقلّ حركاتهم يدفعون إلى أمراض مزمنة معطّلة للجوارح»، وهو يرى -كما في كتابه “مصالح الأبدان والأنفس“- أن «أفضل الحركات التي يستعان بها في حفظ الصحة حركة المشي؛ لأن كلًا من أجزاء البدن يتحرك بحركة المشي، فيصيبه حظ منها».

(3)

لا يقتصر الأمر على مخاطر أسقام البدن الناتجة عن طول الجلوس ومداومة النظر، بل قد يلحق المنغمس في الأعمال الذهنية بعض الأسقام النفسانية والعوارض الباطنية، بما لا يوجد مثله عند المنشغلين بأعمال الأبدان. في كتابه “الفروسية المحمدية” يحكي ابن القيم رحمه الله (ت751هـ) تجربة شائعة عن أثر حركة البدن حين انشغاله ببعض الأعمال الحركية وابتهاج النفس، يقول: «لو لم يكن في النضال [رمي السهام] إلا أنه يزيل الهمّ، ويدفع الغمّ عن القلب؛ لكان ذلك كافيًا في فضله، وقد جرّب ذلك أهله». ويرصد عالم الاجتماع الأمريكي ريتشارد سينيت أثر العمل الحرفي الإيجابي على العامل، ويشير إلى أن الحرفة اليدوية تمنح صاحبها نوعًا من الاعتزاز بعمله والفخر به، وإن كان عمله من رتبة دنيا، ولتأكيد ذلك قامت تلميذة لسينيت وهي بوني ديل بعمل دراسة في أواخر السبعينات، عن عاملات التنظيف في البيوت بحي هارلم بنيويورك، وهن عاملات من السود يعملن برواتب شحيحة، ويتعرضن لسوء المعاملة غالبًا، إلا أنه «في نهاية كل يوم كانت النسوة يستنقذن فلذة من القيمة الذاتية من تنظيفهن الجيد لبيتٍ ما، مع أنهن قلّما نلن ثناءً على ذلك»، وهو يعقّب على ذلك بأنه المهم -مع ذلك- عدم إضفاء مسحة رومانسية على العمل الحرفي. وفي مقالة مميزة لماثيو كراوفورد، (وهو باحث مساعد في معهد الدراسات المتقدّمة للثقافة في جامعة فرجينيا، وقد حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة السياسيّة، ثمّ افتتح مشغله الخاصّ لإصلاح الدراجات النارية) يتحدث فيها بنبرة جذابة عن العمل الحرفي، والذي يمثل بالنسبة له تجربة شخصية، ويشرح الأبعاد النفسية والوجودية للحرفة، يقول: «الحرفة اليدويّة قد تكون في عمقها هي الرغبة في أن ننجز شيئاً على الوجه الأمثل، من أجله هو ذاته، دون رغبة متعدّية إلى ما وراءه. وإذا كان هذا الشعور العميق بالرضا شعورًا شخصيًا وداخليًّا بالأساس، فإنّ هذا النوع من الأعمال يستبطن، بلا شكّ، نوعًا من “الإفصاح عن الذات” أيضًا»، وينقل عبارة لألكسندر كوجيف (ت1968م) تذهب في استكناه العمل اليدوي بعيدًا حيث يقول فيها «إنّ من يعمل، يُدرك ما يُنتجه ضمن عالمٍ قد خضع للتحوّل بواسطة عمله: إنّه يدرك نفسه فيه، ويرى حقيقتَه الإنسانيّة ماثلةً في العالم. وفي عمله يكتشف ويكشف للآخرين الواقعَ الموضوعي لوجوده الإنسانيّ، وللفكرة المجرّدة الأصلية والذاتيّة الخالصة التي يملكها عن نفسه». فالإنجاز في العمل اليدوي شديد المحسوسيّة والوضوح، والمهارة في العمل ملحوظة بدقة، والانغماس في الاحتكاك الحسي بالأدوات والأشياء وإحداث تغيّرات عميقة في بنية المواد المختلفة يشبع رغبات وحاجات عديدة قد لا يمكن للمرء ملاحظتها.

(4)

إلى جوار أسقام البدن المحتملة ومصاعب الكدر الباطني المتوقعة قد يقع المنشغل بالعمل الذهني تحت وطأة عالمه الخاص والضيّق في أوهام البحث النظري وآثاره الخفية، حيث يسهل السيطرة على الأفكار، وإخضاع اللغة، وإنشاء الحدود والضوابط، وسنّ القوانين، بخلاف العالم الواقعي، وقد انتبه لذلك نديم البيطار (ت1434هـ)، وكتب:

«عالم المفكر هو ما يقرأ وما يطالع، إن عالم كتبه يمثّل عادةً –بمفاهيمه وأفكاره والتزاماته الأخلاقية- عالمًا أكثر واقعية بالنسبة له من عالم الناس. الكلمات والأفكار التي تكوّن هذا العالم هي أدوات المثقفين، والهدف من استخدامها هو تنظيمها في تصورات معينة حول قضايا محددة، أو في نظريات عامة جامعة للتاريخ، أو لمرحلة تاريخية، أو لمجتمع معين. هذه الأدوات والأهداف التي تخدمها تقتصر على إرادة المثقف المستقلة، الذي يستخدمها كما يريد وفي أي وجهة يرغب فيها. وهذا يعني أن المثقف يعمل في دنيا مطواعة له، تنقاد لإرادته وتأخذ أشكالها وفق رغباته. هذا العمل -وخصوصًا إن كان مركّزًا في عزلة عن الخارج ومشاغله وصراعاته اليومية وممارساته العملية- يولّد فيه نفسية خاصة ترى على الأرجح وإن كان بشكل لاواع أن الواقع الموضوعي نفسه يخضع أو يجب أن يخضع لرغباته وإرادته فيكون مطواعًا وصاغرًا لها مثل الأدوات التي يستخدمها».

