نضوب العبارة

تواضع الناس على المدلولات العامة للكلمات الدالة على أنواع الشعور (الألم، اللذة، الحزن، الحنين، الخوف، الحب، الشفقة، الفرح، الحقد،…الخ)، ويدرك الصبي ذلك مع نمو قدراته، ويكتشف دلالات هذه المفردات بالتقليد والمحاكاة أولاً. ثم يتفاوت الناس لاحقاً في عمق الشعور بها، وفي جودة الإحساس والتعبير عنها.
وأحياناً يجد المرء في نفسه نوعاً من المشاعر غير المألوفة، ولا يجد كلمة أو مفردة تفي بما يحس به. فعندما يرى -مثلاً- فقيراً قد قضمته الدنيا يحاول جاهداً أن لايبدو كذلك، يتكلف لباساً لا يناسبه، أو لا يتقن لبسه. يتظاهر أنه في حالة طيبة، لكن سياق الحال يخذله.
ويعجز عن التعبير عن إحساس لا يستطيع دفعه حين يكون في موقف يتحدث فيه من لا يحسن الحديث، بمحضر من الناس، أو يقع من المتحدث ما يخجل الناس منه عادةً، فإنه يدخل في نفسه من ذلك شيء عظيم، ولا يعرف ما هو ذلك الإحساس على جهة التعيين. شعورٌ هوكالعار المشوب بالحسرة والشفقة الحادّة، أو اعتراض عميق لا إرادي على حدوث مثل هذه الأشياء.

وقد يذهب الإنسان لبلد لا يعرف لغة أهله، فيحتاج أن يعبّر عن مراده لبعض الناس هناك، أو للعاملين في الفندق الذي يسكنه، فلا يستطيع، فيخترقه إحساس حامض، لاذع، لا يمكن توصيفه، إحساس يشبه حال من يسكن في الشارع، في ليلة قارسة ومطيرة. إنه لون من التهجير المعنوي، لحظة عدمية قاسية.
هذا النضوب في المفردات هو الذي يمنح الشعر والرواية والأدب عموماً التفوق والقيمة، لقدرتها على تمثيل وتصوير المشاعر بمفردات وتشبيهات وتراكيب غير معتادة، لأنها تصف مواقف ومشاعر هي الأخرى غير معتادة.
وقد وقعت على قناة يوتيوبية تحمل فكرة غريبة، وهي إختراع كلمات تعبّر عن مشاعر ليس لها كلمة معروفة، وتقوم بسرد وشرح هذا الشعور في فيديو معبّر. مثلا اقترحوا كلمة socha للتعبير عن هشاشة الآخرين الخفية، وAmbedo للتعبير عن استشعار كثافة اللحظة ذاتها، وDes Vu كمفردة تعني الوعي بأن ما يحدث سيصبح ذكرى…الخ. فكرة بديعة وغير تقليدية. شعرت حين وجدتها بدهشة لذيذة.

اللغة، والكلمات؛ تكرس من إدراكاتنا لوجودنا، ولكنْه مشاعرنا، وإحساساتنا المتفردة. تطرفت بعض الفلسفات اللغوية المعاصرة ووصلت لحد الاعتقاد بأن اللغة هي ما يمنح الأشياء الوجود. فاللغة تصعّد الشعور المختفي إلى عالم الشهود، وحين تمنحه مفردة دالّة يكتمل وجوده، وتندلق المياه في أرض كينونته المجدبة،فتمتلأ به النفس.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s