حتمية الملل

المَلَل هو الشيء الأكثر دنيوية في طبائع الآدمي، وهو من منغصات العيش الأساسية، والناس يختلفون في مقدار تمثّل هذا الطبع، لكنه موجود فيهم بالجملة. وكما يقول إدغار موران:”أكثر الناس حساسية أكثرهم مللاً”، لأنهم يدققون النظر في نقائص الأشياء. وكذلك الحالمون والمثاليون.

بحثت عبر قوقل عشوائياً عن الملل، وكانت أولى النتائج عن: الملل في الحب، الملل في الحياة الزوجية، الملل في الحياة…الخ. وألوف الصفحات على الشبكة تناقش موضوع “الملل” وتقدم نصائح لتفاديه. وقد جاء التشريع الإلهي مراعياً هذه الخصيصة الإنسانية كما يقول ابن عطاء:”لما علم الحق منك وجود الملل ؛ لوَّن لك الطاعات”. بخلاف الملائكة الذي وصفهم الله بأنهم:(لا يسئمون)، فعدم الملل بالمرة حالة ملائكية لا إنسانية.

قلت أن الملل هو الأكثر دنيوية بين طبائع الإنسان، لأنه يفسد استمتاع الانسان بالأشياء، والتي تقع في وقت شديد المحدودية والقِصر، بينما في الجنة، والتي تقع في زمان مطلق أبدي (بالمناسبة هناك ثلاث مصطلحات مهمة، الأبدي: وهو ما لا نهاية له. الأزلي: وهو ما لا بداية له. السرمدي: وهو ما لا بداية له، ولا نهاية) لا وجود لهذا الملل ولا للسآمة، مع أن طول الوقت بل لا نهائيته مظنة للملل، قال ﷻ:”خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا”، والانسان لا يملّ في الجنة لكون الملل منغص للنعيم، والجنة نعيم تام، ولأن نعيم الجنة يتجدد، ويتنوع، كما تجد ذلك واضحاً في حديث سوق الجنة. ولكون الملل غالباً إنما يكون لنقص في اللذة نفسها؛ ولذلك لا أحد يملّ من العافية، أو من نعمة البصر، أو السمع، أو يسأم من البهجة الروحية الإيمانية. أو يكون بسبب هرمون يفرزه الجسم لكي يتوقف عن الاستجابة للمثير بعد الاكتفاء بكمية معينة، وذلك لتحقيق توازن صحي للجسد. وكل ذلك منتف في الجنة، كما تعلم.

ولغلبة الشغف بالملذات عند الانسان المعاصر بلا نظر في قيود الدين ولا الخلق، نشأت ألوان الشذوذ في الفن، والسينما، والألبسة، والفنون التشكيلية والسريالية، لطرد الملل الناتج عن تشابه المتع، بل حتى في المواد الإباحية، تخترع شركات المتاجرة بالعري ألواناً جديدة -شديدة الشذوذ عادةً- من العروض الإباحية لإبعاد السآمة، وتجديد الإثارة لدى المتابعين. وهكذا تجد أن الملل يفسد على الانسان الدنيوي استمتاعه باللذات مهما كانت شديدة الإثارة.

وعموم هذه المعاني يوصلك إلى حقيقة واضحة وهي أن نفس الإنسان في الدنيا مركّبة على هيئة خاصة بحيث لا يمكنها السكون التام لمباهج الحياة وإن عظمت، وأنها لا تطمئن إلا إلى بهجة روحية إيمانية، تعتاض بها عن نقائص متع الدنيا.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s