وحشة التفرد

ماذا يعني أننا نتشابه نفسيًا وروحيًا أكثر مما نتوقع؟ ربما بسبب رغبتنا أحيانًا بالشعور بفرادتنا الذاتية؛ نبالغ في تخيّل أننا نمثل حالة بشرية خاصة. مشاكلنا ومواهبنا وآلامنا تبدو لنا فريدة. الحقيقة أن هذا وهم شائع جدًا. وتتركب المشكلة وتتعقّد حين ننغمس في ذواتنا وننعزل عن الآخرين، ونطيل المكث في غرفنا المقفلة، مع هواتفنا الذكية، رغبةً في تقليص تكلفة الحياة الباهظة، والتي منها تحمّل حماقات الآخرين، وتطفلهم، ونفورًا من متطلبات الانخراط في الحياة العامة. وتدريجيًا نفقد التواصل الحميمي مع الآخرين، أي آخرين، مع الناس العاديين، والنتيجة أن تتضخم أوهامنا حول ما نشعر به، من ألم، أو إحساس ما، أو خيال، أو حتى موهبة. سمعت أحد الاطباء النفسيين يقول إن إخبار المريض -بالاكتئاب أو غيره- أن مرضه شائع أكثر مما يظن، يريحه كثيرًا غالبًا، بل إن بعضهم لا يعود للطبيب مجددًا. فمما يكرّس الألم ويزيد من قسوته = الشعور بغرابته وفرادته.

ومن المعاني المعروفة ما وردت به الآية الكريمة: (وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ)، يعلّق القرطبي رحمه الله: «وذلك أن التأسي يستروحه أهل الدنيا، فيقول أحدهم: “لي في البلاء والمصيبة أسوة”، فيسكّن ذلك من حزنه، كما قالت الخنساء :

فلولا كثرة الباكين حولي

على إخوانهم لقتلت نفسي

وما يبكون مثل أخي ولكن

أعزي النفس عنه بالتأسي»

وفي الشعور بالشراكة البشرية في تحمّل الآلام ملمح لطيف، وكأن الذوات اتّحدت حين تعرّضت لنفس الوارد المؤلم، فانقسم الألم بينها، وضعف أثره بسبب ذلك. وهذا الأثر الإيجابي للشراكة مرتكزه على التوهم -كما ترى-، ومع ذلك فكل أحد يحسّه في نفسه، وما أكثر أوهام الإنسان -لو تدبّر-، ولذا فأشدّ ما على المريض أن يقال أن مرضه غامض ولا نظير له ولا يعرفه الأطباء. وحتى الذكي والموهوب يفاقم ضعف شعوره بالتشابه مع بقية الأذكياء من غروره وتتضخم أوهامه. وهكذا تجد أن الإقرار بالتشابه يساعد النفس على الاتزان، والعزاء، والتواضع ربما.

فالدهر آخره شبهٌ بأوله

ناس كناس وأيام كأيام!

فكرة “التشابه البشري” أحد أسباب الجاذبية الأزلية للأدب والفنون. وكما يقول عبدالعزيز البرتاوي:”‏أن تؤلف كتابًا، أن يقتنيه غريب، في مدينة غريبة. أن يقرأه ليلاً، أن يختلج قلبه لسطرٍ يشبه حياته، ذلك هو مجد الكتاب“. (وهو اقتباس متداول ينسب غلطًا ليوسف إدريس ولآخرين). فالرواية والفيلم والقصيدة تقول للقارئ/المشاهد بصورة واضحة -ومثيرة ربما- أنك لست وحيدًا. في النقد الأدبي والفني يعتمد الناقد -أساسًا- على وحدة الشعور البشري، وعلى الاستبطان، لكشف أو تحليل أو استنباط المعنى الوجداني والنفسي، وبغير الاعتماد على هذا الأساس يمتنع المعنى، ويستحيل التأويل عمومًا. ولذا فالتراث البشري في الفنون -بنحو ما- تأكيد واسع ومنوع وكثيف لوحدتنا الداخلية نحن البشر.

6 آراء حول “وحشة التفرد

  1. ولولا هذا التشابه وهذه الوحدة، لكنّا كالمعتلّ بفقد الذاكرة .. الذي لا تُسعفه ذاكرته أن يصيغ من العالَم حوله رؤى وتصورات يمررها في تجاربه الجديدة، ويحكّمها في خبراته القديمة، ويُعير بها عقله ووجدانه .. يرى في المعاني المبتذلة معنى جديد، ولا يقدر في المعاني الجديدة على أن يتفاعل ويتواءم معها.

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s