هذه السيطرة المتوهمة على عالم الأفكار قد تفضي بصاحبها إلى تفضيل العزلة، لأن عالم البشر لا يمكن السيطرة عليه، ولا إخضاعه، بخلاف عالم الكتب والفكر والأدب. في عام 1988م نشر الصحفي والمؤرخ البريطاني بول جونسون كتابه الهجائي “المثقفون“، وهو عبارة عن سير ذاتية لعدد من مشاهير المفكرين الغربيين كروسو وسارتر وماركس مع التركيز على إخفاقاتهم الأخلاقية وفضائحهم السلوكية، وفي الفصل الذي يخصّ الشاعر الإنجليزي بيرسي شلي (ت1822م) كتب جونسون عنه: «كان يعطي الأفكار أولوية على البشر، وحياته هي أكبر دليل على كيفية إمكان أن تكون الأفكار قاسية وعديمة الرحمة»، وكتب أيضًا عن المسرحي الألماني برتولت بريخت (ت1956م) يقول: «كان مثل معظم المثقفين يفضّل الأفكار على الناس ويقدّمها عليهم. لم يكن هناك دفء في أيٍ من علاقاته، ولم يكن له أصدقاء بمعنى الكلمة»، ويتفق نديم البيطار مع المفكر الروسي فيساريون بيلينسكي (ت1848م) الذي وصف معاصره الأناركي ميخائيل باكونين (ت1876م) بأنه «يحب الأفكار وليس الناس»، ويرى أن هذا الوصف ينطبق على الكثير من المفكرين الكبار. لا يتعلق الأمر بالجفاء العاطفي أو الفشل في بناء العلاقات، بل أخطر من ذلك حيث تطغى الرؤى الأيديولوجية على إدراك المثقف لحاجات الناس الحقيقية، وتتجاهل نظرياته المتحجّرة معاناة الإنسان اليومية، والأقبح من ذلك حين يضع نتاج عمله الذهني في خدمة سياسات قمعية، أو للترويج لبرامج إفقارية، أو أجندات سلطوية.

 (5)

وإذا نجى العامل النظري من المصاعب والتكاليف السابقة فهو أيضًا مهدد بإغراءات مواهبه وإمكاناته الخاصة، وأوهامه عنها أيضًا، كما أن رغباته الكامنة بالتفرد أو الشهرة والمجد، وخيالاته الواسعة الناتجة عن فقر واقعه الشخصي تجعله معرضًا أكثر من غيره لأنواع خاصة من الحماقات، ينسب لجورج أورويل (ت1950م) قوله: «إن بعض الأفكار هي من الحماقة بمكان، بحيث لا يمكن أن يصدِّقها إلا مثقف»، ويسخر المسرحي الروماني يوجين يونيسكو (ت1994م) بالقول «الخطأ ليس خطؤه إن عجز عن التفكير.. إنه مثقف». وكأي سلطة تتوفر لدى إنسان فهو معرّض لإساءة استخدامها، ومن ذلك سلطة اللغة والخطاب، حيث يوظف المثقف والمشتغل بالعلوم الذهنية إمكاناته الذهنية والخطابية لخدمة أغراضه وأهوائه، يعبّر نيل بوستمان (ت2003م) عن ذلك بقوة:

«إن استخدام اللغة المتهتّك، المسرف في الدفاع عما لا يمكن الدفاع عنه.. استخدام اللغة في تحويل بعض الكائنات الإنسانية إلى أشياء، استخدام اللغة للكذب وجعل الفروق غير واضحة، استخدام اللغة لقول أكثر مما تعرف أو تقدر أن تعرفه [برتراند رسل يعرّف المثقف -في عبارة معروفة- بكونه شخص يزعم بأنه يملك من الفكر أكثر مما لديه]، استخدام اسم الحقيقة دون فائدة… هذه أشياء تشكّل جرائم ضد نظام أخلاقي».

(6)

في البخاري يقول النبي صلى الله عليه وسلم «ما أكل أحد طعامًا خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده»، وقد كَثُر حديث المتقدمين عن فضيلة الكسب باليد، ورذيلة أن يكون الإنسان عالة يتكفف الناس، أو -وهو الأبشع- أن يتكسّب بدينه ويرتزق بصلاحه، وكان حال جماعة وفيرة من الصلحاء الأوائل على هذه الجادة بالتكسب من الزرع أو النسخ والوراقة والنجارة أو غير ذلك، وأضحت هذه الحال الشريفة من المناقب والخصال العليّة التي تُذكر في كتب التراجم، وتقرن بالتعفف والحرص على طعام الحلال والورع، والزهد أو الصبر على الفقر وقلة ذات اليد. ولهذا الكسب فوق الفضيلة الدينية لذة نفسانية –كما ألمحت فيما مضى- ورأيت الوزير ابن هبيرة (ت560هـ) يشير إلى ذلك بطرف خفي، فيقول: «… فأما كون داود لا يأكل إلا من عمل يده، فإنه من أطيب الكسب وأحلاه عند الرجل». والله المسؤول أن يهيئ لنا من العمل ما يرضيه، وأن ييسر لنا اتباع مراضيه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s