الفكرة واللفظ الآبق


«الكاتب هو ذلك الشخص الذي تكون الكتابة أصعب عليه مما تكون على غيره» توماس مان


لديك مساحة مغرية للكتابة، وبدون تكاليف تقريباً، فالتقنيات الحديثة أتاحت ذلك للعموم بصورة غير مسبوقة في التاريخ. هذا الإغراء يعني تكاثر الغوغاء والهراء بفعل “غزو البلهاء” كما يسميه امبرتو إيكو.

في حقبة سابقة تعرّف الروائي والكاتب الفرنسي موباسان ت1893 على الروائي الشهير فلوبير، وأخذ يعرض عليه بعض ما يكتب ليعرف رأيه، فقال له فلوبير مرة:”لست أدري إن كانت لديك الموهبة أم لا. ولكن لا تنسى هذا يافتى.. الموهبة ليست سوى الصبر الطويل. واظب”. لا تبدو نصيحة فريدة، وإنما هي النصيحة الكلاسيكة الأشهر لكل من يريد أن يتقن عمله. وفي مرة أخرى قال له أحد خلاصات تجاربه الكتابية الهامة:

“إن أبسط الأشياء تنطوي على نقطة ما مجهولة فيها، فلنبحث عن تلك النقطة ، فلأجل أن نصف ناراً تشتعل أو شجرة في حقل، ينبغي لنا أن نقف أمام تلك النار أو تلك الشجرة، إلى أن تكفّ عن أن تبدو كأية نار، أو شجرة أخرى”

استمر موباسان بالكتابة، وتنوع انتاجه بين القصة القصيرة التي برع فيها، وبين الرواية والشعر. أشار مرةً لفكرة وجدت أنها لافتة وتستحق التأمل، وهي تتعلق بفرادة الانتقاء اللغوي والدلالي والمجازي للمفردة والجملة والسياق. لا يمكنك أن تتلاعب بالمرادفات والبدائل اللغوية إذا كنت تود أن تصنع نصاً يستحق الاحترام، انظر ماذا يقول:

أياً كان الشيء الذي نريد قوله، فإنه لا توجد إلا كلمة واحدة للتعبير عنه، وفعل واحد للحديث عنه، ونعت واحد لوصفه. علينا إذن البحث حتى نصل إلى هذه الكلمة وهذا الفعل وهذا النعت، وألا نكتفي أبداً بالتقريب، وألا نلجأ إلى الغش أو التزييف -حتى لو كان للتجميل- ولا للمحاورات اللغوية لتجنب الصعوبات

وهو هنا يشير لسلوك معهود عند الكُتّاب الضعفاء، فهو يستهين بالمفردة وحين يستعصي عليه التعبير وتلتوي الفكرة يناور البلاغة، ويرواغ السياقات الدلالية، ويحاول القيام بما يشبه الرمي العشوائي باتجاه المعنى، لعله يصيب، ويكرر الرمي لعله يقترب من الصورة الذهنية أكثر. نعم لا تبدو اللغة دوماً طيّعة، وهي في تشكيلاتها العامة بنائياً ودلالياً تكاد تكون لا نهائية. يقول لك موباسان لا يوجد إلا كلمة واحدة هي المناسبة لمرادك. ابحث عنها. حسناً ماذا لو لم أجدها؟ ماذا لو لم أجد الموضوع نفسه؟ وليس فقط المفردة الملائمة؟. الكاتب والأديب والفيزيائي السابق الذي فرّ من عوالم العلم الجاف إلى ميتافيزيقيا الرواية والشعر والأدب، الأسباني ارنستو ساباتو يعتقد أنك لا يجب أن تبحث عن الموضوع. انتظره حتى يصلك:

“لا يجب اختيار الموضوع، بل ينبغي أن يترك الموضوع ليختار الكاتب. يجب أن يمتنع الشخص عن الكتابة إلا إذا كانت هناك فكرة متسلطة تلاحقه، وتطارده، وتضغط عليه من المناطق الأكثر غموضاً لذاته.. وأحياناً يستغرق هذا سنوات”

فالكتابة الحقيقية هي التي يندفع معها الكاتب للتعبير من ينابيعه الداخلية، وهي تفرض نفسها على الحضور، تبحث الفكرة عن الحضور لا تبحث الذات عن الحضور عبر بوابة الفكرة. على أنه يقع كثيراً أن الكتابة في أول الأمر تكون بدافع ذاتي وغامض وعميق، وتدريجياً يخفت هذا الدافع لصالح العوامل والمؤثرات الخارجية. قال أحدهم مرةً في عبارة قاسية: الكاتب كالعاهرة، يفعلها أولاً لمجرد المتعة أو لأجل الحب، ثم يواصل لأجل الأصدقاء والزملاء، ثم يفعلها لاحقاً لغرض الحصول على المال.

