ديموقراطية السذّج- جيرالد برونير

في عام 2013م أصدر عالم الاجتماع الفرنسي جيرالد برونير كتابه “ديموقراطية السذج”، وقد نال صدى حسنًا فحاز الكتاب على جائزة (بروكوب للأنوار) في العام نفسه.

يتحدث المؤلف في البداية عن التضخم الكبير في المعرفة المنتجة حاليًا، والاتساع الهائل في أعداد الذين ينتجون المعرفة ويستقبلونها بصورة عامة، الأمر الذي فاقم من مخاطر انتشار وتعمق المعتقدات الخرافية وأوهام المؤامرات، ومن أسباب ذلك أن “الواقع يظهر أنه كلما ازداد إنتاج المعرفة كان نصيب كل فرد منها أقل، أي: كلما عرفنا أشياء أكثر بكون نصيب ما يعرفه المرء أقل بصفة مهمة نسبيًا”. واصل المؤلف عبر سرد حكايات ونتائج دراسات وإحصائيات تكشف عن أسباب انتشار تلك الأوهام، مثل الانحياز المعرفي، والتحيز القوقلي (هذا مصطلح من عندي، والمقصود به أن الباحث في قوقل عادةً ما تظهر له نتائج تؤكد اعتقاده بسبب خوارزميات قوقل أو بسبب الكلمات الدلالية التي يدخلها)، وتحدث أيضًا عن ما يسميه “أثر فورت”، ولا بد من إيضاح هذا الأثر لأهميته.

ولد تشارلز فورت بألبانيا في 1874م ، وتوفي في نيويورك سنة 1932م، وفي  سنة 1910م قرر فورت  امتلاك ناصية المعرفة في عصره وتجاوزها، وقد أعطى لنفسه ثماني سنين؛ لكي يمتاز في كل العلوم. المهم ألف فورت أربعة كتب من أغرب ما يمكن أن يوجد، فقد قضى حياته في فحص كل أنواع الأحداث العجيبة (أمطار ضفادع، وسقوط النيازك، وكوارث مجهولة السبب، واختفاءات.. إلخ)، ويسميها “مصحة الصدف المبالغ فيها”.

وكان يهدف إلى “أن يشمل تفكيره العالم، وكل الأحداث الغريبة التي -حسب رأيه- يصعب إدراكها عبر المعرفة في وقته، وذلك بعدّها مؤشرات لحقائق مدفونة حدّد لنفسه غاية النبش عنها، وكان بإمكانه الدفاع عن أطروحات غير قابلة للدفاع، مثل التي تؤكد أن الأرض مسطحة، لكنه لم يكن مجنونًا أو أحمقًا، بل يعترف له أغلبية معاصريه بامتلاكه نوعا من الذكاء غير المألوف“.

وكان من طريقته الدفاع عن أطروحات غير محتملة باستخدام عدد ضخم من الحجج المتنوعة، وإن كان كل دليل في ذاته بالغ الهشاشة، إلى أن ضخامة عدد الحجج يترك انطباعًا بوجود أثر للحقيقة في وسط هذا الركام. فقد يتوهم القارئ أنه لا يمكن أن يكون كل ذلك محض أخطاء.

يشرح برونير هذه الاستراتيجة الفورتية:

“وعندما نأخذ كل حجة على حدة تبدو كل واحدة ضعيفةً جدًا، لكن المجموع يبدو مقنعًا، كما يمكن أن يكون شعاع أدلة، وهذا هو الذي يصنع جاذبية هذا النتاج “الفورتي” في السوق المعرفية. إنه يصعب تفنيد كل حجة من الحجج كلمة كلمة؛ لحشدها خبرات [من علوم وتخصصات متعددة] لا يمكن للفرد أن يملكها وحده، وإن كان لا يؤدي إلى الانخراط التام، فإنه يخلق لدينا شعورًا بالاضطراب عندما نواجه هذا النوع من المعتقدات من غير استعداد، وهذا أفضل تعريف لما يمكن أن نسميه التأثير القوي، وهو ما كان يعتمد عليه شارلز فورت اعتمادًا كليًا”.

والحقيقة أن هذه الاستراتيجية يصعب الإفلات من شباكها عند العموم، وهي تشبه ممارسة متكررة لدى بعض منتجي الخطابات السياسية والفكرية والاجتماعية في شبكات التواصل، فهم يقدمون رأيهم وحججهم باستمرار، ويجيرون الأخبار اليومية والاكتشافات التي يعلن عنها من شتى العلوم وغير ذلك في سبيل ترسيخ توجهاتهم وأفكارهم، بحيث يصعب على المتابع العادي أن يفند باستمرار هذا الحشد المستمر من الهراء الحجاجي مهما بلغت ركاكته.

ومن الأفكار التي أكدها المؤلف الإصرار على انتشار الخرافات والأوهام وشائعات المؤامرات المستمر لا يمكن نسبته للجهل وضعف التعليم أو البلادة، فقد دحضت دراسات عديدة وبوضوح وهم كون العقلانية أو التفكير النقدي ترتفع بارتفاع مستوى التعليم، فليست المشكلية تعليمية، بل معرفية بالأساس كما يقول برونير، ويمكن اعتبار فورت نموذجًا لذلك.

ما يشغل ذهن المؤلف أساسًا في عموم الكتاب يدور حول خطورة التضارب بين الرأي العام والمصلحة العامة، كما في اضطرار بعض السياسيين لارتكاب بعض القرارات غير الصائبة على سبيل مجاملة الرأي العام، كبعض القرارات المتصلة بالمخاوف العامة الناشئة عن بعض التقنيات الحديثة (كالمخاوف من خطوط الضغط العالي ومطهر الكلور…الخ)، وهو الأمر الذي جعله يصف الظاهرة بـ”ديموقراطية السذج”. وفي نفس الوقت يتمسك المؤلف بديموقراطيته، ويرفض فرض أية وصاية سياسية على الرأي العام، أو أي خطوة تسمح للدكتاتورية أن تطل برأسها القبيح. وهو ما دعاه في آخر الكتاب إلى تبني أفكار تتعلق بزيادة التفكير النقدي في المجال التعليمي، وما إلى ذلك، من غير اللجوء لأي حل قانوني أو سياسي للسيطرة على الأفكار “الخرافية”. وهنا يبدو الأمر -أعني مشكلة تأثير الرأي العام على القرار السياسي- بالنسبة لبلداننا نوعًا غامضًا من الخيال العلمي، ولذا لم أتحمس لعرضها هنا.

صدر الكتاب بترجمة مقبولة، عن دار جامعة الملك سعود مطلع هذا العام 1441هـ.

رأي واحد حول “ديموقراطية السذّج- جيرالد برونير

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s