فإن دفعت الفكرة دفعاً وقيدت الألفاظ الآبقة في سياق الجمل والتعبيرات وأتقنت الصنعة، ربما تجد شعورك حينها قريباً من الشعور المجازي الذي وصفه ببراعة الإيطالي البائس تشيزاري بافيزي بقوله:

كتابة شيء ما يتركك مثل بندقية أطلقت النار و لا تزال تهتز وتدخن، كأنك أفرغت نفسك من ذاتك تماماً

3 آراء حول “الفكرة واللفظ الآبق

  1. إذا لم تخرج منفجرةً منك،
    برغم كل شيء
    فلا تفعلها.

    إذا لم تخرج منك دون سؤال،
    من قلبك ومن عقلك ومن فمك ومن أحشائك
    فلا تفعلها.
    إذا كان عليك أن تجلس لساعات
    محدقًا في شاشة الكمبيوتر
    أو منحنيًا فوق الآلة الكاتبة
    باحثًا عن الكلمات،
    فلا تفعلها.
    إذا كنت تفعلها للمال
    أو الشهرة،
    فلا تفعلها.
    إذا كنت تفعلها
    لأنك تريد نساءً في سريرك
    فلا .. تفعلها.
    إذا كان عليك الجلوس هناك
    وإعادة كتابتها مرة بعد أخرى،
    فلا تفعلها.
    إذا ثقيلًا عليك مجرد التفكير في فعلها،
    فلا تفعلها.
    إذا كنت تحاول الكتابة مثل شخص آخر،
    فانس الأمر.
    إذا كان عليك انتظارها
    لتخرج مدويّةً منك،
    فانتظرها .. بصبر.
    إذا لم تخرج منك أبدًا،
    فافعل شيئًا آخر.

    إذا كان عليك أن تقرأها أولًا لزوجتك
    أو صديقتك، أو صديقك
    أو والديك أو لأي أحد على الإطلاق
    فأنت لست جاهزًا.

    لا تكن مثل كثير من الكتّاب،
    لا تكن مثل آلاف من البشر
    الذين سمّوا أنفسهم كتّابًا،
    لا تكن بليدًا ومملًا ومتبجّحًا،
    لا تدع حب ذاتك يدمّرك.
    مكتبات العالم قد تثاءبت حتى النوم
    بسبب أمثالك.
    لا تضف إلى ذلك.
    لا .. تفعلها.
    إلا إن كانت تخرج من روحك كالصاروخ،
    إلا إن كان سكونك سيقودك للجنون
    أو للانتحار أو القتل،
    لا تفعلها.
    إلا إذا كانت الشمس داخلك
    تحرق أحشاءك،
    لا تفعلها.

    عندما يكون الوقت مناسبًا،
    إذا كنت مختارًا
    ستحدث الكتابة من تلقاء نفسها
    وستستمر بالحدوث مرة بعد أخرى
    حتى تموت
    أو تموت هي داخلك.

    لا توجد طريقة أخرى.
    ولم توجد قط.

    | تشارلز بوكوفسكي دفن في لوس أنجلوس عام 1994 وأوصى بأن يكتب على ضريحه: “لا تحاول.” هذا التحذير الأخير الذي أصر على إيصاله لكل من يفكر بالكتابة. لا تحاول. فقط استمع ولا تفكر بالمحاولة.

    Liked by 3 people

  2. الكتابة الحقيقية هي التي يندفع معها الكاتب للتعبير من ينابيعه الداخلية، وهي تفرض نفسها على الحضور، تبحث الفكرة عن الحضور لا تبحث الذات عن الحضور عبر بوابة الفكرة. على أنه يقع كثيراً أن الكتابة في أول الأمر تكون بدافع ذاتي وغامض وعميق، وتدريجياً يخفت هذا الدافع لصالح العوامل والمؤثرات الخارجية. قال أحدهم مرةً في عبارة قاسية: الكاتب كالعاهرة، يفعلها أولاً لمجرد المتعة أو لأجل الحب، ثم يواصل لأجل الأصدقاء والزملاء، ثم يفعلها لاحقاً لغرض الحصول على المال.

    هذا هو ملخص الكلام

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s